من «إنباه الرواة على أنباه النحاة» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
أبو عبد الله بن رطويه النحوى
هذا نحوىّ لم أعلم له خبرا، إلا أن ابن نصر الكاتب ذكره في كتابه المسمّى ب «المفاوضة»، فقال ما مثاله: كان قد شجربين أبى عبد الله بن رطويه النحوىّ وبين أبى الفتح أحمد بن عيسى الملقب بحمدويه منازعة في شىء من القوافى، وهل يجوز تحريك حرف الدّخيل بغير الحركة التى بدأبها؟ فزعم أبو عبد الله أن ذلك لا يجوز للشاعر، وادّعى ابن حمدويه جوازه، واحتجّ بقول البحترىّ في القصيدة اللّامية التى يقول فيها:
ملوك يعدّون الرّماح مخاصراإذا زعزعوها والدّروع غلائلا
ثم قال فيها:
وفي يوم منويل وقد لمس الهدىبأظفاره أو همّ أن يتناولا
ويقول الخباز البلدى:
ذرا شجر للطير فيه تشاجر
وقال:
قيان وأوراق الغصون ستائر
فقال: أخطأ الشاعران جميعا، وتنابذا وتسابّا، فعمل فيه حمدويه في الحال:
أنت نحوىّ ولكنبدّلت خاءك جيما
فى حرمّ الأدب المحض إذا كنت عليما
وأنشده اياهما، ونهض منصرفا، فضحك الجماعة من ذلك؛ فشتمهم ابن رطوية ومضى.
قال ابن نصر الكاتب: حدثنى أبو عبد الله بن رطويه النحوىّ، قال: كنت بالكوفة ملازما للشريف أبى علىّ عمر بن محمد بن عمر، فقدم علينا فتى من أهل الحجاز، أديب ظريف، وقصد الشريف أبا علىّ، وتردّد إليه ونادمه، وكان يقول شعرا مطبوعا، فخاطبته في بابه دفعات، وقلت له: هذا فتى غريب، وقد دخل دارك، وتحرّم بطعامك، فبرّه وتفقّده، فقال: ما مدحنى، فقلت:
ليس الرجل منتدبا لهذا، وإنّما يقول الشعر تأدّبا لا تكسّبا، ولعلك إذا أحببت
أن يفعل. فأعرض عنى. ونقل المجلس إلى الرجل، فحضرنى واستخبرنى عما جرى، فذكرته وحملت الحال له، قال: بلغنى ما جرى على وجهه، والله يحسن جزاءك، وأنشدنى:
عثمان يعلم أنّ الحمد ذو ثمنلكنّه يشتهي حمدا بمجّان
والنّاس أكيس من أن يحمدوا أحداحتى يروا عنده آثار إحسان
وانصرف من الكوفة، وكان آخر عهدى به.
النص من طبعة دار الفكر العربي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع