من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
صالح المزور
صالح بن إبراهيم بن خليل الشهير بالمزور الحنفي الدمشقي خطيب السليمية في صالحية دمشق كان من الأدباء البارعين الأفاضل ولد تقريباً في حدود التسعين وألف بدمشق ونشأ وقرأ على الأفاضل والأجلاء وأخذ الأدب عن الأمين المحبي وانتفع به وتخرج عليه وكتب بعض تآليفه وكان عارفاً بارعاً في الأدب حسن الصوت لطيف العشرة ماهراً في المويسيقى والألحان وله شعر حسن وترجمه الأديب الأمين المحبي المذكور في ذيل نفحته وذكر له من شعره وقال في وصفه هو عندي بمثابة ابني وإذا أثنيت عليه فبصالح اثني فرابطتي معه علقة علائقه وإني لا أرى غذاء روحي الا في خلائقه فإن بدا روى عيوني رواؤه وإذا تكلم أشبع خاطري أداؤه وإن غاب شمت حزني بفرحي ومتى حضر حضر سروري بمقترحي فلله من روح حياة ضمنت ضلوعه وقمر ملاحة في سماء النبل طلوعه وهو في مبدا صوب قطرته من الغمامه وباكورة خروج زهرته من الكمامه يحل من القلوب بلطفه محل الروح من الجسد
ونتحاسد عليه العيون والآذان فكأنما خلق لأجله الحسد وله أدب نفس وسليقه تحلى بحسن خلق وخليقة إلى خط كخط العذار أول طلوعه وصوت يدعو القلوب قسراً إلى صبوته وولوعه فكم حل بمغنى فسيح فمر فيه بمعنى فصيح وشعره عليه مسحة الحسن يوقظ بغرامياته الجفون الوسن انتهى ما قاله الأمين المحبي ومن شعره قوله
يا عين لا تهجعي فالسعد وافاكوزار من تعشقي ليلاً وحياك
مليحة صاغها نوراً مصورهافافتنت كل ذي رأى وادراك
تعلم السحر هاروت وأتقنهمن لحظها حين أرماه باشراك
كم عاشق ضل في داجي الذوائب قدأهداه نور صباح من محياك
حويت جنة حسن في الخدود علامن فوقها عرش شعر جل عن حاكي
قوله حويت جنة حسن إلى خره استعمل العرش في الشعر والمشهور استعماله في الخد كما قيل
غدا خاله رب الجمال لأنهعلى عرش خد فوق كرسيه استوى
وأرسل رسلاً من لحاظ أعزةعلى فترة تدعو الأنام إلى الهوى
عوداً
وكنز ثغر حصين بالعقيق حوىجواهراً نظمت من غير أسلاك
يا طلعة البدر يا شمس النهار وياغصن الرياض وذات المبسم الزاكي
تالله لا أبتغي خلاً يسامرنييا ظبية أسرتني عين لقياك
لا سامح الله عذالاً لنا عذلوالوعاً ينوا لغدواً من بعض أسراك
وكتب إليه الفاضل الألمعي السيد مصطفى الصمادي ملغزاً بقوله
أيا فاضلاً في حل ما جاء مشكلاًمن الرمز في لغز ولا يتوقف
ابن لي ما اسم بدؤه بدء سورةبحرف عظيم القدر في الذكر يعرف
ومنطوق ذاك الحرف فعل كما ترىووصف لموصوف إذا ما يحرف
وإن منه تحذف أولاً ثم تقلبنتبين فعلا ضده الذوق يانف
وتصحيف هذا الفعل إن كنت رادفاًتراه يقيناً أوضح الأمر يكشف
وإن منه تحذف ثانياً ثم رابعاًمع القلب فاسم الشخص بالسور يوصف
وإن تقلب المقلوب أيضاً رأيتهأتى باسم ذي روح به النفس يتلف
وصحف لذي المقلوب وافتح لأولتراه غدا فعلاً عن الرشد يصرف
وإن رمت قلب الأسم كلا مصحفاًلأوله كنت النجاة ترادف
فأجابه المترجم عن هذه الأبيات والغز في ذيلها أيضاً بقوله
أياماً جداً حاز الفصاحة والذكاومن لحماه الجود والفضل يألف
سالت عن اسم ما تلا بدءه من المنزل أن تتلوه لفظ مشرف
وثاني رمز فيه قد صار فكرتيبما بعده صفني لرؤياك تنصف
ورابعه يا مفرد العصر لم يزلبه عيش من يشناك يا خل يوصف
وصحفه يا مفضال واترك رديفهوحرفه إن العين للضد تألف
وإن تحذف الحرفين للهيئة التيأتيت بها بدأ عدو يؤلف
وثامن رمز من يروم بجهلهيضاهيك في فضل به صار يعرف
وما بعده وقيت من ضده وإنتصحف بتعريف إذا ثم يكشف
وآخر ما فيه صلاح لما مضىمن الرمز أجلى من لآل وألطف
وسامح بما قد جئت فيه مبيناًلرمزك يا من للغوامض يكشف
وبين أيا مولاي ما اسم ببدئهلقد أقسم الرحمن إذ ما يصحف
وإن تصفه تحذف وحرفه ما بقييكن آلة للبطش في الذكر تعرف
وما بعده وقيت من ضده وإنتصحف بتحريف إذا ثم يكسف
وإن صدره تسقط فيوم معظموحرف وصحفه فوصف مشرف
وإن رابعاً منه أزلت محرفاًففعل على الأجساد منه تكلف
وإن تجعل الثاني من الفعل ثالثاًبقلب فمركوب إذا سار يسرف
أجب يا حليف المجد وأبدي خفاءفكل أديب من بحارك يغرف
ولا زلت محفوظاً على رغم حاسدثمار معاتي النظم بالفكر تقطف
وحين وصل إليه أجابه الصمادي من الوزن والقافية بقوله
أيا روض فضل نوره الحذق والذكاومنه جنى الآداب واللطف يقطف
جوابك وفي حيث وافى بحل ماتضمنه لغز من الرمز يكشف
والغزلي في اسم أتى الذكر مقسماًبه المسجد المشهور بالفضل يوصف
أو الثمر المعروف أو نفس بلدةكذا قال أهل العلم فيه وعرفوا
وتصحيف هذا الحرف نبت وقلبهبه مثل ذي يضاهيك يعرف
ومنطوق حرف جاء يتلوه في الهجاإذا فتحوا فالفتح شانيك يردف
وإن نصف هذا الاسم تحذف محرفاًفتلك يدمن بحر نعماك تغرف
وإن بعد هذا الحرف بدلت أولاًبما بعد حرف الميم فالطيب يعرف
وإن بدأه تسقط فيوم مباركوعيد بتصحيف إذا ما يحرف
وإن شئت أسقطه وحرف وصحفنفوصف لمحبوب به الصب يشغف
وإن آخراً تسقط وحرفته أتىلك السعي مشكور به دمت تسعف
وإن تقطع الطرفين منه مشدداًوحرفته فالداء وقيت يضعف
وإن آخراً تخذف ونزلت أولاًبمنزله فالعيس في السير تعسف
وإن شئت صحف قلب ذا العيس وأقلبنوحرف فد وبطش من الوحش يرجف
وهذا جوابي وأعذر الفكر إن سهاوسامح فمنك العفو والصفح يؤلف
ودم يا سعيد الرأي للمدح صالحاًبكل لسان يالكما لات توصف
ولا زلت تهدي كل عقد منضدمن النظم يزري بالآلي وتتحف
وللمترجم أيضاً مضمناً
لقد كنت في أسر الغزال صيدهخبيراً وفي أمري يحار ذوو اللب
إذا رمت صيد الظبي انصب في الهوىحبائل فكري حيث لا يشعروا صحبي
فها أنا قد عفت الغزال وصيدهوأطلب بعدي عنه لا أبتغي قربي
وذاك لما قد قال قبلي شاعرفلا بد للصياد من صحبة الكلب
وتأبى نفوس الاسد ماء على الظماإذا كان كلب السوء يدنوه للشرب
وله أيضاً
يا معجباً في حسنهقف ريثما إن أسألكأتظن إن الحسن فر
دفى الوجود وتم لكخفض عليك عرفت آخرك القبيح وأولك
وسألت عنك فقيل ليمن تحت غربال الفلك
وله مشجراً
خذوا بيدي يا أهيل الغرامفإني أسير هوى مستهام
لحا الله قلباً خلا من هوىوعذب بالسهد طرفاً ينام
يعيرني عاذلي في الضنىوما الفخر في الحب غير السقام
لعمرك يا عاذلي فاتئدففي الحب موتي اقصى المرام
وله
أثر بخد معذبي فسألتهعنه أجاب بعذب لفظ رائق
عوذت ياقوت الخدود بقطعةمن لازورد خوف عين العاشق
وفي المعنى للأديب إبراهيم السفرجلاني
أجل في خده نظراً فإنيغرست به البنفسج فوق ورد
ونطت به لرد العين عنهعلى الياقوت قطعة لازورد
وللمترجم
يا عاذلاً عن هوى لمياء كاعبةهلا عشقت رشيق القدماء نوسا
ضللت لما هويت الآن ملتحياًخالفت للناس في هذا وابليسا
أقول إن الشائع عن أهل الموصل إنهم لا يهوون الا المعذر وربما بالغ بعضهم فقال نحن قول إذا سمحنا في طريق المحبة بنوال لا نسمح الا لمن ينفق على عياله قال الأمين المحبي في تاريخه في ترجمة عطاء الله بن محمود الصادقي الحلبي وهذا مذهب جرى عليه الحلبيون وسال العلامة العمادي الحنفي الدمشقي العالم الشيخ أحمد ابن المنلا الحلبي بقصيدة عن ترك الميل إلى المرد والميل إلى المعذرين فأجابه بقصيدة وهي لا تشفي الغليل وكلا القصيدتين مثبتتان في ريحانة الشيخ شهاب الدين الخفاجي المصري ورأيت لأبن منقذ بيتين متعرضاً لما جرت عليه أهل الموصل مما ذكرناه بقوله
كتب العذار على صحيفة خدهسطراً يحير ناظر المتأمل
بالغت في استخراجه فوجدتهلا رأى الا رأى أهل الموصل
وفي ذلك قول بعضهم
وقيل محب المرد يدعى بلائطويدعى بزان من يحب الغوانيا
فأحببت أهل الذقن مني تعففاًفلااناً لوطي ولا أنا زانيا
ولقد ترقى بعضهم فقال
أعشق المرد والنكاريش والشيب عندي مثل البنين البنات
حد ما يشتهي وينكح عنديحيوان تحل فيه الحياة
ولأبن تميم مضمناً
ومعشر عذلوا لما ركبت علىأحوى محاسنه قبحن فعلهم
دع يعذلوا ما استطاعوا انني رجللو استطعت ركبت الناس كلهم
وترقى بعضهم فقال
كلفت به شيخاً كان مشيبهعلى وجنتيه ياسمين على ورد
أخا العقل يدري ما يراد من الفتىأمنت عليه من رقيب ومن ضد
وقالوا الورى قسمان في شرعة الهوىلسود اللحا ناس وناس إلى المرد
فقلت لهم لو كنت أصبو لأمردصبوت إلى هيفاء مائسة القد
وسود اللحا أبصرت فيهم مشاركاًفاخترت أن أبقى بأبيضهم وحدي
وقد ذكر أن بعض الناس خرج إلى خارج بلدته يوماً للتنزه هو ورفيق له فمر على مكان وجد فيه رجلاً اختياراً بحذاء أمرد وهو يبكي ودموعه تساقط فقال له
ما يبكيك فقال له جد هذا ووالده وأعمامه كلهم في عائلتي وأنا قد نكحتهم جميعاً والآن أنكح هذا فأبكي حزناً على أولاد هذا وأولاد أولاده من ينكحهم بعدي أتذكر ذلك وأبكي انتهي قلت وما ذكر من مدح العارض والعذار محمول على المبالغة في الأشعار والاقتدارات في ابراز المعاني والعبارات وايراد الابتكارات الأدبية والا فمن يفضل الملتحي على ذي الوجنة الطرية ومن يميل إلى وجنة تلطخت بالسواد ولبست لموت جمالها ثياب الحداد وذبت ورودها واكتست جلباب الشعر خدودها شتان بين خدانيق يزدري بطراوته ونكهته الورد وحمرة الشقيق وبين المخالي ومن سودت وجهه الأيام والليالي فمن ينظر للقمر وقت المحاق أو يدخر الفضة بعد الاحتراق أو يعتاض عن الآرام بالقرود أو يستبدل بالترف خشن الخدود أو يستحسن كسوف الشمس أو يستغني بعجوز الشياطين عن عروس الأنس وكل ما أبدوه ابتكارات واختراعات للأقتدار لا لمدح العارض والعذار انتهى وللمترجم وكتبه لبعض أصحابه مضمناً
يا من أفاض على الراجين سحب ندىمن كفه فوق هم ضيقة العطن
إني قصدتك من جور الزمان فلانخيب الظن وأعددها من المنن
واذكر معاهد أنس قد مضين لناتحكي رياض المنى في غابر الزمن
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروامن كان يائفهم في المنزل الخشن
فهاك ابنه فكري قد بعثت بهااليك مستشفعاً في رونق حسن
فأسبل عليها ذيول الستر سابغةواغنم ثنائي لكم في السر والعلن
والبيت المذكور ضمنه بعضهم مع الاكتفاء وهو ما حكي إن الأمير بدر الدين بيلبك خزينه دار الحضرة القاهرة كان لتاجر وذلك التاجر يحسن إليه وهو في رقه فلما باعه تنقلت به الأحوال إلى ما صار إليه وافتقر التاجر فيما بعد فحضر إليه إلى مصر وكتب إليه رقعة فيها
كنا جميعين في كد نكابدهوالقلب والطرف منا في أذى وقذا
والآن أقبلت الدنيا عليك بماتهوي فلا تنسني إن الكرام إذا
فأعطاه عشرة آلاف درهم وكانت وفاة صاحب الترجمة في ربيع الثاني سنة اثنين وخمسين ومائة وألف ودفن بتربة الباب الصغير رحمه الله تعالى ورثاه الأديب الشيخ عبد الله الطرابلسي مؤرخاً بقوله
على صالح يا قوم تبكي المنابرفقد همعت بالحزن منا المحاجر
به أفلت شمس الكمال فأرعدتمصيبتنا والحزن بالغم ماطر
وغيضت مياه الحزن عنك فملناوحقك قلب عند فقدك صابر
وليل العنا فينا اكفهر ظلامهوضاقت علينا للفراق السرائر
لتبك المعالي بعد فقدك حسرةكما لبست ثوب الحداد المفاخر
أيا لوذعياً كان في الفضل باهراًومن عيشه بالبشر والعز هامر
لقد كنت بحراً في الفضائل والذكاخطيباً لبيباً نور علياك ظاهر
وقمت بأعواد المنابر واعظاًبحسن بلاغ منه ناه وزاجر
عليك من الرحمن ألف تحيةورضوانه ما ناح في الروض طائر
وما قال بالحزن الجزيل مؤرخعلى صالح يا قوم تبكي المنابر
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع