تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

صادق البيروتي

صادق بن عبد السلام المعروف بالبيروتي الحلبي الأديب النبيه الفاضل كان والده من صدور أعيان حلب المشار اليهم والمعول عليهم وله شهرة هناك وترجمه السيد محمد الأمين المحبي الدمشقي في ذيل نفحته وقال في وصفه من محتد صادق جامع ذكراهم شرف لافظ وسامع فهم عقد الجيد وتاج المفرق ومدحهم

فخر القلم وزينة المهرق نبغ منهم ماجد اثر ماجد فارقه الدهر وهو لعمري عليه واجد حتى طلع هذا بمجد لا مدعى ولا منتحل وهمة لو رامها البدر لأستحذى له زحل فركض في حلبة من حلبات المجد وعانق الغرام في ليل الجد والوجد فهو الآن خلاصة ذلك العنصر وله الفضل الذي تتباهى به الأعصر فهو أحق إلى العلى من شارف مجده متنافس فيه من تالد وطارف وله شعر أخلصه السبك أبريزاً فسما على نظرائه زجاجاً وتبريزا أثبت منه ما تديره كؤوساً على الندام فيتسلى به فؤاد لا تسليه المدام انتهى مقاله ومن شعره قوله من قصيدة

دمع بتذكار أحباب له سفحاًوباح من سره المكتوم ما افتضحا
ومعهد بالحمى صاف ترف لهسرائر في سويدا القلب قد سنحا
أثار لاعج صب كان منكتماًبين الضلوع وشوق زند قدحا
حيث الشبيبة والأيام مقبلةوحيث دهري عن معوجه صلحا
نشوان أختال من خمر الصبا مرحاًلا أستفيق غبوقاً لا ومصطبحا

وقوله

وردنا مقامك نجلي الهمومبشرب المدام وتنفي الكرب
فلم نر فيه الجناب الرفيعوما فيه بغيتنا والأرب
فكاد الفؤاد جوى أن يذوبلغيبة شهم العلى والنسب
فلما قدمت أضاء المكانوزاد السرور بنا والطرب
فدرها سلافاً وحث الكؤوسفهذا الصباح أراه اقترب
وهذا النسيم له مؤذنوهذي البلابل تملي الخطب
فدا والكلوم ببنت الكروموأفرغ نضارك فوق الذهب

وقوله أيضاً

حبذا عيشنا ونحن بروضبين هزل من الكلام وجد
وغناء من مطرب وأغانوعبير يضوع من عطر ند
وهزار مغرد وغديربين وردين من نبات وخد
وسقاة مثل البدور ونايومدام وضم خصر ونهد

وقوله أيضاً

لا ولحظ بابلي سحرهوخدود حفها حسن الضرج
وخصور مضها طول الضنىوشعور فوقها تحكي السبج
وثنايا درها منتظمفي عقيق زانه فيها الفلج

هو من قول أحمد المهمنداري الحلبي المفتي

إن الشفاه اللائي حملننيفي الحب أضعاف الذي لا أطيق
جدول ياقوت بدا تحتهسبحة در نظمت في عقيق

ولما سمع ذلك الأديب السيد محمد العرضي الحلبي فقال

تلك الثنايا وأشقائي بهاباتت تريني عند لثمي الطريق
تبددت من غيرة عندهاسبحة در نظمت في عقيق

عوداً

ما نسيم الروض إلا أنهسارق من طيب ذياك الأرج
ما تراه كلما وهبت ضحىفاح منه أرج يحيي المهج

وللمترجم

ولما زارني من بعد بعدوكاد اليوم يقضي بانقضاء
وأرشفني اللما بعد الثنائيوأحيى الروح في ذاك اللقاء
وقام مودعاً كالغصن قداًوكالشمس المنيرة في الضياء
وآلى إنه في اليوم يأتيقبيل غروب شمس في السماء
فليت الشمس لو بقيت قليلاًففيها كلما بقيت فنائي

ومن مقطعاته قوله في التشبيه

وبدر يعاطيني المدام عشيةوبمزج أخرى من لماه بأعذبه
إذا ما حساها من فم الكاس خلتههلالاً أزاح الشمس عن وجه كوكبه

وقريب منه قول الكامل فضل الله العمادي الدمشقي

ومدير لنا المدام بكأسمثل عقد حبابه منظوم
هو بدر وفي اليدين هلالفيه شمس وقد علته نجوم

وأصله من قول سيدي عمر ابن الفارض قدس الله روحه ونور ضريحه

لها البدر كأس وهي شمس يديرهاهلال وكم يبدو إذا مزجت نجم
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «شربنا على ذكر الحبيب مدامة»

وللمترجم أيضاً من هذا المعنى قوله

لله يومي بالبستان إذ جليتعلى بنت الطلا من كف ذي ملق
كأنه إذ جلاها في الكؤوس ضحىبدر تناول شمساً من يد الأفق

وله أيضاً

وليلة قد تقضت بالدجى عبثتوالكأس تجلى وبدر التم لي ساقي
فمذ حساها تراءى لي بغير مرابدر يقبل شمس الأفق من طاق

ويناسبه قول الأديب منصور الشهير بكيغلغ

عاد الزمان بما هويت فاعتبايا صاحبي فأسقياني وأشربا
كم ليلة سامرت فيها بدرهامن فوق دجلة قبل أن يتغيبا
قام الغلام يديرها في كفهفحسبت بدر التم يحمل كوكبا

وهذا ما وصلني من خبر المترجم ولم أتحقق وفاته في أي سنة كانت غير أنه من أهل هذا القرن رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الصاد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.