من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
عثمان بن جنى أبو الفتح الموصلى النحوى اللغوى
المشهور المذكور، صاحب التصانيف البديعة فى علم الأدب. وأبوه جنّى مملوك رومىّ لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدىّ الموصلىّ. وفى ذلك يقول عثمان ابن جنى:
فإن أصبح بلا نسبفعلمى فى الورى نسبى
على أنى أؤول إلىقروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقواأرمّ الدهر ذو الخطب
أولاك دعا النبى لهمكفى شرفا دعاء نبى
صحب أبا على الفارسىّ وتبعه فى أسفاره، وخلا به فى مقامه، واستملى منه، وأخذ عنه، وصنّف فى زمانه، ووقف أبو علىّ على تصانيفه واستجادها.
واستوطن أبو الفتح دار السلام، ودرس بها العلم إلى أن مات. وكانت وفاته ببغداد على ما ذكره أحمد بن علىّ التّوّزىّ فى يوم الجمعة لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة.
فمن تصانيفه: كتاب اللمع. كتاب سر الصناعة. كتاب المنصف فى شرح كتاب المازنى فى التصريف. كتاب الخصائص. كتاب التلقين فى النحو. كتاب التعاقب. كتاب الكافى فى شرح قوافى الأخفش.
كتاب المذكّر والمؤنث. كتاب المقصور والممدود. كتاب التمام فى شعر
الهذليين. كتاب إعراب الحماسة. كتاب المنهج فى اشتقاق أسماء شعراء الحماسة. كتاب الصبر فى شرح شعر المتنبى. مختصر العروض. مختصر فى القوافى. كتاب هذا القدّ، وهو ما استملاه من أبى علىّ. كتاب المسائل الخاطريات. كتاب التذكرة الأصبهانية. مختار تذكرة أبى على وتهذيبها.
كتاب المقتضب فى المعتل العين. وذكره الباخرزىّ فى كتابه فقال:
ابن جنّى» هو أبو الفتح عثمان، ليس لأحد من أئمة الأدب فى فتح المقفلات وشرح المشكلات ما له؛ ولا سيّما فى علم الإعراب، فقد وقع منها على ثمرة الغراب. ومن وقف على مصنّفاته وقف على بعض صفاته. فوربّى إنه كشف الغطاء عن شعر المتنبى. وما كنت أعلم أنه ينظم القريض، أو يسيغ ذلك الجريض؛ حتى قرأت له مرثية فى المتنبى، أوّلها:
غاض القريض وأودت نضرة الأدبوصوّحت بعد رىّ دوحة الكتب
منها:
سلبت ثوب بهاء كنت تلبسهلما تخطّفت بالخطّية السلب
ما زلت تصحب فى الجلّى إذا نزلتقلبا جميعا وعزما غير منشعب
وقد حلبت لعمرى الدهر أشطرهتمطو بهمّة لا وان ولا نصب
من للهواجل تحيى ميت أرسمهابكل جائلة التصدير والحقب
قبّاء خوصاء محمود علالتهاتنبو عريكتها بالحلس والقتب
أم من لسرحانها تقريه فضلتهوقد تضوّر بين البأس والسّغب
أم من لبيض الظّبا توكافهنّ دمأم من لسمر القنا والزّغف واليلب
أم للجحافل تذكى جمر جاحمهاحتى يقرّبها من ساطع اللهب
أم للمحافل إذ تبدو فتعمرهابالنّظم والنّثر والأمثال والخطب
أم للصواهل محمرّا سرابلهامن بعد ما غربت معروفة الشّهب
أم للمناهل والظلماء عاكفةتواصل الكرّ بين الورد والقرب
أم للقساطل تعتمّ الحزون بهاأم من لضغم الهزبر الضّيغم الحرب
أم للضّراب إذا الأحساب دافع عنتدنيسها شفرات الوكّف القضب
أم للملوك تحلّيها وتلبسهاحتى تمايس فى أبرادها القشب
نابت وسادى أطراب تؤرّقنىلما غدوت لقى فى قبضة النوب
عمرت خدن المساعى غير مضطهدومتّ كالنصل لم يدنس ولم يعب
فاذهب عليك سلام الله ما قلقتخوص الركائب بالأكوار والشّعب
- الشّعب: جمع شعبة، وهى المزادة الضخمة. قاله أبو حاتم السّجزىّ-
موفّق لسبيل الرشد متّبعيزينه كلّ ما يأتى ويجتنب
تسمو العلوم إليه كلما انفرجتللناس عن وجهه الأبواب والحجب
له خلائق بيض لا يغيّرهاصرف الزمان كمالا يصدأ الذهب
وخدم أبو الفتح بن جنّى البيت البويهىّ: عضد الدولة وولده صمصام الدولة، وولده شرف الدولة، وولده بهاء الدولة، وفى زمانه مات. وكان يلازمهم فى دورهم وييايتهم.
وحكى أبو غالب بن بشران النحوىّ الواسطىّ محمد بن أحمد بن سهل قال:
ورد أبو الفتح بن جنى عثمان إلى واسط، ونزل فى دار الشريف أبى على الجوّانىّ نقيب العلويين، وكنا نتردّد إليه ونسائله، ويملى علينا مسائل سماها الواسطية.
وورد بعد ذلك أبو الحسن على بن عيسى الربعىّ إلى واسط، ونزل حجرة فى جوار شيخنا أبى إسحاق إبراهيم بن سعيد الرفاعىّ، وكنت أتردّد إليه، وأسأله، فقال لى يوما أبو إسحاق: قد انعكفت على هذا المجنون! فقلت له: إنه يحكى عن أبى علىّ النحو كما أنزل. فقال: صدقت!.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع