أنا للركائب إن عرضت بمنزل
الشاعر: الشريف الرضي · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة عامة
«أنا للركائب إن عرضت بمنزل» من شعر الشريف الرضي، من العصر العباسي، وتقع في 82 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف اللام، وغرضها قصيدة عامة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَنا لِلرَكائِبِ إِن عَرَضتُ بِمَنزِلِ — وَإِذا القَنوعُ أَطاعَني لَم أَرحَلِ
لَم أَطلُبِ المُثري البَخيلَ لِحاجَةٍ — أَبَداً وَأَقنَعُ بِالجَوادِ المُرمِلِ
وَأَرى المُعَرِّضَ بِاللَئيمِ كَأَنَّهُ — أَعشى اللِحاظِ يَحُزُّ غَيرَ المَفصِلِ
وَلَرُبَّ مَولىً لا يَغُضُّ جِماحَهُ — طولُ العِتابِ وَلا عَناءُ العُذَّلِ
يَطغى عَلَيكَ وَأَنتَ تَلأَمُ شَعبَهُ — كَالسَيفِ يَأخُذُ مِن بَنانِ الصَيقَلِ
أَبكي عَلى عُمرٍ يُجاذِبُهُ الرَدى — جَذبَ الرِشاءِ عَنِ القَليبِ الأَطوَلِ
أَخلِق بِحَبلٍ مُرسَلٍ في غَمرَةٍ — أَن سَوفَ يَرفَعُهُ بَنانُ المُرسِلِ
ما كُنتُ أَطرَبُ لِلِقاءِ وَلا أَرى — قَلَقاً لِبَينِ الظاعِنِ المُتَحَمِّلِ
أَلوي عِناني عَن مُنازَلَةِ الهَوى — وَأَصُدُّ عَن ذِكرِ الغَزالِ المُغزِلِ
وَأَزورُ أَطرافَ الثُغورِ وَدونَها — طَعنٌ يُبَرِّحُ بِالوَشيجِ الذُبَّلِ
أَأَنالُ مِن عَذبِ الوِصالِ وَدونَهُ — مُرُّ الإِباءِ وَنَخوَةُ المُتَدَلِّلِ
ما كُنتُ أَجرَعُ نُطفَةً مَعسولَةً — طَوعَ المُنى وَإِناؤُها مِن حَنظَلِ
أَعَقيلَةَ الحَيّينِ دونَكِ فَاِرفَعي — ما شِئتِ مِن عَذَبِ القِناعِ المُسبَلِ
هَيهاتَ تَبلُغُكَ اللِحاظُ وَبَينَنا — هَضبٌ كَخُرطومِ الغَمامِ المُقبِلِ
أَوطانُ غَيرِكِ لِلضِيافَةِ طَلقَةٌ — وَسِواكِ في اللأواءِ رَحبُ المَنزِلِ
وَإِذا أَميرُ المُؤمِنينَ أَضافَ لي — أَمَلي نَزَلتُ عَلى الجَوادِ المُفضِلِ
بِالطائِعِ المَيمونِ أُنجِحَ مَطلَبي — وَعَلَوتُ حَتّى ما يُطاوَلُ مَعقَلي
قَرمٌ إِذا عَرَتِ الخُطوبُ مُراحَهُ — أَدمى غَوارِبَها بِنابٍ أَعضَلِ
مُتَوَغِّلٌ خَلفَ العَدوِّ وَعِلمُهُ — أَنَّ الجَبانَ إِذا سَرى لَم يوغِلِ
وَإِذا تَنافَلَتِ الرِجالُ غَنيمَةً — قَسَمَ التُراثَ لَها بِحَدِّ المُنصُلِ
ثَبتٌ لِهَجهَجَةِ الخُطوبِ كَأَنَّما — جاءَت تُقَعقِعُ بِالشِنانِ لِيَذبُلِ
رَأيُ الرَشيدِ وَهَيبَةُ المَنصورِ في — حُسنِ الأَمينِ وَنِعمَةِ المُتَوَكِّلِ
آباؤُكَ الغُرُّ الَّذينَ إِذا اِنتَمَوا — ذَهَبوا بِكُلِّ تَطاوُلٍ وَتَطَوُّلِ
دَرَجوا كَما دَرَجَ القُرونُ وَعِلمُهُم — أَن سَوفَ يُخبِرُ آخِرٌ عَن أَوَّلِ
نَسَبٌ إِلَيكَ تَجاذَبَت أَشياخُهُ — طِوَلاً مِنَ العَبّاسِ غَيرَ مُوَصَّلِ
هَذي الخِلافَةُ في يَدَيكَ زِمامُها — وَسِواكَ يَخبِطُ قَعرَ لَيلٍ أَليَلِ
أَحرَزتَها دونَ الأَنامِ وَإِنَّما — خَلَعَ العَجاجَةَ سابِقٌ لَم يَذهَلِ
بِحَوادِرٍ يُعنِقنَ مِن تَحتِ القَنا — عَنَقاً يُعَرِّدُ بِالذِئابِ العُسَّلِ
غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ إِذا اِحتَضَرَ الوَغى — نَقَّبنَ عَن يَومٍ أَغَرَّ مُحَجَّلِ
دُفِعَت فَأَيُّ الحُزمِ عَنها لَم يَضِق — عَرَقاً وَأَيُّ اللُجمِ لَم يَتَصَلصَلِ
سَلَخَ الظَلامُ إِهابَهُ وَتَهَلَّلَت — جَنَباتُ ذاكَ العارِصِ المُتَهَلَّلِ
طَلَعَت بِوَجهِكَ غُرَّةٌ نَبَويَّةٌ — كَالشَمسِ تملَأُ ناظِرَ المُتَأَمِّلِ
وَإِذا نَبَت بِكَ في مُسالَمَةِ العِدى — أَرضٌ وَهَبتَ تُرابَها لِلقَسطَلِ
وَفَوارِسٍ ما اِستَعصَموا بِثَنيَّةٍ — إِلّا طَلَعتَ عَلَيهِمُ في جَحفَلِ
شَرَدَت بِنا ذُلُلُ الرِكابِ كَأَنَّما — يَذرَعنَ بُردَةَ كُلِّ قاعٍ مُمحِلِ
وَالآلُ يَنهَضُ بِالشُخوصِ أَمامَنا — وَيَمُدُّ أَعناقَ القِنانِ المُثَّلِ
مِن كُلِّ رابِيَةٍ تَرَفَّعَ جيدُها — فَكَأَنَّهُ هادي حِصانٍ مُقبِلِ
وَمُعَرَّسٍ هَزِجِ الوُحوشِ كَأَنَّما — طَرَقَ المَسامِعَ عَن غَماغِمِ مِرجَلِ
عَرَكَت جَوانِبَنا الفَلاةُ وَأَسرَعَت — في العَظمِ وَاِقتاتَت شُحومَ البُزَّلِ
وَإِلَيكَ طَوَّحَ بِالمَطيِّ مُغَرِّرٌ — عَصَفَت بِهِ أَيدي المَطيِّ المُضلِلِ
فَأَتَتكَ تَلتَهِمُ الهَواجِرَ طُلَّحاً — وَالظِلُّ بَينَ خِفافِها وَالجَروَلِ
وَخَفائِفاً فُجِعَت بِكُلِّ حَقيبَةٍ — مَلأى وكُلِّ مَزادِ ماءٍ أَثجَلِ
وَعَلى الرِحالِ عَصائِبٌ مُلتاثَةٌ — تَلوي بِشَعرٍ ثَمَّ غَيرِ مُرَجَّلِ
عَلِقَت حِبالَكَ ثُمَّ أَقسَمَتِ المُنى — أَن لا لُوينَ بِغَيرِ حَبلِكَ أُنمُلي
أَمَلٌ جَثا بِفِناءِ دارِكَ قاطِناً — وَكَأَنَّهُ بِفِناءِ وادٍ مُبقِلِ
وَمُجَلِّلٌ يُندي يَدَيكَ كَأَنَّما — غَطّاهُ عُرفُ العارِضِ المُتَهَدِّلِ
أَرجوكَ لِلأَمرِ الخَطيرِ وَإِنَّما — يُرجى المُعَظَّمُ لِلعَظيمِ المُعضِلِ
وَأَرومُ مِن غُلَواءِ عِزِّكَ غايَةً — قَعساءَ تَستَلِبُ النَواظِرَ مِن عَلِ
كَم رامَها مِنكَ الجَبانُ فَراوَغَت — شَقّاءَ يَلعَبُ شِدقُها بِالمَسحَلِ
تُدمي قُلوبَ الحاسِدينَ وَتَنثَني — فَتَرُدُّ عادِيَةَ الخُطوبِ النُزَّلِ
ضاقَ الزَمانُ فَضاقَ فيهِ تَقَلُّبي — كَالماءِ يَجمَعُ نَفسَهُ في الجَدوَلِ
هَذا الحُسَينُ إِلى عَلائِكَ يَنتَمي — شَرَفاً وَيَنسِبُ مَجدَهُ في المَحفِلِ
أَسلَفتَهُ وَعداً عَلَيكَ تَمامُهُ — وَسَيُدرِكُ المَطلوبَ إِن لَم يَعجَلِ
فَاِسمَح بِفِعلِكَ بَعدَ قَولِكَ إِنَّهُ — لا يُحمَدُ الوَسميُّ إِلّا بِالوَلي
فَلَعَلَّنا نَمتاحُ إِن لَم نَغتَرِف — ماءَ المُنى وَنُعَلُّ إِن لَم نُنهَلِ
كَم وَقفَةٍ ناجَيتَهُ في ظِلِّها — وَالقَولُ يَغدُرُ بِالخَطيبِ المِقوَلِ
ثَبَّتَّ فيها وِطاءَهُ وَوَراءَهُ — جَزَعٌ يُقَلقِلُ مِن قُلوبِ الجَندَلِ
إيهٍ وَكَم مِن نِعمَةٍ جَلَّلتَهُ — تَضفو كَهُدّابِ الرِداءِ المُخمَلِ
فَسَما وَحَلَّقَ كَالعُقابِ إِلى العُلى — وَعَدوُّهُ يَهوي هُوِيَّ الأَجدَلِ
وَبِوُدِّهِ لَو كانَ قَرناً سالِفاً — أَو نُطفَةً ذَهَبَت بِداءٍ مُغيِلِ
وَمُشَمِّرِ العِرنَينِ خَرَّ جَبينُهُ — لَكَ غَيرَ مَقبولٍ وَلا مُستَقبَلِ
لَمّا رَآكَ تَقاصَرَت خُطَواتُهُ — جَزَعاً وَجَعجَعَ بِالرِواقِ الأَوَّلِ
لِلَّهِ أَنتَ لَقَد أَثَرتَ صَنيعَةً — بِيَدَي مُعَمٍّ في الصَنائِعِ مُخوَلِ
شَرَّفتَنا دونَّ الأَنامِ وَإِنَّما — بِرُّ القَريبِ عَلاقَةُ المُتَفَضِّلِ
وَجَذَبتَنا جَذبَ الجَريرِ إِلى العُلى — وَإِذا اِرتَقى مُتَمَطِّرٌ لَم يَنزِلِ
فَلَأَنتَ أَولى بِالإِمامَةِ وَالهُدى — وَأَذَبُّ عَن وَلَدِ النَبيِّ المُرسَلِ
أَغبارُ دَرٍّ مِن عَطائِكَ تُفتَدى — مِن دَرِّ غَيرِكَ بِالضُروعِ الحُفَّلِ
لَولا غَمامُ نَداكَ أَصبَحَ راكِبٌ — يَشكو الأُوامَ وَقَد أَناخَ بِمَنهَلِ
وَأَحَقُّ بِالإِطراءِ باعِثُ مِنَّةٍ — وَصَلَت مِنَ الأَرحامِ ما لَم يوصَلِ
مَولايَ مَن لي أَن أَراكَ وَكَيفَ لي — بِحُضورِ دارِكَ وَالعَدوُّ بِمَعزَلِ
اِنظُر إِلَيَّ بِبَعضِ طَرفِكَ نَظرَةً — يَسمو لَها نَظَري وَيُعرِبُ مِقوَلي
فَالآنَ لا أَرضى وَأَنتَ مُمَوِّلي — بِرِضى القَنوعِ وَعِفَّةِ المُتَجَمِّلِ
نُعمى أَميرِ المُؤمِنينَ حَريَّةٌ — أَن لا نَنامَ عَنِ الرَجاءِ المُهمَلِ
بِفَمٍ إِذا رَفَعَ الكَلامُ سِجافَهُ — أَوحى بِنائِلِهِ وَإِن لَم يُسأَلِ
وَيَدٍ إِذا اِستَمطَرتَ عابِرَ مُزنِها — دَفَقَت عَلَيكَ مِنَ الزُلالِ السَلسَلِ
تَمحو أَساطيرَ الخُطوبِ كَما مَحا — مَرُّ الشَمالِ مِنَ الغَمامِ المُثقَلِ
لا يَحتَمي بِالرُمحِ باعُ مُؤَيَّدٍ — لَو شاءَ طاعَنَ بِالسِماكِ الأَعزَلِ
هَذا الخَليفَةُ لا يَغُضُّ عَنِ الهُدى — إِن نامَ لَيلُ القائِمِ المُتَبَتِّلِ
لَمّا أَهَبتُ بِنَصرِهِ لِمُلِمَّةٍ — دَفَعَ الزَمانَ وَقَد أَناخَ بِكَلكَلي
واليتُ فيهِ مَدائِحي فَكَأَنَّما — أَفرَغتُ نَبلي كُلَّها في مَقتَلِ
مِن كُلِّ قافِيَةٍ إِذا أَطلَقتُها — عَطَفَت عِنانَ الراكِبِ المُستَعجِلِ
وَظَفِرتُ مِن نَفَحاتِهِ وَجِوارِهِ — بِأَجَلِّ نَعماءٍ وَأَحرَزِ مَوئِلِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- البخيل: البَخِيلُ : الشحيح الضنين بالمال ج بُخَلاءُ.
- الرشاء: رشأ: رَشَأَ المرأَةَ: نكَحَها. والرَّشَأُ. عَلَى فَعَلٍ بِالتَّحْرِيكِ: الظَّبْيُ إِذَا قَوِيَ وتَحرّك ومشَى مَعَ أُمِّه، وَالْجَمْعُ أَرْشاءٌ. والرَّشَأُ أَيضاً: شَجَرَةٌ تَسْمُو فَوْقَ القامةِ ورَقُها كورَق الخِرْوَعِ …
- الصيقل: الصَيْقَلُ والصَيْقَلِيُّ [صقل]: من يجلو السيوف ويشحذها؛ أراني الصيقل سيفًا يلمع لمعانَ البرق ج صَياقِلُ وصَياقِلَةٌ.
- القليب: القَلِيبُ : [يذكّر ويؤنّث] البئر ج قُلُبٌ وأَقْلِبَةٌ.
- القنوع: القَنُوعُ : القَنِعُ؛ من يرضى بما أُعطي؛ هو قنوعٌ بما آتاه اللهُ.
- اللحاظ: اللِّحَاظ : مؤخر العين مما يلي الصُّدغ؛ التفت ناظراً إليه بلِحاظه ج لُحُظٌ.
- المثري: المُثْري [ثرو]: الثَّرِيُّ أي الذي كَثُر ماله؛ أصبح مُثرياً كبيراً بفضل مشروعه الصناعي.