تجاوز إلى المحتوى

من «أدب الكاتب» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

باب الصفات بالعيوب والأدواء

قد تأتي على أفْعَلَ، نحو " أَزْرَق " و " أَحْمَر " و " أَعْوَر " و " أَشْتَر " و " آدَرَ "، و " أَصْلَع " و " أَقْطَع "، و " أَجْذَم " وهو المقطوع اليد، و " أَحْبَن " و " أَشَلَّ "، و " أَثْوَل "، و " أَهْوَج "، و " أَشْيَب "، و " أشْمَط "، و " أَرْسَح "، و " أوْقَص "، و " أَمْيَل "، و " أَصْيَد ".

وقد يبنون ضدَّ الاسم من هذه الأسماء على بنيته فيقولون " أسْتَهُ " كما يقولون " أرْسَح "، ويقولون: " أَفْرَع " للوافر الشعر كما يقولون " أَصْلَع " ويقولون: فرس " أَحْرَم " كما يقولون " أَهْضَم "، ويقولون " آذَنُ " كما يقولون " أَسَكُّ "، ويقولون للغليظ الرقبة: " أَرْقَب "، و " أَغْلَب " كما قالوا " أَوْقَص "، وقالوا " أَزَبّ "، و " أَشْعَر " كما قالوا " أَجْرَد ".

والأفعال تأتي في هذا الباب من العيوب على فَعِل، نحو:

" عَوِرَ "، " شَتِرَ " و " صَلِع "، و " قَطِع "، و " أَدِر "، و " حَبِن "، و " هَوِجَ ".

وشذَّ منه شيء فقالوا: " مالَ " في الأمْيَلِ، والقياس " مَيل "، وقالوا في الأشيب " شابَ " شبَّهوه بشاخ، والقياس " شَيِبَ " مثل صَيِدَ يَصْيَدُ، وشَمِطَ يَشْمَطُ.

قالوا: والأدواء إذا كانت على فعال أتَتْ بضم الفاء، مثل " القُلاب "، و " الخَمَال "، و " النُّحاز "، و " الدُّكَاع "، و " السُّهام "، و " السُّكات "، و " الصُّفار "، و " الصُّداع "، و " الكُبَاد "، و " البُوَال "، و " الدُّوَار "، و " الخُمَار " لأنه داء، و " العُطَاش "، و " الهُيَام "، يقال: عَطِش عَطَشاً، وإذا كان العطش يعتريه كثيراً قالوا " به عُطَاشٌ "، وتقول: قاء يقيء قَيْئاً، فإذا كان القيء يعتريه كثيراً قالوا: " به قُيَاء "؛ وتقول: فلان يقوم قياماً كثيراً إذا أرَدْتَ أنه يختلف إلى المتوضَّأ، فإن أردت اسم ما به قلت " به قُوَام ".

هذا كله وأشباهه بضم الفاء من فعال، إلا حرفاً واحداً، كان أبو عمرو الشيباني يفتح أوله، وتابعه على ذلك عمارة وهو " السَّوَاف " داء من أدواء الإبل، وكان الأصمعي يضم أوله، ويُلْحِقه بأمثاله من الأدواء.

وقد تأتي الأدواء على غير فُعَالٍ؛ قالوا: " الحَبَطُ "، و " الغُدَّة "، و " الحَبَجُ ".

قالوا: والأصوات كلها إذا كانت على فعال أتت بضم الفاء، نحو: " الرُّغاء " و " الدُّعَاء "، و " البُكَاء "، و " الحُدَاء "، و " الصُّرَاخ "، و " النُّبَاح "، و " الهُتَاف "، قال: و " الصُّيَاح " يضم أوله ويكسر، وكذلك " النُّداء " يضم أوله ويكسر.

قال الفراء: ومن كسرهما جعلهما مصدراً لفَاعَلْتُ، إلا " الغِنَاء " فإنه جاء مكسور الأول لا يضم، و " الغَوَاث " من الاستغاثة، يضم أوله ويفتح.

قال: وأكثر الأصوات يأتي على فَعِيل، نحو: " الهَدِير "، و " الهَرير " و " الضَجِيج "، و " النَّهِيق " والشَّحِيح " و " السَّحِيل " و " الصَّهِيل " و " القَلِيخ " و " النَّبيح " و " الضَّغِيب ".

وقد أدخلوا فُعَالاً على فَعِيل في أكثر الأصوات، فقالوا " النُّهَاق والنَّهِيق " و " الشُّحَاج والشَّحِيج "، و " النُّبَاح والنَّبِيح "، و " الضُّغَاب والضَّغِيب "، و " السُّحَال والسَّحِيل ".

قال: وفُعال يأتي كثيراً فيما يُرْفَض ويُنْبَذ، نحو " رُفَات " و " حُطَام " و " جُذَاذ " و " فُضَاض " و " فُتَات " و " رُذَال ".

قال: وفُعَالَة تأتي كثيراً في فَضْلة الشيء وفيما يَسْقُط منه، ف " النُّخَالة " اسم ما وقع عن النَّخْل، " النُّحَاتة " اسم ما وقع عن النَّحْت، و " القُوَارة " اسم ما وقع عن التقوير، و " قُلامة الظفر " اسم ما وقع عن التقليم، و " السُّحَالة " اسم ما وقع عن السَّحْل، و " الخُلالَة " اسم ما وقع عن التخلل من الفم، و " الكُسَاحَة " اسم ما نبذ عن الكَسْح.

وكذلك " القُمامَة " اسم ما وقع عن القَمِّ، وهو الكَسْح، و " الفُضَالَة " اسم ما بقي بعد الأخذ، و " النُّفَاية " اسم ما بقي بعد الاختيار.

قال: وبَنَوا " النُّقاوَة من الشيء " بناء النُّفَاية؛ إذ كان ضدَّه؛ لأنهم كثيراً ما يبنون الشيء على بناء ضده.

قال: وفِعَالة تأتي كثيراً في الصناعات والولايات " كالقِصَارَة " و " النِّجَارَة " و " الخِيَاطَة " و " الوِكَالَة " و " الوِصَايَة " و " الجِرايَة " و " الخِلافَة " و " الاِمارَة " و " النِّكابَة " وهي العرافة، و " السِّعَايَة ": ولاية الصدقات و " الإِبَالَة " حُسْنُ القيام على الإبل و " السِّيَاسَة ".

قال: والصِّناعَة إنما هي بمنزلة الولاية للشيء والقيام به؛ فلذلك جمع بينهما في البناء.

قال: وقد جاء فِعَال في أشياء تَقَارَبَتْ معانيها؛ فجيء بها على مثال واحد، وهو " الفِرَار " و " الشِّرَاد " و " النِّفَار " و " الشِّمَاس " و " الطِّمَاح "، و " الضِّرَاح " مشبه بذلك، والضَّرْحُ: الرَّمْحُ، ضَرَحَ أي رَمَحَ؛ لأنه إذا ضرح باعدَكَ، و " الشِّبَاب " مشبه بالشِّمَاس، و " الخِرَاط " مشبه بالشِّرَاد، و " العِضَاض " مشبه بالضِّرَاح.

وقالوا: " الحِرَان " في الخيل، و " الخِلاء " في النُّوق، فجاءوا بهما على هذا المثال؛ لأنهما فَرْقٌ وتَباعَدٌ من شيء يُهابُ، ولأنهما في العيوب بمنزلة ما تقدم.

قال: وقد يأتي فِعال في الوُسُوم، نحو " العِلاط " و " الخِبَاط " و " العِرَاض " و " الجِنَاب " و " الكِشَاح "، وهذه أسماء آثار الوسوم.

والمصدر منها يأتي على فَعْل، نحو: خبطته " خَبْطاً "

وكشحته " كَشْحاً ".

قال: وقد يأتي فِعال في الهِيَاج، نحو: " النِّزَاع " لأنه يهيّج فيذكر، و " الهَبَابُ " و " الصِّرَاف " في الشاء والكلاب.

قال: وقد تأتي فِعال في أشياء بلغت الغاية، نحو " الصِّرَام " و " الجِزَاز " و " الجِدَاد " و " الحِصَاد " و " القِطَاع " و " القِطَاف "، وقد جاءت هذه كلها على فَعال - بالفتح - والمصدر يأتي على فَعْل.

قال: والأسماء التي بنيت على فَعِيلٍ تجيء وأضْدادُها على بناء واحد، وما أقَلَّ ما تختلف، قالوا: كثير وقليل، وكبير وصغير، وثقيل وخفيف، وبطيء وسريع، وشريف ووضيع، وقَويّ وضعيف، وكريم ولئيم، وعزيز وذليل، وغنيّ وفقير، وسعيد وشقيّ، وقبيح ومَليح، ووَسيم ودَميم، وغَوِيّ ورشيد، وقديم وحديث، وطويل وقصير، وسَخيّ وشحيح، وغليظ ودقيق، وحَليم وسَفيه، ودنيء ورفيع، وبطين وخميص.

وقالوا: جميل وسَمْج وسَمِيج.

وقالوا: عظيم، ولم يأت له ضِدٌّ، استغنوا بضد مثله عن ضده، وهو كبير وضده صغير.

وقالوا: سمين، ولم يأت له ضد على بنائه، فأما قولهم " هَزِيلٌ "

فإنما هو فعيل بمعنى مفعول.

وقالوا: شَدِيد، ولم يأت له ضد، استغنى بضد مثله عن ضده، مثل قويٍّ وضعيف.

وقد جاءت أشياء على غير هذا البناء، قالوا " حَسَن " ولم يقولوا حَسِين، كما قالوا جَمِيل، وقالوا " جَرِيء " و " شَجِيع " ولم يقولوا جَبِين من الجبان، وقالوا " عظيم " ولم يقولوا " ضَخيم "، وقالوا " كَمِيش " فاستغنوا بضد مثله عن ضده، مثل سَريع وبَطيء، وقالوا: " لَبيب " ولا ضد له، استغنى بضد مثله عن ضدِّه، وهو عاقل وجاهل.

وقالوا: " شَحِيح " و " ضَنِين " و " بَخِيلَ ولم يأت في ضد ذلك إلا " سَخِيُّ " على هذا البناء.

قال: وليس اسْمٌ من هذه الأفعال التي لحقتها الزوائد يكون أبداً إلا صفة، إلا ما كان من " مُفْعَل " فإنه جاء اسماً في " مُخْدَع " ونحوه.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب الأبنية

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.