تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

عبد الملك بن قريب أبو سعيد الأصمعى

عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علىّ بن أصمع بن مظهّر بن رباح بن عمرو

ابن عبد شمس بن أعيا بن سعيد بن عبد [بن] غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان، أبو سعيد الأصمعىّ، صاحب اللغة والنحو والغريب والأخبار والملح.

سمع شعبة بن الحجاج والحمادين ومسعر بن كدام وغيرهم.

روى عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، وأبو حاتم السّجستانىّ، وأبو الفضل الرّياشىّ، وأحمد بن محمد اليزيدىّ وغيرهم.

وكان من أهل البصرة، وقدم بغداذ فى أيام هارون الرشيد. قال عمر بن شبّة:

سمعت الأصمعىّ يقول: أحفظ ست عشرة ألف أرجوزة.

قال الأصمعى: بعث إلىّ محمد الأمين- وهو ولىّ العهد يومئذ- وقال:

إن أمير المؤمنين قد استدعاك على دوابّ البريد- وبين يديه السندىّ بن شاهك- فقال: خذه وسر. فسرت، فلما وصلت إلى الرّقّة أحضرنى الفضل بن الربيع إلى الرشيد، وهو منفرد، وسلّمت، فردّ واستدنانى وقال: أهديت إلىّ جاريتان وأردت أن تختبرهما- وأمر بإحضارهما، وهما أحسن شىء- فسألت إحداهما عن كل فن من فنون الأدب، فأجابت بجواب حسن، فاستنشدتها فأنشدت:

يا غياث البلاد فى كل محلما يريد العباد إلّا رضاك
لا ومن شرّف البلاد وأعلىما أطاع الإله عبد عصاك

واختبرت الأخرى فوجدتها دونها؛ فقلت: ما تبلغ منزلة هذه، وإذا روّضت بالتعليم جادت.

فأمر بتجهيز الموصوفة وتحسينها لينال منها، ثم قال: أخبرنى بشىء من أعاجيب ما سمعت من أخبار الناس، فقلت: صاحب لنا فى بدو بنى فلان، قد أتت عليه ست وتسعون سنة، وهو أصحّ الناس ذهنا، وأجودهم أكلا، وأقواهم بدنا، غبت عنه مدّة وعدت إليه، فوجدته من سوء الحال على خلاف ما وصفت، فسألته:

ما الذى نزل به؟ فقال: لمحت جارية قد لاثت رأسها، وطلت بالورس ما بين قدميها إلى رأسها، وعليها قميص وقناع مصبوغان، وفى عنقها طبل توقّع عليه، وتنشد هذا الشعر:

محاسنها سهام للمنايامريّشة بأنواع الخطوب
برى ريب المنون لهنّ سهماتصيب بنصله مهج القلوب

فأجبتها:

قفى شفتى فى موضع الطّبل ترتعىكما قد أبحت الطّبل فى جيدك الحسن
هبينى عودا أجوفا تحت شنّةتمتّع فيها بين نحرك والذّقن

فلما سمعت الشعر منى نزعت الطبل فرمت به فى وجهى، وبادرت إلى الخباء.

فدخلت، فلم أزل واقفا إلى أن حميت الشمس على مفرق رأسى؛ لا تخرج إلىّ، ولا ترجع جوابا، فقلت: أنا والله معها كما قال الشاعر:

فوالله يا سلمى لطال قيامتىعلى غير شىء يا سليمى أراقبه

ثم انصرفت قريح العين سخينها. فهذا الذى ترى من التغير لعشقى لها. فضحك الرشيد، ثم قال: يا عباسىّ، أعط عبد الملك مائة ألف درهم، وردّه إلى مدينة السلام. فقبضتها وأتتنى صلة الجارية التى وصفتها ألف دينار مع خادم، وأمر لى الفضل بن الربيع من ماله بعشرة آلاف درهم.

وأخبار الأصمعى كثيرة مدوّنة. قال المبرّد: كان أبو زيد الأنصارىّ صاحب لغة وغريب ونحو، وكان أكثر من الأصمعى فى النحو، وكان أبو عبيدة أعلم من أبى زيد والأصمعىّ بالأنساب والأيام والأخبار، وكان الأصمعىّ بحرا فى اللغة لا يعرف مثله فيها وفى كثرة الرواية، وكان دون أبى زيد فى النحو.

وقيل لأبى نواس: قد أشخص أبو عبيدة والأصمعى إلى الرشيد. قال:

أما أبو عبيدة فإنهم إن أمكنوه من سفره قرأ عليهم أخبار الأوّلين والآخرين، وأما الأصمعى فبلبل يطربهم بنغماته.

قال الأصمعى: حضرت أنا وأبو عبيدة عند الفضل بن الربيع، فقال لى:

كم كتابك فى الخيل؟ فقلت: مجلد واحد، فقال لأبى عبيدة عن كتابه فى الخيل فقال: خمسون مجلدا، فقال له: قم إلى هذا الفرس وأمسك عضوا عضوا منه واذكر، فقال: لست ببيطار، وإنما هذا شىء أخذته عن العرب، فقال لى:

قم يا أصمعىّ وافعل ذلك، قال: فقمت وأمسكت ناصية الفرس، وشرعت أذكر منه عضوا عضوا ويدى على ذلك العضو، وأنشد ما قالته العرب، إلى أن فرغت منه. فقال: خذه، فكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة ركبته إليه.

قال محمد بن إسحاق النديم فى كتابه: «مات الأصمعى فى سنة عشر ومائتين.

وله من الكتب: كتاب خلق الإنسان. كتاب الأجناس. كتاب الأنواء. كتاب الهمز. كتاب المقصور والممدود. كتاب الفرق.

كتاب الصفات. كتاب الأبواب. كتاب الميسر والقداح.

كتاب خلق الفرس. كتاب الخيل. كتاب الإبل. كتاب الشاء.

كتاب الأخبية [والبيوت]. كتاب الوحوش. كتاب فعل وأفعل.

كتاب الأمثال. كتاب الأضداد. كتاب الألفاظ. كتاب السلاح.

كتاب اللغات. كتاب مياه العرب. كتاب النوادر. كتاب أصول الكلام. كتاب القلب والإبدال. كتاب جزيرة العرب. كتاب الدلو. كتاب الاشتقاق. كتاب الرحل. كتاب معانى الشعر.

كتاب المصادر. كتاب الأراجيز. كتاب النحلة. كتاب النبات [والشجر]. كتاب ما اختلف لفظه واتفق معناه. كتاب غريب الحديث، [نحو مائتى ورقة، رأيته بخط السكرىّ]. كتاب السرج واللجام [والشوى والنعال] والترس والنبال. كتاب غريب الحديث. كتاب الكلام الوحشىّ. كتاب نوادر الأعراب. كتاب المذكر والمؤنث.

وعمل الأصمعىّ قطعة كبيرة من أشعار العرب ليست بالمرضية عند العلماء لقلة غريبها واختصار روايتها».

ذكره الحافظ أبو نعيم فى كتاب تاريخ أصبهان وقال: «توفى سنة اثنتى عشرة ومائتين».

قال الأصمعىّ: بعث إلىّ محمد بن هارون، فدخلت عليه، وفى يده كتاب يديم النظر إليه، ويتعجب منه، ثم قال: يا عبد الملك، أما تعجب من هذا الشاب وما يجىء به! فقلت: من هو؟ فقال: عباس بن الأحنف، ثم رمى بالكتاب إلىّ فإذا فيه شعر قاله عباس:

إذا ما شئت أن تصنع شيئا يعجب الناسا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «إذا ما شئت أن تصنع»
فصوّر هاهنا فوزاوصوّر ثمّ عباسا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «إذا ما شئت أن تصنع»
ودع بينهما شبراوإن زدت فلا باسا
فإن لم يدنوا حتىترى رأسيهما راسا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «إذا ما شئت أن تصنع»
فكذّبها بما قاستوكذبه بما قاسى
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «إذا ما شئت أن تصنع»

قال الأصمعى: وكان بينى وبين عباس شىء، فقلت: مسترق يا أمير المؤمنين، فقال: ممن؟ قلت: من العرب والعجم، قال: ما كان من العرب؟ قلت: رجل يقال له عمر، هوى جارية يقال لها قمر، فقال:

إذا ما شئت أن تصنع شيئا يعجب البشرا
فصوّر هاهنا قمراوصوّر هاهنا عمرا
فإن لم يدنوا حتّىترى بشريهما بشرا
فكذبها بما ذكرتوكذّبه بما ذكرا

قال: فما كان من العجم؟ قلت: رجل يقال له «فلقاء» هوى جارية يقال لها «زورق»، فقال:

إذا ما شئت أن تصنع شيئا يعجب الخلقا
فصوّر هاهنا زورقوصوّر هاهنا فلقا
فإن لم يدنوا حتىترى خلقيهما خلقا
فكذبها بما لاقتوكذّبه بما يلقى

قال الأصمعىّ: فبينا نحن كذلك إذ جاء الحاجب، فقال: عباس بالباب، فدخل فقال: يا عباس، تسرق معانى الشعر وتدّعيه، فقال: ما سبقنى إليه أحد.

فقال محمد: هذا الأصمعىّ يحكيه عن العرب والعجم، ثم قال: يا غلام، ادفع الجائزة إلى الأصمعىّ.

فلما خرجا قال العباس: كذبتنى وأبطلت جائزتى! فقلت له: أتذكر يوم كذا! وأنشأت أقول:

إذا وترت امرأ فاحذر عداوتهمن يزرع الشوك لا يحصد به عنبا
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.