من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
أبو عبد الله حسين بن محمد التميمى العنبرى الدارونى القيروانى المغربى النحوى الإفريقى المعروف بابن أخت العاهة
والدّارون: موضع بعمل القيروان. وكان إماما في اللّغة والعلم بالشعر، وقرئ عليه، وسمع منه في حياة أبى محمد المكفوف النحوىّ، وكان مشغوفا بديوان ذى الرّمة، وكان أعلم الناس به وبغيره من دواوين الشعراء، إلى معرفته بأخبار العرب وأنسابها وأيامها ووقائعها، وكان يتفقّه بالكوفيّين. وكان معجبا بعلمه، ونسبه، شديد الافتخار به، يتجاوز فيه الحدّ، ولا يحضر مجلسا إلا افتخر فيه بتميم، ويسرف في ذلك حتى يملّ، وينسب فيه إلى السّخف، قال بعض جلسائه: كنت يوما جالسا معه في المسجد الّذى يجلس فيه، وقوم يقرءون عليه، إلى أن دخل رجل فسلّم، وسأله عن حاله، فذكر أنه قدم من الشّرق، فقال: أين بلغت؟ قال: البصرة، قال: كيف تميم هناك؟ قال: قوم حالهم مثل حال غيرهم، ومنهم قوم في البادية، ومن كان بالبصرة، فواحد تاجر، وآخر صانع.
وبيّاع وعمّال إلى غير ذلك، فساءه ذلك وغمّه، وقال: إنا لله! صارت بنو تميم إلى هذه الحال! ووجم، وأمر الذين يقرءون عليه أن ينصرفوا، ولم يسمعهم فى ذلك اليوم شيئا من الغمّ بما أخبره.
وكان له بنات فخطب إليه جماعة ممّن يتّجر ويحترف، فامتنع من تزويجهم، وكان يمضى إلى البادية فإذا وجد رجلا غريبا لا حرفة له زوّجه على ألّا يعمل بيده
شيئا، ولا يحرث ولا يحصد، ويضمن له القيام بمعيشته، حتى زوّجهنّ كلّهنّ على ذلك، فكثر عياله، وساء حاله لقيامه ببناته وأزواجهنّ، ولم يزل على هذه الحال إلى أن مات.
قال بعض الرواة: أتانى يوما فسألته عن حاله، فجعل يحدّثنى وكأنّه مشغول القلب، فقلت له: ما بالك؟ فقال: ابنى تميم جاء معى، فقلت: يدخل- وأمرت الغلام بإدخاله فلم يجده- فتبسّم وقال: أنفس بنى تميم! لمّا دخلت وتركته غضب.
وكان الدارونىّ شاعرا مجوّدا كثير الشّعر جيّد الطّبع، مقتدرا على المعانى.
وأملق أبو عبد الله الدارونىّ يوما، فكتب إلى أبى جعفر المروزىّ، وكان يخدم الشّيعة:
كتمت إعسارى وأخفيتهخوفا بأن أشكو إلى معسر
وأن يقول النّاس إنّى فتىلم أصن العرض ولم أصبر
فإن تكن في حاجة شاكيافاشك إلى مثل أبى جعفر
فهو لما أمّلته أهلهوما أراه اليوم بالموسر
فأجابه وقال:
أفضل ما يذكره ذاكرإغاثة المحتاج والمقتر
لا سيما شكوى حسين لمامضّ به قلب أبى جعفر
فلو حباه كلّ ما يحتوىلم يك في ذلك بالمكثر
لكنّه صادف أحوالهمنظرها يشهد بالمخبر
فوجّه التّافه من قوتهنزرا، ولو أكثر لم يكثر
ودخل الدّارونىّ يوما على خليل، وكان يومئذ يجهز بعثا لبعض ملوك الشّيعة، فدخل عليه وهو يكتب أسماءهم، فسأله الدارونىّ إسقاط ثلاثة نفر من أوليائه، فتأبّى عليه خليل، واعتذر له، واحتجّ في المنع، فوجم الدّارونىّ، فلمّا رأى ذلك قال: حجّتى يا تميمىّ صحيحة، فأجابه الدارونىّ، وقال:
اقض حاجاتى ودعنىمن قوافيك المليحه
انّما يحمد حسن الفعل لا حسن القريحه
فأجابه خليل فقال:
من تعاطاك فقد عرض بالنّفس الفضيحه
أنت أولى رجل جادت له النّفس الشّحيحه
فقضى حاجته، وكان هذا منهما في مجلس على البديهة.
وتوفّى سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع