من «سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر» لمحمد خليل المرادي (ت ١٢٠٦هـ)
يحيى الاسطواني
ابن أحمد بن حسن بن محمد بن محمد بن سليمان العاقل المفنن الاسطواني الحنفي الدمشقي الفاضل الأديب كان فاضلاً أديباً عارفاً بارعاً كاتباً منشئاً يعرف كثيراً من الفنون مع اللطافة وحلو المعاشرة وحسن المحاضرة والخط الحسن والانشاء البليغ والصوت الشجي المطرب اشتغل بطلب العلم على جماعة من علماء عصره كالأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي والشمس محمد بن عبد الرحمن الغزي العامري ولازم الفقيه علم الدين صالح الجينيني وأعاد له درسه في الدرر والغرر مدة سنين وصار مرة كاتباً للأسئلة الفقهية وأميناً على الفتوى وأعطى رتبة الداخل المتعارفة بين الموالي ودرس بالمدرسة الجقمقية وكان في ابتداء أمره أحد الشهود والكتاب بمحكمة الباب لكن الدهر به تقلب وعلى نفسه تغلب حتى أورثه السوداء ومع ذلك فلم يترك مطالعة الشعر والكتب الأدبية ومن شعره الذي غلا سعره قوله ولم أقف له على غيرها
خذا حيثما غيض الرياض رواتعفقلبي بهاتيك الأجارع والع
وجدّا خليلي السرى فلقلماتعرّض للساري الملث موانع
ودونكما تجدا ورامة واندبافؤاد كئيب كي تجيب الأجارع
ففيها لقد ضاع الفؤاد وكم بهاغدوت أخاً وجد وسرّى ذائع
فلله ما أحلى المقام برامةفياليت شعري هل لها أنا راجع
وياما أحيلي صدح ورق حمائمإذا ساجلتها في الغوير سواجع
فكم لي في وادي الأراك أحبةأقاموا ولي بين التلاع مواتع
وكم حملتني نسمة سحريةعبير عرار والبدور طوالع
لقد كاد فودى أن يشيب لبعدهمعلى إنني في الوصل خلى طامع
فخير زمان في المسرة لا مرافإنّ به غصن الشبيبة يانع
فقل لي رفيقي هل أداني ربوعهموتسفر عن بدر السرور مطالع
وينعم بالي وصل سعدي بلعلعوصبح التهاني بالتواصل ساطع
ألم ترني إن لاح برق منادياًألا يالصحبي ها أنا اليوم جازع
وأنشد من وجدي وفرط صبابتيأبرق بدا من جانب الغور لامع
وإن ما تذكرت العذيب رأيت منعيوني شآبيب الدموع تسارع
أروم انكتام الأمر والوجد مظهرمن الشوق ما ضمت عليه الأضالع
فكم رام سلواني العذول مزخرفاًلزور مقال وهو فدم مخادع
إذا قال دع ذكر التوله والهوىأجبت بقول للملام يدافع
لئن حفظت أيدي الغرام مكانتيفمدح خليل الفضل قدري رافع
ألا وهو مقدام العلوم ومن سمابآيات فضل ما لديها مدافع
وأحرز في مضمار كل فضيلةعلى الرغم سبقا لم تنله المطامع
همام على هام المجرّة فخرهله أصل مجد في السيادة فارع
وليس له في العلم صنو ومالهبنيل المعالي في البرايا مضارع
وأنى يساوي كنه فضل صفاتهوشأو ضليع ليس يدرك ظالع
إليه لدى أهل الفضائل إن بداخفى من المعنى تشير الأصابع
هو الجهبذ الشهم الذي بلغ العلاوحل ذرى التحقيق إذ هو يانع
إذا جال فوق الطرس طرف يراعهأتته المعاني وهي طرّاً خواضع
فلم أنس يوماً فزت فيه بنظرةوأعين حسادي عليه هواجع
أتيت حماه والفؤاد قد انطوىعلى كرب قد أبدعتها الوقائع
فبدّلها المولى سروراً وبعدهاأمنت وضمتني إليها المضاجع
ألا يا خدين المجد يا فرد عصرهبنظرة لطف منك إني قانع
لقد حزت من أسنى المفاخر ذروةلعمري عنها غير ذاتك شاسع
إليك ابن صدّيق النبي فريدةلقد وشحتها في القريض بدائع
أتتك وطير السعد أمّك ساجعاًفطابت بطيب السمع منه المسامع
وعذراً فإن الفكر مني قاصرولكنما جهد المقل المدامع
فدم راقياً أوج العلاء مؤيداًوعزمك للأعداء كالسيف قاطع
مدا الدهر ما أبدى المشوق إلى اللقاأنيناً وما أبدى التواضع خاشع
وما صاغ يحيى في البديع قوافياتفوق الدراري أو ترنم ساجع
وكانت وفاته ليلة السبت سادس عشري ذي الحجة سنة تسع وخمسين ومائة وألف ودفن بمرج الدحداح خارج باب الفراديس رحمه الله تعالى.
النص من طبعة دار البشائر الإسلامية ودار ابن حزم (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع