تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

الحسن بن رشيق القيروانى

الفاضل الأديب، الجليل القدر، مصنّف كتاب العمدة فى صناعة الشعر، وغيره. ووجدت له ما صورته:

هو الحسن بن رشيق الإفريقىّ المعروف بالقيروانىّ. من أهل مدينة من مدن إفريقية، تعرف بالمحمّدية. وأبوه رشيق، مملوك رومىّ لرجل من أهل المحمّدية، من الأزد.

ولد الحسن بن رشيق بالمحمّدية فى شهور سنة سبعين وثلاثمائة، ونشأ بها، وعلّمه أبوه صنعته، وهى الصياغة. وقرأ الأدب بالمحمّدية، وقال الشعر قبل أن يبلغ الحلم، واشتاقت نفسه إلى التزيّد من ذلك وملاقاة أهل الأدب، فرحل إلى

القيروان، وعمره ستّ عشرة سنة، وامتدح بها. واشتهر بجودة الخاطر، وصدق الفريحة، وحسن المحاضرة. وامتدح صاحب القيروان ابن باديس فى سنة سبع عشرة وأربعمائة بقصيدة، ذكر فيها بناء ابتناه فى منزله بصبرة، وهى منظرة جليلة أنيقة.

أوّلها:

ذمّت لعينك أعين الغزلانقمر أقرّ لحسبها القمران
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «ذمت لعينك أعين الغزلان»
ومشت فلا والله ما حقف النّقامما أرتك ولا قضيب البان

يقول فيها:

وثن الملاحة غير أنّ ديانتىتأبى علىّ عبادة الأوثان
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «ذمت لعينك أعين الغزلان»
يابن الأعزّة من أكابر حميروسلالة الأملاك من قحطان
من كلّ أبلج آمر بلسانهيضع السيوف مواضع التيجان
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «ذمت لعينك أعين الغزلان»

وذكر بناء المنظرة بصبرة- وهى محلة الملك بالقيروان- فقال:

وحللت من علياء صبرة موضعاأكرم به من موضع ومكان
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «ذمت لعينك أعين الغزلان»
زادت بناه على الخورنق بسطةوحوت أعزّ حمى من النعمان
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «ذمت لعينك أعين الغزلان»
وغدا ابن ذى يزن بسفل دونههمما نزلن به على غمدان
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «ذمت لعينك أعين الغزلان»

ولما تحقّق ابن باديس مكانته من الأدب ومحلّه من قول الشعر قرّبه، فامتدحه بقصيدة صاربها فى جملته، ونسب لأجلها إلى خدمته، ولزم ديوانه وأخذ الصلة منه، وحمل على مركب يميّز به، فمن قوله فى مديحها:

لدن الرماح لما تسقى أسنتهامن مهجة القيل أو من مهجة البطل
لو أورقت من دم الأعداء سمرقنالأورقت عنده سمر القنا الذّبل
إذا توجّه فى أولى كتائبهلم تفرق العين بين السّهل والجبل
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
فالجيش ينفض حوليه أسنّتهنفض العقاب جناحيها من البلل
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
يأتى الأمور على رفق وفى دعةعجلان كالفلك الدّوار فى مهل
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

ومن قوله من قصيدة فى العتاب:

أجدّك لم أجد للصّبر بابافتدخله على سعة وضيق
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
بلى وأقلّ ما لاقيت يسلىولكن لا أرى عتب الصديق
نهضت بعبء إخوانى فزادواوأثقل ما يرى حمل المطيق
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
ولكن ربّ إحسان وبرّدعا بعض الرجال إلى العقوق
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
فإن أصبر فعن إفراط جهدوإن أقلق فحسبك من قلوق
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

يقول فيها:

حصلت من الهوى فى لجّ بحربعيد القعر منخرق عميق
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
سأعرض عنك إعراضا جميلاوأبدى صفحة الوجه الطّليق
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
ولا ألقاك إلا عن تلاقبعيد العهد بالذكرى سحيق
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
لتعلم أننى عفّ السجاياعزوف النفس متّبع البروق
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
وأنى مذ قصرت يدىّ طالتإليك يد العدوّ المستفيق
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

وله فى الرثاء قصيدة يرثى بها قاضى بلدة المحمّدية طاهر بن عبد الله، وقد بلغته وفاته بالقيروان، منها:

العفر فى فم ذاك الصارخ النّاعىولا أجيبت بخير دعوة الدّاعى
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
فقد نعى ملء أفواه وأفئدةوقد نعى ملء أبصار وأسماع
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
أما لئن صحّ ما جاء البريد بهليكثرنّ من الباكين أشياعى
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
يا شؤم طائر أخبار مبرّحةيطير قلبى لها من بين أضلاعى
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
مازلت أفزع من يأس إلى طمعحتى تربّع يأسى فوق أطماعى
فاليوم أنفق كنز العمر أجمعهلمّا مضى واحد الدّنيا بإجماع
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
توفّى الطاهر القاضى فوا أسفاإن لم يوفّ تباريحى وأوجاعى
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
فللديانة فيه لبس ثاكلةوللقضاء عليه قلب ملتاع
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

وله فى الهجو أبيات يهجو بها رجلا اسمه فرات- وأحسن فيها- وهى:

قالوا رأينا فراتا ليس يوجعهما يوجع الناس من هجو به قذفا
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
فقلت: لو أنه حىّ لأوجعهلكنّه مات من جهل وما عرفا
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة
وما هجوت فراتا غير تجربةوذو الرماية من يستصغر الهدفا
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

وكان بين ابن رشيق وبين محمد بن شرف الشاعر مباينة بعد مواصلة، وذلك أنهما كانا شاعرى ابن باديس، ودخلا إليه، واتّصلا بخدمته فى وقت واحد. وكان

ابن شرف ممن لا ينكر حدقه، ولا يدفع فى هذا النوع صدقه، ولم يزل بينهما مكاتبات ومخاطبات. فمن شعر ابن شرف قصيدة كتب بها إلى ابن رشيق، وهو بالمهديّة يتشوّقه، أولها:

عدمناك من بعد وإن زدتنا قرباعلى أنّ فيما بيننا سبسبا سهبا
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

وكتب إليه ابن رشيق جوابا عنها قصيدته التى أوّلها:

عتابا عسى أنّ الزمان له عتبىوشكوى فكم شكوى ألانت لنا قلبا
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
إذا لم يكن إلّا إلى الدمع راحةفلا زال دمع العين منهملا سكبا
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

وكانت القصيدة التى تقدم بها ابن شرف، واتصل بخدمة ابن باديس:

قفا فتنسما عطر النسيمبرسم الدار من بعد الرّسيم
أنيخا الناعجين ولا ترومافما السلوان بالأمر العظيم
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
قفا تريا السبيل إلى التصابىلمغناها وكيف صبا الحليم
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

يقول- حين وصل إلى مدحه- فيها:

هو الشرف الذى نسب المعالىإليه وهو ذو الشّرف القديم
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
شهاب الحرب يهلك كلّ باغومحرق كلّ شيطان رجيم
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
تقطّع دونه البيض المواضىوتجفل عنه إجفال الظّليم
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة
ويجلو عنه ليل النّقع وجهكبدر التّم فى الليل البهيم
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

ثم إن المنافسة أوقعت بينهما، وتخارجا فى الهجاء، وعمل ابن رشيق عدة تصانيف فى الردّ عليه وإخراج معايب أقواله، سأستوفى لمحها وملحها فى كتابى الذى أسميه الأنيق فى أخبار ابن رشيق بمشيئة الله وعونه.

ولم يزل ابن رشيق على ما هو عليه من إقامة سوق الأدب، والتنبيه على فضل لغة العرب، بما يصنّفه فيها ويؤلفه، ويحرّره ويرصفه، مرة فى لغتها، ومرة فى معانيها الواردة فى أشعارها وأمثالها وأخبارها إلى أن هجم العرب على القيروان، وقتلوا من بها، وخرّبوا منازلها، وانتهبوا أموالها؛ فعند ذلك فرّ عنها إلى ساحل البحر المغربىّ، ولم يمكنه المقام هناك، فعدّى البحر إلى جزيرة صقلّيّة، ونزل بمازر إحدى مدنها على أميرها ومتوليها ابن مطكود، فأكرمه واختصّه، وقرأ عليه كتبه. ومن جملة ما رأيته من قراءاته عليه كتاب العمدة فى صنعة الشعر، وهو أجلّ كتبه وأكبرها. ورأيت خطّ ابن رشيق على نسخة منها، ولم يزل عنده إلى أن مات بمازر فى حدود سنة خمسين وأربعمائة- رحمه الله تعالى.

فمن تصانيفه: كتاب العمدة فى صناعة الشعر أربعة مجلدات، اشتمل من هذا النوع على ما لم يشتمل عليه تصنيف من نوعه، وأحسن فيه غاية الإحسان.

وذكر هذا الكتاب بحضرة القاضى الأجل الفاضل عبد الرحيم بن على البيسانىّ فقال:

هو تاج الكتب المصنّفة فى هذا النوع.

وله كتاب قراضة الذهب فى صناعة الأدب، وهو كتاب لطيف الجرم، كثيف العلم، لطيف العبارة، متين الإشارة، صادق القصد، هنىّ الورد.

وله كتاب الشذوذ، فى اللغة، ذكر فيه كلّ كلمة جاءت شاذة فى بابها، عربية فى معناها، دلّ به على كثرة اطّلاعه، ومتانة اضطلاعه.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.