تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

حسن بن أسد الفارقى الشيخ أبو نصر

معدن الأدب، ومنبع كلام العرب، فاضل مكانه، وعلّامة زمانه، له النثر الرائع، والنظم الذائع، والنحو المعرب عن مشكل الإعراب. وله التصنيف البديع فى شرح اللّمع، إلى غير ذلك ممّا ليس لأديب فى مثله طمع.

كان فى زمان نظام الملك الحسن بن إسحاق الطّوسىّ الوزير، والسلطان ملكشاه.

وكان مستوليا على آمد فى ديوانها، متولّيا لجباية أموالها، وقبض عليه وصودر، وتوسّط الطبيب الكامل فى خلاصه، والتنبيه على مكانته من الفضل.

وشعره سائر فى الآفاق، تتناشده رفقة الرفاق؛ فمنه قوله فى شمعة:

ونديمة لى فى الظلام وحيدةمثلى، مجاهدة كمثل جهادى
للشاعر ابن أسد الفارقي، اقرأ القصيدة
فاللون لونى والدموع مدامعىوالقلب قلبى، والسّهاد سهادى
لا فرق فيما بيننا لو لم يكنلهبى خفيّا وهو منها بادى
للشاعر ابن أسد الفارقي، اقرأ القصيدة

أخبرنا أبو طاهر السّلفىّ فى إجازته العامة، أنشدنى أبو الحسن على بن السند الفارقىّ الشّروطىّ بميّا فارقين، أنشدنا أبو نصر الحسن بن أسد الفارقىّ النحوىّ لنفسه:

يا من هواه بقلبىمقداره ما يحدّ
للشاعر ابن أسد الفارقي، اقرأ القصيدة

وجدت له ما صورته: الحسن بن أسد بن الحسن أبو نصر الفارقىّ النحوىّ، الشاعر الأديب. كان من أهل ميّا فارقين، وكان ذا أدب غزير، وفضل كثير. وله كتاب شرح اللّمع، أجاد فيه وزاد، وأورده زائدا عن المراد. وإذا أنعم الناظر فيه النّظر وجده قد شرح كلام ابن جنّى المجموع بكلامه المبسوط، وأو جز فى العبارة حتى صار كالإشارة. وإذا أردت تحقيق هذا فانظر كلامه فيه على الكلام والقول تجده قد اختار ما ورد فى صدر كتاب الخصائص. وإذا نظرت إلى كلامه فى العوامل وجدته قد اختار الكلام على الحروف فى سرّ الصناعة. ومن أين لابن أسد فى ميّافارقين إلا ما ينقله من كتب المصنّفين! وإنما هو من تصنيف أبى سعيد، وبعض تصانيف ابن جنّى. وليس ذلك بقليل، فإنه نقل شرح أبى سعيد بخطه، وهو فيما بلغنى وقف بخزانة جامع ميّافارقين.

وكان فى زمان نظام الملك وملكشاه قد تولّى الديوان بآمد، وأساء التدبير فيه لكوهنة تتداخله، فحوقق واعتقل؛ إلى أن شفع فيه طبيب كان حظيّا بحضرة ملكشاه، فأطلق سراحه، وانتقل إلى ميّافارقين، وقد باضت الرياسة فى رأسه وفرّخت. وجرت بميّافارقين حركة طلب لأجلها من يتولّى من قبل السلطان، فاجتمع أهل المدينة على من يولّونه، واجتمع رأيهم على رجل من بيت آل نباتة الخطباء، ليتولى الإصلاح بين المتخاصمين، فأقام أياما، ثم رأى الأمر لا يستقرّ على ما هو عليه، فاعتزل الأمر، ولزم منزله، فتهيأ لها ابن أسد الفارقىّ، ونزل القصر بها، وحكم وما أحكم، وجرت أحوال قضت له بالانفصال على غير جميل، وخاف سطوة السلطان، فخرج عنها إلى حلب، وأقام مدّة، ثم حمله حبّ الرياسة والوطن، فعاد طالبا لها. ولما حصل بحرّان قبض عليه نائب السلطان وشنقه.

ومن أعجب ما اتّفق أنه قال عند عزمه على المسير من حلب أبياتا كانت طيرة عليه، وهى:

لو أنّ قلبك لمّا قيل قد بانوايوم النوى صخرة صمّاء صوّان
للشاعر ابن أسد الفارقي، اقرأ القصيدة
لعيل صبرك مغلوبا ونمّ بماأخفيته مدمع للسر صوّان
للشاعر ابن أسد الفارقي، اقرأ القصيدة
زجرت أشياء فى أشياء تشبههاإذ بينهنّ رضاعات وألبان
للشاعر ابن أسد الفارقي، اقرأ القصيدة
فقال لى الطّلح يوم طالح ونوىوحقّق البين عندى ما وأى البان»
للشاعر ابن أسد الفارقي، اقرأ القصيدة
واستحلبت حلب جفنىّ فانحلباوبشّرتنى بحرّ القتل حرّان
للشاعر ابن أسد الفارقي، اقرأ القصيدة
فالجفن من حلب ما انفكّ من حلبوالقلب بعدك من حرّان حرّان
للشاعر ابن أسد الفارقي، اقرأ القصيدة

وكان قتله بحرّان فى شهور سنة سبع وثمانين وأربعمائة. وله أشعار كثيرة ومقطّعات يتعمّد فى أكثرها التجنيس، إلى أن صار له بذلك أنسة تامة، وعناية عامة. وله كتاب فى الألغاز مشهور.

وكان عزبا مدّة عمره، يكره النّسل. وممّا يحكى من كوهنته أنه كان إذا رأى صغيرا قد لبس وزيّن، واجتيز به عليه يبالغ فى سبّ أبويه ويقول: هما عرضاه لى، يرغّبانى فى مثله.

ومن كوهنته أيضا ما حكى عنه أهل بلده، وهو أنه كان يجلس فى دهليز له إلى جانب شبّاك يشرف على الطريق المسلوك، فسمع ليلة رجلا سكران ينشد نصف بيت من «الكان وكان»، وهو:

غسلت له فركت له ماجا إلىّ ولا التفت

وانتظر من ابن أسد إتمام البيت، فلم يتمّه، وسار فى قصده، فخرج ابن أسد يخبّ فى الطين والظلمة، والمزاريب على رأسه، وهو يسير خلفه يسمع تمام البيت، فسار طويلا. واتفق أن السّكران زلق [و] وقع، فقال عند وقوعه:

مشيه يعجب وخطوه، زلق وقع فى الطين

فقال له: يا ظالم! كنت قلت هذا من قريب. ثم رجع.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.