تجاوز إلى المحتوى

من «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

حرف الهمزة فِي أسماء الحكماء

الصفحة ٢ من ٢

ومن المشتهرين فِي الملة الإسلامية بالانتماء إِلَى مذهبه محمد بن عبد الله الجبلي الباطني من أهل قرطبة كَانَ كلاماً بفلاسفته ملازماً لدراستها وهو محمد بن عبد الله بن ميسرة بن تجبح القرطبي أبو عبد الله سمع من أبيه ومن ابن وضاح والخشني وخرج إِلَى المشرق فارّاً لما اتهم بالزندقة لإكثاره من النظر فِي فلسفة أبيذقليس ولهجه بِهَا وتردد فِي المشرق مدة واشتغل بملاحاة أهل

الجدل وأصحاب الكلام والمعتزلة ثُمَّ عاد إِلَى الأندلس وأظهر النسك والورع واغتر الناس بظاهره واختلفوا إِلَيْهِ وسمعوا منه ثُمَّ ظهروا عَلَى معتقده وقبح مذهبه فانقبض عنه بعض ولازمه ودانوا بنحلته وَكَانَ لَهُ لسان خلوب يتوصل بِهِ إِلَى مراده وَكَانَ مولده ليلة الثلاثاء لسبع مضين من شعبان سنة تسع وستين ومائتين وتوفي يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة تسع عشرة وستمائة وهو ابن خمسين سنة وثلاثة أشهر والمشتهر من أمر أبيذقليس أنه أول من ذهب إِلَى الجمع بَيْنَ معاني صفات الله تعالى وأنها كلها تؤدي إِلَى شيء واحد وأنه إن وصف بالعلم والجود والقدرة فليس هو ذا معان متميزة تختص بهذه الأسماء المختلفة بل هو الواحد بالحقيقة الَّذِي لا يتكثر بوجه مَا أصلاً بخلاف سائر الموجودات فإن الوحدانيات العالمية معرضة للتكثر إما بأجزائها وإما بمعانيها وإما بنظائرها وذات الباري ﷾ متعالية عن هَذَا كله إِلَى هَذَا المذهب فِي الصفات ذهب أبو الهذيل محمد بن الهذيل العلاّف البصري أفلاطون بن أرسطون أحد أساطين الحكمة الخمسة من يونان كبير القدر فيهم مقبول القول بليغ فِي مقاصده أخذ عن فيثاغورس اليوناني وشارك سقراط فِي الأخذ عنه وَلَمْ يشتهر ذكره بَيْنَ علماء يونان إِلاَّ بعد موت سقراط وَكَانَ أفلاطون شريف النسب فِي بيوت يونان من بيت علم واحتوى عَلَى جميع فنون الطبيعة وصنف كتباً كثيرة مشهورة فِي فنون الحكمة وذهب فِيهَا إِلَى الرمز والإغلاق واشتهر جماعة من تلاميذه المتخرجين عَلَيْهِ وسادوا بانتسابهم إِلَيْهِ وَكَانَ يعلم الطالبين الفلسفة وهو ماش وسمى الناس فرقته المشائين وفوض فِي آخر عمره المفاوضة والتعليم والتدريس إِلَى أرشد أصحابه وانقطع إِلَى العبادة والاعتزال وعاش ثمانين سنة وَكَانَ أفلاطون فِي قديم يميل إِلَى الشعر وأخذ منه بخط متوفر ثُمَّ حضر مجلس سقراط فرآه يذم الشعر وأهله ويقول هي خيالات تشعر بالخلائق لا

عَلَى الحقيقة وطلب الحقائق أولي فتركه عند ذَلِكَ أفلاطون ثُمَّ انتقل إِلَى قول فيثاغورس فِي الأشياء المعقولة ويقال أنه عاش إحدى وثمانين سنة وعنه أخذ أرسطوطاليس وخلفه بعد موته وقال إسحاق أنه أخذ عن سقراط وتوفي أفلاطون فِي السنة الَّتِي ولد فِيهَا الإسكندر وعي السنة الثالثة عشر من ملك الأوخس وكان ملك مقدونية فِي ذَلِكَ الوقت فلبس وهو أبو الإسكندر.

وَقَدْ ذكر ثاؤن مَا صنفه أفلاطون من الكتب ورتبه وهو كتاب السياسة فسره حنين بن إسحاق فِي كتاب النواميس ثقله حنين ويحيى بن عدي وَكَانَ يسمي كتباً بأسماء الرجال الطالبين لَهَا وهي فِي فنون متعددة منها. كتاب الجنس فِي الفلسفة. كتاب لاخس فِي الشجاعة. كتاب أرسطوطاليس فِي الفلسفة. كتاب خرميذس فِي العفة. كتابان سماهما الفيناذس فِي الجميل. كتاب أوثوذيمس فِي الحكمة. كتابان سماهما اقتاه. كتاب غورجياس. كتاب أوتوفرن. كتاب أسين. كتاب فاذن. كتاب قريطن. كتاب ثالطلطس. كتاب قيلوطوقن. كتاب قراطولس. كتاب سوفسطس. كتاب طيماؤس أصلحه يحيى بن عدي. كتاب فرمانيذس. كتاب فدرس. كتاب ماثن. كتاب مينس. كتاب أبرخيس. كتاب مانكسانس. كتاب أطليطغرس. كتاب طيماؤس ثلاث مقالات. كتاب المناسبات. كتاب التوحيد. كتاب فِي العقل والنفس والجوهر والعرض. كتاب الحس واللذة. كتاب مسطسطس. كتاب تأديب الأحداث كتاب أصول الهندسة وله رسائل موجودة. وقال ثاؤن أفلاطون يرتب كتبه فِي القراءة وهو أن يجعل كل مرتبة أربعة كتب يسمي ذَلِكَ رابوعاً وعُرفَ أفلاطون وشُهر فِي زمن أرطخشاشت من ملوك الفرس وهو المعروف بالطويل اليد وهو يشتاسف الملك الَّذِي خرج إِلَيْهِ زرداشت واله أعلم. وقال ثاؤن أن أفلاطون بن أرسطون بن أرسطوقليس من أهل أثنيس وكانت أمه فاريقطيوني ابنة غلوقون وكان من كلا الوالدين شريف الآباء وأمه هَذِهِ المذكورة من نسل سولن الَّذِي وضع نواميس لأهل أثينس ورد عليهم مدينة سلمينا الَّتِي انتزعها منهم أهل ماغارا وَكَانَ لسولون أخ يقال لَهُ ذرونيذس يذكره أفلاطون كثيراً فِي شعره وَكَانَ لذرونيذس ابن يقال لَهُ أقريطس وَقَدْ ذكره أفلاطون فِي كتاب طيماؤس وابن أقريطس فلسخروس وابن المسخوري

غلوقن وابن غلوقن خرميذس وأخت خرميذس فاريقطيوني وتسمى أيضاً يقطعوني وأفلاطون ابنها فأفلاطون سادس من سولن وأما جنس أبيه أرسطون فإنه ينتهي فِي النسب إِلَى قودرس بن مالنتوس المنتسب إِلَى فيسذون وكان مالنتوس جده شجاعاً مقداماً ذا رأي وخديعة ولما حارب أهل بواطيا أهل اثينس لفساد جرى بينهم ودامت الحرب فيما بينهم وقتل المقاتلة فيما بَيْنَ الفريقين ملّ كل وتحد منهم مَا هو فِيهِ وَكَانَ المستولي يومئذ عَلَى ملك بواطيا اقسانتس وَعَلَى اثينتس أوموطي فطلب اقسانتس مبارزة أوموطي فذل وَلَمْ يبارزه وجبن عن ذَلِكَ فخرج مالنتوس حدثنا أفلاطون من اثينس وقال أنا أبلوزه عَلَى شرط أن غلبته ملّكت فرضي أوطوي بذلك اقسالتس ملك بواطيا وبارزه مالنتوس بعد أفلاطون فلما تقاربا قال لَهُ مالنتوس انطلق ثُمَّ عد إليّ فلها حوّل اقسانتس وجهه ضربه مالنتوس من خلفه خدعة فقتله ومن ذَلِكَ الوقت عمل ذَلِكَ اليوم عيداً عند أهل اثينتس وسمى عيد الخدعة وَكَانَ يسمى فِي ذَلِكَ الوقت باليونانية أبا طينوريا والآن يسمى أباطوريا وَكَانَ هَذَا الأمر سبب هَذَا العيد وابنه قودرس سلم نفسه إِلَى العدو ليخلص أهل مدينته ورضي بأن يلبس لباساً رثاً وأم يموت دونهم.

ويونان يبالغون فِي أفلاطون ويعظمونه ويقولون كَانَ مولده إلهياً وَكَانَ طالعه طالعاً جليلاً ويحكون فِي ذَلِكَ حكايات هي بالأسمار أشبه فأضربت عن ذكرها وقالوا أنه لما عزم عَلَى ترك الشعر الَّذِي كَانَ يعانيه ويبالغ فِي تعلمه عندما سمع عن سقراط مَا سمعه فِي أمره عزم عَلَى المضي إِلَى سقراط والأخذ عنه فلسفة فيثاغورس وذد كَانَ شاركه فِيهَا عَلَى فيثاغورس إِلاَّ أنه لَمْ يبالغ فِيهَا لاشتغاله بالشعر وأن سقراط رأى فِي المنام كَأَنَّ رخ كركي قاعد عَلَى حجره وأنه زغب وطلع ريشه للوقب فطار نحو السماء وهو يصوت بصوت إلهي مطرب جميع الناس فلما جاءه أفلاطون للتعلم تأوله ذَلِكَ الطائر وأن صوته وكلامه سيشغل الناس بهما عن غيرهما وَقَدْ قيل أنه فِي أول أمره اشتغل بالشعر إِلَى أن بلغ فِيهِ الغاية وصنف وسمع كلام فيثاغورس وهو ابن دون العشرين سنة ووضع كتباً فِي الألحان ثُمَّ بعد ذَلِكَ أراد الفلسفة فمشى إِلَى أصحاب أراقليطوس وَكَانَتْ لهم طريقة فِي الفلسفة وهي اليوم مجهولة فسمع منهم وتحقق أن طريقتهم فِي الحكمة يتعين

عَلَيْهَا الرد وأراد أن يجاهد نفسه فِي طلب الفلسفة الحقيقية فقصد سقراط لأن فيثاغورس كَانَ قَدْ مات وتصدر بعده سقراط فصادف سقراط وهو يخطب الجماعة المجتمعة إِلَيْهِ وَكَانَ قَدْ جمعهم إِلَيْهِ ذبونوسيوس فلما سمع كلامه حرص كل الحرص عَلَى طلب الحكمة الفيثاغورية وترك مَا كَانَ عَلَيْهِ وأحرف كتب الشعر والأحاديث وأنشأ يقول:

يَا أَيُّها أدنى من أفلاطونفإن بِهِ الآن إِلَيْكَ حاجة مَا

وهذه طريقة الشعر اليوناني وَكَانَ عمره إذ ذَاكَ عشرين سنة وسمع من سقراط بعد ذَلِكَ ولازمه مدة خمسين سنة حَتَّى بلغ فِي الأمور العقلية إِلَى منزلة فيثاغورس وَفِي سياسة المدينة الفاضلة إِلَى مرتبة سقراط وشهد لَهُ بذلك أهل العلم فِي زمانه وَكَانَ لرغبته فِي العلم شديد الطلب لَهُ كثير الحث والبحث فِي تحصيله منفقاً فِي تحصيل الكتب بما يمكنه حَتَّى أنه أمر ديون أن يبتاع لَهُ من فيلولاؤس ثلاثة كتب مخزونة عنده من كتب فيثاغورس فابتاعها لَهُ بمائة دينار ولشدة طلبه فِي العلم وحرصه عَلَى جميع الكتب سافر إِلَى صقلية ثلاث دفعات ليحصل عَلَى أسرار حكمة الأمور الإلهية فأول دفعة سافر فِيهَا إِلَيْهَا كَانَ لعزمه أن يري النار الَّتِي تخرج هناك من الأرض دائماً تخف فِي الصيف وتزيد فِي الشتاء وَكَانَ المستولى عَلَى صقلية فِي ذَلِكَ الوقت رجل يوناني قَدْ تغلب عَلَيْهَا اسمه دبونوسيوس وَكَانَ جباراً قَدْ ملك البلاد باليد لا بالإعالة ولما سمع بقدوم أفلاطون أمر بإحضاره فلما حضر إِلَيْهِ صادف عنده سقراط وَقَدْ جمع لَهُ علماء الجزيرة وهو يخطبهم عَلَى مَا تقدم ذكره وشرحه ولما حضر أفلاطون المجلس طلب منه جبار صقلية هَذَا المذكور أن يتكلم بشيء من خطبه وشعره فخطب خطباً كثيرة بحضرته وَكَانَ فصيحاً عذب الألفاظ محكماً لما يورده من طريقته الَّتِي هو عَلَيْهَا وقال فِي بعض خطبه أن أجود السير وأفضلها الَّتِي تكون عَلَى الناموس والسنن وطن الجبار ذيونوسيوس أنه قصده بهذا القول لأجل تغلبه بغير استحقاق لما وليه فأسرها فِي نفسه وَلَمْ يبدها وَكَانَ هَذَا الجبار يعاني الشعر وشيئاً من الحكمة الغير محققة وَلَهُ تلاميذ فِي ذَلِكَ وأصحاب وإذا سمع بعالم تحيل فِي إحضاره ومناظرته وإقامة الحجة عَلَى صحة قصده الَّذِي هو عَلَيْهِ

واتفق أن قال لأفلاطون هلا ترى فِي أصحابي سعيداً وظن أن أفلاطون سيقول بحضور الجمع أنك سعيد فيحصل لَهُ بهذا القول مرتبة توجب لَهُ الاستحقاق لما تغلب عَلَيْهِ فقال لَهُ أفلاطون غير محاش لَهُ لَيْسَ فِي أصحابك سعيد فسأله بعد ذَلِكَ وقال فهل ترى أنه كَانَ من القدماء سعيد فقال كَانَ فيهم سعداء غير مشهوريين وأشقياء اشتهروا وعناه بذلك فأسرها الجبار وَلَمْ يبدها لَهُ ثُمَّ قال لَهُ الجبار فأراك علي هَذَا القول لا ترى أن أرقليس من أهل السعادة أيضاً وأرقليس هَذَا كَانَ شاعراً من شعراء يونان وَكَانَ قَدْ عمل أشعاراً وذكر فِيهَا هَذَا الجبار ووصفه ولحّن تِلْكَ الأشعار وجعلها فِي هياكل جزيرة صقلية يذكر بِهَا فِي كل وقت وَكَانَ هَذَا الجبار يعظم الشعر والشعراء لأجل ذَلِكَ يثبت لمدحه أصلاً فقال لَهُ أفلاطون مجيباً عن سؤاله أن كنا ترى أن أرقليس كَانَ كالذي ينبغي أن يكون من كَانَ من نسل أذيا يعني المشترى فباضطرار ينبغي أن تظن بِهِ أنه سعيد وأما إِن كَانَ كما وصفتموه أنتم معاشر الشعراء وَكَانَتْ سيرته عَلَى مَا تذكرون فإنه عندي من الأشقياء وذوي رداءة البخت فلما سمع ذبونوسيوس الجبار منه هَذَا القول لَمْ يحتمل جرأته وأمر بِهِ فدفع إِلَى بوليذس الَّذِي كَانَ من أهل الاقاذامونيا وَكَانَ قَدْ وفد عَلَى هَذَا الجبار ليهادنه عَلَى بلاده وأمره الجبار بقتل أفلاطون فأخذه بوليذ وذهب بِهِ إِلَى أثينا مدينته وأبقى عَلَيْهِ وَلَمْ يقتله وباعه من رجل من أهل النهروان اسمه أناقرس وَكَانَ هَذَا الرجل يحب أفلاطون وينشبه بأخلاقه وإن لَمْ يره قبل ذَلِكَ وإنما كَانَ يسمع مَا يُنقل إِلَيْهِ من أخباره وَكَانَ الثمن الَّذِي ابتاعه بِهِ ثلاثين مناقضة وَكَانَ لذيونوسيوس الجبار نسيب اسمه ذيون قَدْ حضر مجالس أفلاطون بصقلية وسمع كلامه ومال إِلَيْهِ كل ميل ولما سمع مَا جرى عَلَى أفلاطون عزّ عَلَيْهِ وَلَمْ يمكنه مجاهرة الجبار فسيَّر فِي السر ثمن أفلاطون وهو ثلاثون مناً إِلَى النهرواني مبتاعه وسأل بيعه منه فلم يفعل النهرواني ذَلِكَ وقال هَذَا حكيم مطلق لنفسه وإنما وزنت المال لأنقذه من أسره وسيصير إِلَى بلاده فِي سلامة وخير فلما سمع ذيون نسيب الجبار هَذَا القول استرجع الثمن وسيره إِلَى أقاذاميا واشترى بِهِ بساتين هناك ووهبها لأفلاطون فمنها كَانَتْ معيشته مدة حياته ولما تحقق ذيونزسيوس خلاص أفلاطون وسلامته ندم

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «إخبار العلماء بأخبار الحكماء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.