تجاوز إلى المحتوى

من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)

عبد الرحمن البعلي

عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن محمد الحنبلي البعلي الدمشقي نزيل حلب الشيخ العالم الفاضل الصالح كان فقيهاً بارعاً بالعلوم خصوصاً في القراآت وغيرها ولد في ضحوة يوم الأحد الثاني عشر من جمادي الأولى سنة عشرة ومائة وألف ثم لما بلغ سن التمييز قرأ القرآن حتى ختمه على والده في مدة يسيرة ثم شرع في الاشتغال بطلب العلم في سنة عشرين فقرأ على الشيخ عواد الحنبلي النابلسي في بعض مقدمات النحو والفقه واشتغل عليه بالقراءة بعد ذلك نحواً من عشرين سنة وهو أول من أخذ عنه العلم ولما توفي والده في سنة اثنين وعشرين وكان فاضلاً ناسكاً عالماً لازم مع أخويه الشيخ أحمد المقدم ذكره والشيخ محمد دروس الامام الكبير أبي المواهب الحنبلي في الفقه والحديث نحو خمس سنين ودروس الاستاذ الشيخ عبد القادر التغلبي في الحديث والفقه والنحو والفرائض والحساب والأصول وغير ذلك مدة خمسة عشر سنة وأجازه اجازة عامة ثم لازم حفيده

العلامة الشيخ محمد المواهبي نحو تسع سنين في الحديث والفقه أيضاً وأجازه وقرأ على الاستاذ الرباني الشيخ عبد الغني النابلسي كتاب فصوص الحكم للشيخ الأكبر مع مشاركته لجدي والد والدي العالم المرشد السيد محمد المرادي وحضر دروسه في تفسير البيضاوي والفتوحات المكية وشرحه على ديوان ابن الفارض وفي الفقه والعربية وغير ذلك ولازمه نحو ثمان سنين وأجازه اجازة عامة بخطه وقرأ على الفاضل المسلك الشيخ محمد بن عيسى الكناني الخلوتي شيأً من النحو وشرحه على منفرجة الغزالي ورسالته المفردة في أربعين حديثاً مسندة وأخذ عليه طريق السادة الخلوتية ولقنه الذكر ولازمه نحو خمسة عشر سنة وأجازه ولازم دروس كثير من مشايخ عصره غير هؤلاء المذكورين منهم الامام الشيخ محمد الكاملي والعلامة الشيخ الياس الكردي والشيخ إسماعيل العجلوني والشيخ محمد الحبال والشيخ أحمد المنيني والشيخ علي كزبر وغيرهم وأخذ الفرائض والحساب عن الشيخ مصطفى النابلسي وحفظ القرآن على الحافظ المقري المتقن الشيخ إبراهيم الدمشقي ثم بعد أن ارتحل إلى الروم ودخل حلب وذلك في سنة أربع وأربعين أخذ عن جماعة من أجلالها وممن ورد اليها فسمع الحديث المسلسل بالأولية وأكثر صحيح الامام البخاري من المحدث العلامة الشيخ محمد عقيلة المكي وقرأ جملة من المنطق والأصول على الشيخ صالح البصري وطرفاً من الأصول أيضاً والتوحيد والنحو والمعاني والبيان على الشيخ محمد الحلبي المعروف بالزمار وحضر دروسه كثيراً في صحيح البخاري وأخذ العروض والاستعارات عن الفاضل الشيخ قاسم البكرجي وأشياخه كثيرون لا يحصون عدة وأعلى أسانيده في صحيح الامام البخاري روايته له عن الشيخ محمد الكناني عن المسند القدوة الرحلة الامام الشيخ إبراهيم الكوراني نزيل المدينة المتوفي بها في سنة احدى ومائة وألف بسنده وعن شيخه الشيخ عقيلة عن المحدث الكبير الشيخ حسن بن علي العجيمي المكي بسنده وفي كل من السندين بين صاحب الترجمة وبين الامام البخاري عشرة والامام البخاري حادي عشرهم وبالنسبة إلى ثلاثياته يكون بينه وبين صاحب الرسالة ﷺ أربعة عشر وهذا السند عال جداً ولا يوجد أعلى منه وقد أجازني بسائر مروياته عن مشايخه باجازة حافلة وأرسلها إلي من حلب وكان بحلب مستقيماً ساكناً فاضلاً وله أناس يبرونه قائمين بمعاشه وما يحتاج إليه واستقام بها إلى أن مات وكان ينظم الشعر وله ديوان فائق محتو على رقائق فمنه ما قاله مقتبساً

أعبد الله وجاهدفإذا فرغت فانصب
والزم التقوى حلوصاًوإلى ربك فارغب

ومن ذلك قول بعضهم

أيها السائل قوماًمالهم في الخير مذهب
اترك الناس جميعاًوإلى ربك فارغب

أقول والاقتباس هو إتيان المتكلم في كلامه المنظوم أو المنثور بشيء من ألفاظ القرآن أو الحديث من غير تغيير كثير على وجه لا يكون فيه اشعار بأنه من القرآن أو الحديث وهو على ثلاثة أقسام الأول مقبول وهو ما كان في الخطب والمواعظ والعهود ومدح النبي ﷺ ونحو ذلك والقسم الثاني مباح وهو ما كان في الغزل والرسائل والقصص والقسم الثالث الأقتباس المردود الغير مقبول وهو ما أدى إلى تشبيه بالله تعالى أو استخفاف بكلامه القديم ونعوذ بالله تعالى أو بالرسول عليه أنمى الصلاة وأسمى السلام أو بحديثه الشريف كقول عبد المحسن الصولي

قلت وقد أوردني حبهموارداً ليس لها مصدر
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «قلت وقد أوردني حبه»
أفسدت دنياي ولا دين ليتفسده فاصدع بما تؤمر
للشاعر عبد المحسن الصوري، من قصيدة «قلت وقد أوردني حبه»

قال الاستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي وقد أقر أنه لا دين له فلا يعترض عليه حينئذ ومن ذلك قول القائل

أوحى إلى عشاقه طرفههيهات هيهات لما توعدون
وردفه ينطق من خلفهلمثل ذا فليعمل العاملون

وأما ما جاء في المقبول والمباح فكثير كقوله

أعبد الله ودع عنكالتواني بالهجود
ومن الليل فسجهوأديار السجود

وقول الآخر

لا تكن ظالماً ولا ترض بالظلموانكر بكل ما يستطاع
يوم يأتي الحساب ما لظلوممن حميم ولا شفيع يطاع

وللشيخ برهان الدين الباعوني

قالوا الحميا شرابللأنس والبسط جاءت
فقلت رداً عليهمبئس الشراب وساءت

وللمعمار

ما مصر الا منزل مستحسنفأستوطنوه مشرقاً ومغرباً
هذا وإن كنتم على سفريهقتيموا منه صعيداً طيباً

ولبعضهم

حمامنا من ضيقتها تشتكيكأنها صدر وقد أحرجوه
فهي لظى نزاعة للشويوماؤها كالمهل يشوي الوجوه

وللآخر

خذ من الخبر الذي لاح الذي منه تشاء
ثم لا تنظر إلى ماسيقول السفهاء

وفي اقتباس الحديث شيء كثير منه قول ابن عباد حيث قال

قال لي إن رقيبيسئ الخلق فداره
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «قال لي ان رقيبي»
قلت دعني وجهك الجنةحفت بالمكاره

وهو اقتباس من حديث حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وفي الاقتباس قرآناً وحديثاً شيء كثير فلا حاجة لذكر ذلك وأما الذي يتغير بيسير في اللفظ فقد جاء في كثير من كلام البلغاء منه قول بعضهم قد كان ما خفت أن يكونا إنا إلى الله راجعونا وفي القرآن إنا لله وإنا إليه راجعون فتعبيره ظاهر ولا بأس به والصواب عندي التحرز عن التغيير خصوصاً في الآيات القرآنية انتهى ولصاحب الترجمة عاقداً الحديث

حصل العلم فمن حصلهنال غزا والغنى مع دين
رغب المختار فيه قائلاًاطلبوا العلم ولو بالصين

أقول والعقد هو غير الاقتباس وهو أن يأخذ المنثور من قرآن أو حديث أو حكمة أو غير ذلك بجملة لفظه أو بمعظمه فيزيد الناظم فيه أو بنقص ليدخل في وزن الشعر وحينئذ لا يكون على طريقة الاقتباس ومنه قول بعضهم

أنلني بالذي استقرضت خطاًوأشهد معشراً قد شاهدوه
للشاعر الواساني، اقرأ القصيدة
فإن الله خلاق البراياعنت لجلال هيبته الوجوه
للشاعر الواساني، اقرأ القصيدة
يقول إذا تداينتم بدينإلى أجل مسمى فاكتبوه
للشاعر الواساني، اقرأ القصيدة

وللقيرواني

قال لنا جند ملاحاتهلما بدا ما قالت النمل
قوموا أدخلوا مسكنكم قبل أنتحطمكم أعينه النحل
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

ولأبي العتاهية

ما بال من أوله نطفةوجيفة آخره يفخر
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «يا عجبا للناس لو فكروا»

عقد فيه قول علي ﵁ ما لابن آدم والفخر وانما أوله نطفة وآخره جيفة وهو كثير فلا اطالة في التسطير ولصاحب الترجمة

أطل صمتاً ولا تعجلبافتاء تفز فادريفكل العقل في صمت

ونصل العلم لا أدري وله راثياً العلامة المولى السيد الشريف يوسف الحسيني الدمشقي مفتي حلب ونقيبها بقوله

في جنة الفردوس حقاً أنزلايوسف مفتي حلب مفضلا
طوبى له طاب بها خلودهلا يبتغي عنها دواماً حولا
وحل في روضات جنات علتنال بها كل مراد أملا
يشرب من أنهارها حيث أشتهيماء وخمر البنا وعسلا
فيهن خيرات حسان قاصرات الطرف أتراب تحلت بالحلا
وحوله الغلمان والولدانكاللؤلؤ مكنوناً ومنثوراً حلا
قال برؤيا الوحي قولاً صادقاًأعطيت من غير حساب أملا
وفزت بالرضوان والغفران ليفالحمد لله على ما خولا
وانما نلت لذا بالذكر معختم حديث الأنبيا خير الملا
يا قوم قوموا قانتين للعليجنح الدياجي ترتقوا أوج العلا
وبشروا صحبي وقولوا يوسفمن بعد ذاك الخوف أمنا بدلا
وهو بأعلى منزل تاريخهفي الجنة الفردوس حقاً أنزلا

وله غير ذلك وكانت وفاته بحلب سنة اثنين وتسعين ومائة وألف رحمه الله تعالى.

النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف العين المهملة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.