من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
مصطفى العمري
ابن عبد القادر بن بهاء الدين العمري المعروف بابن عبد الهادي الشافعي الدمشقي البارع الفاضل التقي التقي الدين الكامل ولد في حدود سنة سبع وتسعين وألف وتوفي والده العلامة الفاضل وهو ابن ثلاث سنين فنشأ يتيماً وطلب العلم فقرأ على جماعة من الشيوخ في عدة فنون وبرع في النحو والمعاني والبيان والبديع وأجاز له جماعة من الأجلاء كالاستاذ الصمداني الشيخ عبد الغني النبالسي الدمشقي وغيره وكان أخوه الشيخ السعدي المقدم ذكره يعتني بشأنه ويزدهي بإنسانه وكان للمترجم شعر وأدب فمن شعره قوله من قصيدة
بين اللواحظ والقوام السمهريقلبي الكليم بأبيض وبأسمر
من كل وضاح الجبين إذا بدتقسماته أربت على ابن المنذر
ولرب مجدول الوشاح إذا انثنىبين الغلائل كالقضيب المزهر
أنفقت دون هواه درّ مدامعيوخلعت دون لقاه برد تصبري
وسنان طرف أرسلت لحظاتهسهم المنون عن الجفون الفتر
ريان من خمر الدلال كأنماسقي شبيبته بماء الكوثر
وغدا بفرط بهائه ودلالهيختال في برد الشباب الأنضر
ما رمت أجني الورد من وجناتهالارنا بلحاظ ظبي أعفر
عذب المقبل عاطر الثغر الذييحوي اللآلئ من صحاح الجوهر
فإذا بدا فضح الغزالة وجههوإذا عطا يحكي التفات الجؤذر
لم أنس ليلتنا به في روضةجرّ النسيم بها ذيول المئزر
مخضلة الأرجاء قد نسجت بهاكف السحاب بساط وشى عبقري
والوقت قد راقت مشار به كماراق النظام بمدح زاكي العنصر
مولى له نعم يضيق لحصرهاولضبطها قلم البليغ المكثر
من لم تزل تثني على عليائهبلسان أهليها جميع الأعصر
لا زلت وابن العم في فلك العلىكالفرقدين بعزة وتصدر
ولك الهناء بصحبة النجل الذيطابت موارده بطيب المصدر
البارع الندب الأديب ومن جنىثمر العلوم بهمة لم تفتر
لا زال يحوي في بقائك رتبةتسمو على هام السهى والمشتري
ما عطر الآفاق عاطر ذكركموذكت بمدحكم عقائل أسطر
وقوله مشجراً
دون ورد الحيا ونوّار ثغرهومحيا دعا القلوب لأسره
رقم الحسن بالبنفسج سطراًأثبت الطرف فيه آية سحره
وعلى غصن قدّه بدر تمّمشرق لاح من دياجر شعره
يا بروحي غصن الجمال نضيراًباسم الثغر عن بدائع دره
شاهدي في هواه عادل قدّأكدت حبه مناطق خصره
وله أيضاً
سعود بها الأيام باسمة الثغروبشرى بها الآمال حالية النحر
وعين الأماني بالحبور فريدةتغازل من روض الهنا مقل الزهر
بحيث محيا الانس يندى بمائهفتشرق من لألائه غرر البشر
وصفحة مرآة الزمان صقيلةتشف مرائيها عن الشيم الغر
وقد خلعت كف الربيع على الرباخلاخل وشي من ملابسها الخضر
ورنح أعطاف الغصون شمائلمضمنة الأذيال بالعنبر الشحري
إذا نشرت فوق الغدير غدائراًتكللها أيدي السحائب بالدر
وزهر الربا تغتر عنه كمائمكما افترت الحسناء عن درر الثغر
وقد بسط المنثور أجمل راحةتصافحها أيدي النسائم إذ تسري
وللأنس أذن كلما كتم الصبانوافح سرّ العرف تجنح للسر
وللاقحوان الغض ثغر مفلجيعض بأطراف الثنايا على تبر
وللورد خدّ قد حكى بروائهمحياً ابن صدّيق النبي أبي بكر
أخي الشيم الغرّ اللواتي إذا بدتتقود إلى عليائه جمل الشكر
امام هدى راقت موارد فضلهوأشرق في أوج المفاخر كالبدر
همام أراد الله إظهار ما انطوىعليه من الآداب والفضل والفخر
فقلد فتوى الشام عهد شبابهولم يأت سن الأربعين من العمري
ونيطت به الأحكام حتى بدت لهبدائع تشريع بحلّ عن الحصر
فأجرى يراع الحق فاندهش الورىببحر علوم قد تدفق من صدر
وفك عر الأشكال من كل غامضبصائب فكر كالمهندة البتر
وقلد أجياد النهى بفرائدفمن لؤلؤ نضر ومن جوهر نثر
فلله منه ماجد قد تقاصرتخطا العزم عن أدنى مفاخره الغر
لقد لف برد الحلم منه على تقيأقام مع الاخلاص في السر والجهر
فيا أيها الشهم الذي أوسع الورىفضائل في العلياء عاطرة الذكر
إليك عقوداً في سطور محامدبمدحك قد أصبحن سامية القدر
فلا برحت علياك يا خير ماجدتقلب أحشاء الحسود على الجمر
وله
من لي بمعسول المراشف أهيفحلو الشمائل عاطر الأنفاس
متضرّج الوجنات عنبر خالهأسر القلوب بطرفه النعاس
لما جلا نور الصباح جبينهوزها بغصني قوامه المياس
متت طرفي في بديع محاسنمن وجهه الزاكي بمسك نواس
ما بين ورد حيا وعنبر شامةوأقاح ثغر في خميلة آس
وله
عذيري ممن صير القلب طرفهأسير غرام للحاظ النواعس
وغادرني وقف الصبابة والهوىأجود بروحي للظباء الأوانس
واعشق مجدول الوشاح إذا انثنىبغصني قوام كالمثقف مائس
لعلي يوماً أرى من ألفتهفأسال من خدّيه بلغة قابس
وله
ومهفهف يزري الغصون قوامهولحاظه منها المنايا ترشق
لما رأى أن اللواحظ كلهالسوى محاسن وجهه لا ترمق
أبدى السلاسل فوق صفحته التيأضحى بها ماء الجمال يرقرق
فانحاز كل سالماً بفؤادهإلا أنا فالقلب مني موثق
أقول قوله أضحى بها ماء الجمال يرقرق قد استعملت الشعراء والعرب في كلامهم
الماء لكل ما يحسن منظره وموقعه ويعظم قدره ومحله فيقال ماء الوجه وماء الحسن وماء النعيم وماء الشباب وغير ذلك فهنا وقع في كلام المترجم ماء الجمال وأحسن ما قيل في ماء الحسن قول ابن المعتز
ويكاد البدر يشبههوتكاد الشمس تحكيه
كيف لا يخضرّ شاربهومياه الحسن تسقيه
ولا بأس بذكر قطرة من ذلك في ضمن هذه الترجمة ليمتلئ الظمآن للأدب من مياه هذه المحاسن التي فيها ماء الفصاحة والبلاغة غير آس فمما ورد من ذلك في ماء الوجه قال أبو تمام
وما أبالي وخير القول أصدقهحقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي
ومن ذلك ماء الشعر والكلام قال أبو تمام
وكيف ولم يزل للشعر ماءعليه يرف ريحان القلوب
ومنه ماء الشباب فمن ذلك قول أبي محمد الفياض
وما بقيت من اللذات إلامحادثة الكرام على الشراب
ولثمك وجنتي قمر منيريجول بخده ماء الشباب
ومنه ماء النضارة والندى والبشر قال بعضهم
يجول به ماء النضارة والندىكما جال ماء البشر في وجه قادم
ومنه ماء الندى والكرم والنوال والجود قال العتابي
أأترب من جدب المحل وضنكهوكفاك من ماء الندى تكفان
وقال البحتري
وما أنا الأغرس نعمتك التيأفضت لها ماء النوال فأورقا
وقال البحتري أيضاً
ووجه سال ماء الجود فيهعلى العرنين والخدّ الأسيل
ومنه ماء البشاشة قال أبو العتاهية
ليالي تدني منك بالقرب مجلسيووجهك من ماء البشاشة يقطر
ومنه ماء الظرف قال الصاحب ابن عباد
وشادن أحسن في اسعافهيقطر ماء الظرف من أطرافه
ومنه ماء الود قال الشريف الرضي
ترقرق ماء الود بيني وبينهوطاح القذى عن سلسل الطعم رائق
ومنه ماء النعيم قال بعضهم
إذا لمع البرق في كفهأفاض على الرأس ماء النعيم
ومنه ماء المنى قال الشريف الرضي
فاسمح بفعلك بعد قولك أنهلا يحمد الوسمى إلا بالوبى
فلعلنا نمتاح إن لم نغترفماء المنى ونعل إن لم ننهل
وكانت وفاة صاحب الترجمة في سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف ودفن بتربتهم في مرج الدحداح رحمه الله تعالى
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع