تجاوز إلى المحتوى

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

الهيثم بن عدى الطائى الراوية الأخبارى

نقل من كلام العرب وعلومها وأشعارها ولغاتها الكثير. وأبوه أبو عبد الرحمن عدىّ، صحيح النسب فى طيّئ، من ثعل، وكان نازلا بواسط، من خير الناس.

وولده الهيثم تعرّض لمعرفة أصول الناس، ونقل أخبارهم، فوردت معايب القوم مستورة، فكره لذلك.

ونقل عنه أنه ذكر العباس بن عبد المطلب بشىء فحبس عدّة سنين؛ وقد كان القول فيه تلبيسا عليه؛ لبّسه قوم صاهرهم فلم يرضوه.

وقيل إن الهيثم بن عدىّ كان يرى رأى الخوارج؛ وكان له اختصاص بالمنصور والمهدى والرّشيد وروى عنهم.

قال الهيثم بن عدىّ: قال لى المهدىّ: ويحك يا هيثم! إن الناس يخبرون عن الأعراب شحّا ولؤما، وكرما وسماحا، وقد اختلفوا فى ذلك؛ فما عندك؟

فقلت: يا أمير المؤمنين، على الخبير سقطت! خرجت من أهلى أريد ديار قرائب لى، ومعى ناقة أركبها، إذ ندّت فذهبت، فجعلت أتبعها حتى أمسيت؛ فأدركتها ونظرت؛ فإذا خيمة أعرابىّ فأتيتها، فقالت ربّة الخباء: من أنت! فقلت:

ضيف، قالت: وما يصنع الضيف عندنا! إن الصحراء لواسعة، ثم قامت إلى برّ فطحنته، ثم عجنت وخبزت، ثم قعدت فأكلت، ولم ألبث أن أقبل زوجها معه ابن، فسلّم ثم قال: من الرجل؟ فقلت: ضيف، حيّاك الله! ثم قال: يا فلانة، ما أطعمت ضيفك شيئا؟ قالت: نعم، فدخل الخباء فملأ قعبا من لبن، ثم أتانى به، فقال لى: اشرب، فشربت شرابا هنيئا، فقال: ما أراك أكلت شيئا! وما أراها أطعمتك، فقلت: لا والله، فدخل عليها مغضبا فقال: ويلك! أكلت وتركت ضيفك! قالت: وما أصنع به! أطعمه طعامى! وجاراها الكلام حتى شجّها؛ ثم أخذ شفرة؛ وخرج إلى ناقتى فنحرها، فقلت: ما صنعت عافاك الله! فقال: لا والله ما يبيت ضيفى جائعا؛ ثم جمع حطبا وأجّج نارا، وأقبل يكبّب ويطعمنى، ويأكل ويلقى إليها، ويقول: كلى لا أطعمك الله! حتى إذا أصبح تركنى ومضى؛ فقعدت مغموما، فلما تعالى الظهر أقبل ومعه بعير ما يسأم الناظر أن ينظر إليه، فقال:

هذا مكان ناقتك؛ ثم زوّدنى من ذلك اللحم ومما حضره.

وخرجت من عنده فضمّنى الليل إلى خباء؛ فسلّمت فردّت صاحبة الخباء السلام وقالت: من الرجل؟ فقلت: ضيف، فقالت: مرحبا بك وحياك الله! عافاك الله! فنزلت فعمدت إلى برّ فطحنته ثم عجنته، ثم اختبزت خبزة روتها بالزّبد واللبن ثم وضعتها بين يدى، وقالت: كل واعذر، فلم ألبث أن أقبل أعرابىّ كريه الوجه، فسلم فرددت ﵇، فقال: من الرجل؟ فقلت: ضيف، قال:

وما يصنع الضيف عندنا؟ ثم دخل إلى أهله فقال: أين طعامى؟ قالت: أطعمته للضيف، فقال: أتطعمين طعامى الأضياف! فتجار يا الكلام؛ فرفع عصاه فضرب بها رأسها فشجّها. فجعلت أضحك، فخرج إلىّ فقال: ما يضحكك! فقلت: خير، فقال: لتخبرنّى، فأخبرته بقضية المرأة والرجل اللّذين نزلت عليهما قبله، فأقبل علىّ وقال: إن هذه التى عندى أخت ذلك الرجل، وتلك التى عنده أختى؛ فبتّ متعجبا وانصرفت.

وحضر أبو نواس إلى الهيثم بن عدىّ الطائىّ وسأله عن مسألة، فتقاعد عن جوابه، فقام عنه مغضبا؛ فقيل للهيثم: هذا أبو نوّاس؛ وقد تعرّضت للسانه فسيّر إليه من يترضاه ويسأله الإمساك عن هجوه؛ فقال: أما ما مضى فلا سبيل إلى استعادته؛ وكان الذى قاله فيه عند قيامه عنه:

يا هيثم بن عدىّ لست للعربولست من طيّىء إلا على شغب
إذا نسبت عديا من بنى ثعلفقدّم الدّال قبل العين فى النّسب

وقال أيضا:

أتيت الهيثم بن عدىّ أرجو العلوم، وكنت أمنحه الصفاء
فأعرض هيثم لمّا رآنىكأنى قد ذممت الأدعياء
فقلت له اطمئن فلست أهجودعيا ما توضحت السماء

قال الهيثم بن عدىّ: استعملت على صدقات بنى فزارة، فجاءنى رجل منهم، فقال: أريك عجبا! فقلت: بلى؛ فانطلق بى إلى جبل شاهق؛ فإذا فيه صدع، فقال لى: ادخل، فقلت: إنما يدخل الدليل، قال: فدخل فاتبعته؛ ودخل

معنا أناس؛ فكان ربما ضاق الجبل واتسع، وإذ نحن بضوء فدنونا منه، وإذا خرق ذاهب فى الأرض وإذا عكاكيز فى الجبل؛ فجذبناها فإذا هى سهام عاد؛ وإذا كتاب منقور فى الجبل مقدار إصبعين أو أكثر وإذا هو كتاب بالعربية:

ألا هل إلى أبيات سفح بذى اللّوىلوى الرمل فاصدقن النفوس معاد
بلاد لنا كانت وكنّا نحبهاإذ الناس ناس والبلاد بلاد

وروى الهيثم بن عدىّ حديث رسول الله ﷺ ونقل عنه وهو كثير.

أنبأنا ذاكر بن كامل الخفّاف عن أبى سعيد أحمد بن عبد الجبار بن الصيرفىّ عن القاضى أبى الهيثم علىّ بن المحزّ التنوخىّ، عن أبى عبيد الله محمد بن عمران بن موسى المرزبانى عن محمد بن الفتح القلانسىّ حدّثنا الهيثم بن عدىّ حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ:

«يا عائشة أنشدينى شعر ابن غريض اليهودى»، قالت: فأنشدته ﵇:

إن الكريم إذا أردت وصالهلم تلف حبلا واهيا رثّ القوى
أرعى أمانته وأحفظ عهدهجهدى فيأبى بعد ذلك ما أتى
ارفع ضعيفك لا يحربك ضعفهيوما فتدركه العواقب قد نمى
يجزيك أو يثنى عليك وإنّ منأثنى عليك بما فعلت فقد جزى
للشاعر السموأل، من قصيدة «إرفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه»

قال: فقال رسول الله ﷺ: «قال لى جبريل ﵇ آنفا:

يا محمد، من أوليته حسنا فكافأك، فذاك؛ فإن عجز وشكر فقد كافأ».

وذكر أحمد بن أبى طاهر أن الهيثم بن عدىّ مات بفم الصّلح؛ غرة المحرّم سنة ست ومائتين.

النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إنباه الرواة على أنباه النحاة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.