تجاوز إلى المحتوى

من «إخبار العلماء بأخبار الحكماء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)

الكتب الَّتِي وجدت فِي خزانة الرجل الَّذِي يسمى ابليقون (٢)

انقيلاؤس الإسكندراني حكيم فاضل طبائعي مصري الإقليم إسكندراني المنزل وهو أحد الإسكندرانيين الذين عنوا بجمع كلام جالينوس واختصار كتبه وتأليفها عَلَى المسألة والجواب ودل حسن اختصارهم عَلَى معرفتهم بجوامع الكلام وإتقانهم لصناعة الطب وَكَانَ انقيلاؤس هَذَا رئيسهم وهو الَّذِي جمع من منثور كلام جالينوس ثلاث عشرة مقالة فِي أسرار الحركات ألفها فيمن جامع وبه علة مزمنة وذكر مَا يولد عَلَيْهِ ذَلِكَ وَمَا يدفع بِهِ ضرره وانقيلاؤس هَذَا هو المرتب للكتب والمستخرج لأكثرها حَتَّى أن أكثر الناس ينسبون الجوامع إليه وَقَدْ ذكر هَذَا حنين بن إسحاق فِي نقله لَهَا من اليوناني إِلَى السرياني والإسكندرانيون هم الذين رتبوا بالإسكندرية دار العلم ومجالس الدرس الطبي وكانوا يقرؤون كتب جالينوس ويرتبونها عَلَى هَذَا الشكل الَّذِي يقرأ اليوم عَلَيْهِ وعملوا لَهَا تفاسير وجوامع تختصر معانيها ويسهل عَلَى القارئ حفظها وحملها فِي الأسفار فأولهم عَلَى مَا رتبه إسحاق بن حنين اصطفن الإسكندراني ثُمَّ جاسيوس وانقيلاؤس ومارينوس فهؤلاء الأربعة عمدة الأطباء الإسكندرانيين وهم الذين عملوا الجوامع والتفاسير وانقيلاؤس هو المرتب للكتب والمستخرج لَهَا عَلَى مَا تقدم شرحه.

أبلّن الرومي حكيم طبائعي ويقال هو أول حكيم تكلم فِي الطب ببلد الروم وَكَانَ فِي الزمن القديم وهو أول من استنبط حروف اللغة الإغريقية عمل ذَلِكَ لمنافيس الملك تكلم فِي الطب وقاسه وعمل بِهِ وَكَانَ زمنه بعد زمن موسى بن عمران النبي ﵇ وقيل كَانَ فِي زمان براق الحكيم ورأيت لَهُ أخباراً كثيرة مهولة شنيعة قَدْ ألفها الروم وأجروه فِيهَا مجري اسقلابيوس يونان.

اندروماخس حكيم فيلسوف فِي زمن الإسكندر وَلَمْ تكن لَهُ شهرة غيره وَقَدْ أخذ عنه شيء من هَذَا النوع وَلَهُ مقالات مذكورة فِي مدارس هَذَا

العلم وَكَانَ رئيس الأطباء بالأردن وهو الَّذِي وقف عَلَى معجون المثروديطوس وزاد فِيهِ ونقص منه فكان مما زاد فِيهِ لحوم الأفاعي تنفع من لسع الأفاعي زيادة عَلَى منافعه المستقرة.

ابسقلاؤس حكيم فِي وقته خبير بالرياضة قائم بِهَا من حكماء اليونان وَلَهُ ذكر مشهور بَيْنَ أهل هَذِهِ الصناعة وهو بعد زمن إقليدس وَلَهُ تصانيف شريفة فِي هَذَا النوع وتنبيهات مفيدة فمن تصانيفه. كتاب الأجرام والأبعاد. كتاب المطالع وهو الطلوع والغروب مقالة وأصلح من كتاب إقليدس المقالة الرابعة عشر والخامسة عشر.

أوطوقيوس مهندس يوناني إسكندراني فاضل فِي فنه مذكور ومصنف بعد ارشميدس وبطليموس وذكره فِي مدارس علم الرياضة. مشهور وَلَهُ تصانيف منها شرح المقالة الأولى من كتاب ارشميدس فِي الكرة والاسطوانة. كتاب فِي الخطين وبين جمع ذَلِكَ من أقاويل الفلاسفة المهندسين. كتاب تفسير المقالة الأولى من كتاب بطليموس فِي القضاء عَلَى النجوم.

أوطولوقس مهندس رياضي يوناني مشهور مذكور فِي وقته مصنف تصانيف مشهورة متداولة بَيْنَ العلماء فمن تصانيفه. كتاب الكرة المتحركة إصلاح الكندي. كتاب الطلوع والغروب ثلاث مقالات.

إبرن المصري الرومي الإسكندراني عالم بفنون أهل ذَلِكَ الزمان صنف كتبه فأفاد ونبه عَلَى أسرار هَذِهِ الصناعة فمن تصانيفه. كتاب فِي حل شكوك كتاب إقليدس. كتاب الحيل الروحانية.

ارستجالس طبيب مذكور قبل جالينوس وَلَهُ تقدم فِي وقته وتصنيف وَقَدْ ذكره جالينوس فِي بعض تصانيفه وحكى أقواله وتناوله بالاستنقاص وقطعه ومزقه كل ممزق وزيف قياسه فِي هَذِهِ الصنعة وَلَهُ كتاب فِي الطب يعرف بكتاب طبيعة الإنسان.

أوريباسيوس الطبيب اليوناني لا يعلم أهو قبل جالينوس أَوْ بعده وَلَمْ يمر ذكره فِي تواريخ الأطباء وإنما دلت عَلَيْهِ مصنفاته وهي. كتاب إِلَى ابنه اسطات تسع مقالات نقل حنين. كتاب تشريح الأعضاء مقالة. كتاب الأدوية المستعملة نقل اصطفن بن بسيل. كتاب السبعين مقالة نقلها حنين وعيسى بن

يحيى السرياني.

إبراهيم بن فزارون هَذَا الرجل من ولد فزارون الكاتب كَانَ طبيباً مذكوراً فِي زمانه واختص بصحبة غسان بن عباد وخرج معه إِلَى بلد السند وأقام بِهِ ثُمَّ عاد بعد برهة وذكر أنه مَا أكل بالسند لجماً استطابه إِلاَّ لحوم الطواويس قال إبراهيم بن فزارون وذكر غسان أن فِي النهر المعروف بمهران بأرض السند سمكة تشبه الجدي وأنها تصاد ثُمَّ يطين رأسها وجميع بدنها إِلَى موضع مخرج التفل منها ثُمَّ يجعل مَا يطين منها عَلَى الجمر ويمسكها ممسك حَتَّى يشتوى منها مَا كَانَ موضوعاً عَلَى الجمر ويتضح ويؤكل منها مَا نضج أَوْ يرمي بِهِ وتلقى السمكة فِي الماء مَا لَمْ ينكسر العظم الَّذِي صلب السمكة فنعيش السمكة وينبت عَلَى عظمها اللهم وإن غسان أمر بحفر بركة فِي داره وملأها ماء وأمرهم بامتحان مَا بلغه قال إبراهيم فكنا نؤتى فِي كل يوم بعدة من السمك فتشويه عَلَى الحكاية المذكورة لَنَا ونكسر من بعضه عظم الصلب ونترك بعضه لا نكسره وَكَانَ مَا كسرنا عظمه يموت وَمَا لَمْ نكسر عظمه يسلم وينبت عَلَيْهِ اللحم ويستوي عَلَيْهِ الجلد إِلاَّ أن جلدة تِلْكَ السمكة تشبه جلد الجدي الأسود وَكَانَ مَا قشرنا من جلد السمك الَّتِي شويناها ورددناها إِلَى الماء يكون عَلَى غير لون الجلدة الأولى ويضرب إِلَى البياض.

إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن هارون الصابي أبو إسحاق صاحب الرسائل أصل سلفه من حران ونشأ إبراهيم ببغداد وتأدب بِهَا وَكَانَ بليغاً فِي صناعتي النظم والنثر وَلَهُ يد طولى فِي علم الرياضة وخصوصاً الهندسة والهيئة ولما عزم شرف الدولة بن عضد الدولة عَلَى رصد الكواكب ببغداد واعتمد فِي ذَلِكَ عَلَى وَيجن بن رستم القوهي كَانَ فِي جملة يحضروه من العلماء بهذا الشأن إبراهيم بن هلال وكتب بخطه فِي المحضر الَّذِي كتب بصورة الرصد وإدراك موضع الشمس من نزولها فِي الأبراج

وَلَهُ مصنف رأيته بخطه فِي المثلثات وَلَهُ عدة رسائل فِي أجوبة مخاطبات لأهل العلم بهذا النوع وخدم ملوك العراق من بني بُوَيه وتقدم بالرسائل والبلاغة وديوان رسائله مجموع واختلفت بِهِ الأيام مَا بَيْنَ رفع ووضع وتقديم وتأخير واعتقال وإطلاق وأشد مَا جرى عَلَيْهِ مَا عامله بِهِ عضد الدولة فإنه عند دخوله إِلَى العراق الدفعة الأولى أكرمه وقدمه وحاضره وذاكره وسامه الخروج معه إِلَى فارس فعزم عَلَى ذَلِكَ ووعده بِهِ ثُمَّ نظر فِي عاقبة الأمر وأن أحوال أهله والصابئة تفسد بغيبته فتأخر عنه ولما تقرر الصلح بينه وبين ابن عمه عز الدولة بختيار تقدم عز الدولة إِلَى الصابي بإنشاء نسخة يمين فأنشأها واستوفي فِيهَا الشروط حق الاستيفاء فلم يجد عضد الدولة مجالاً فِي نكثها وألزمته الضرورة الحلف بِهَا فلما عاد إِلَى العراق وملكها آخذه بما فعله وسجته مدة طويلة فقال إِن أراد الخروج من سجنه فليصنف مصنفاً فِي أخبار أل بويه فصنف. الكتاب التاجي فظهرت بلاغته فِي العبارة وَلَهُ إِلَيْهِ من سجنه عدة قصائد وَلَمْ يزل فِي أيام عضد الدولة ووزرائهم يتولى الإنشاء إِلَى أن توفي ببغداد فِي يوم الاثنين الثاني عشر من شوال سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ودفن ف الموضع المعروف بالجنينية المجاور للشونيزية وَكَانَ مولده فِي ليلة يوم الجمعة لخمس خلون من شهر رمضان سنة ثلاث عشر وثلاثمائة وللشريف الرضي أبي الحسن الموسوي فِيهِ مراثي منها:

أعَلمت من حملوا عَلَى الأعوادأرأيت كَيْفَ خبا ضياء النادي
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «أعلمت من حملوا على الأعواد»

وهي قصيدة طويلة ولما سمع المرتضى أخو الرضى وَكَانَ متقشفاً هَذَا المطلع قال نعم علمنا أنهم حملوا عَلَى الأعواد كلباً كافراً عجل بِهِ إِلَى نار جهنم.

إبراهيم بن زهرون الحراني المتطبب أبو إسحاق أظنه جد إبراهيم بن هلال الكاتب ذكره ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة فِي كتابه فقال وَفِي ليلة الخميس لإحدى عشر ليلة بقيت من صفر سنة تسع وثلاثمائة مات أبو إسحاق إبراهيم بن زهرون الجراني المنطقي.

إبراهيم قويري يكنى أبا إسحاق ممن أخذ عنه علم المنطق وعليه قرأ أبو بشر متي بن يونان وَكَانَ مذكوراً فِي وقته وَلَهُ تصانيف منها. كتاب تفسير قاطيغورياس مشجر. كتاب بارير مينياس مشجر. كتاب انالوطيقا الأولى. مشجر وكتبه مطرحة مجفوة لأجل عبارته فإنها كَانَتْ غلقة.

أحمد بن محمد بن مروان بن الطيب السرخسي أحد فلاسفة الإسلام وهو تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندي وَكَانَ أحمد هَذَا أحد المتفننين فِي علوم الفلسفة وَلَهُ تآليف جليلة فِي الموسيقى والمنطق وغير ذَلِكَ حلوة العبارة جيدة الاختصار وَكَانَ متفنناً فِي علوم كثيرة من علوم القدماء والعرب حسن المعرفة جيد القريحة بليغ اللسان مليح التصنيف وَكَانَ أولاً معلماً للمعتضد بالله ثُمَّ نادمه وخص بِهِ وَكَانَ يفضي إِلَيْهِ بأسراره ويستشيره فِي أمور مملكته وَكَانَ الغالب عَلَى أحمد علمه لا عقله وَكَانَ سبب قتل المعتضد إياه اختصاصه بِهِ فإنه أفضى إِلَيْهِ بسر يتعلق بالقاسم بن عبيد الله وبذر غلام المعتضد فأذاعه بحيلة من القاسم عَلَيْهِ مشهورة فسلمه المعتضد إليهما فاستصفيا مَالَهُ ثُمَّ اودعاه المطامير فلما كَانَ فِي الوقت الَّذِي خرج فِيهِ المعتضد لفتح آمد وقتال أحمد بن عيسى بن شيخ أفلت من المطامير جماعة من الخوارج وغيرهم والتقطهم مولس الفحل وَكَانَ إِلَيْهِ أمر الشرطة وخلافة المعتضد عَلَى الحضرة وأقام أحمد فِي موضعه ورجا بذلك السلامة وَكَانَ قعوده سبباً لمنيته وأمر المعتضد القاسم بإثبات جماعة ممن ينبغي أن يقتلوا ليستريح من تعلق القلب بهم فأثبتهم ووقع المعتضد بقتلهم فأدخل القاسم اسم أحمد فِي جملتهم فيما بعد فقتل وسأل عنه المعتضد فذكر لَهُ القاسم قتله وأخرج إِلَيْهِ الثبت فلم ينكره ومضى بعد أن بلغ السماء رفعة.

وَلَهُ من الكتب. كتاب قاطيغورياس. كتاب باربر مينياس. كتاب انولوطيقا. كتاب عش الصناعات. كتاب اللهو والملاهي. كتاب السياسة. كتاب المدخل إِلَى صناعة النجوم. كتاب الموسيقى الكبير مقالتان. كتاب الموسيقى الصغر. كتاب المسلك والممالك. كتاب الارثماطيقي والجبر

والمقابلة. كتاب المدخل إِلَى الطب. كتاب المسائل. كتاب فضائل بغداد. كتاب الطبيخ. كتاب زاد المسافر. كتاب المدخل إِلَى علم الموسيقى. كتاب الجلساء والمجالسة. كتاب جوابات ثابت. كتاب النمش والكلف. كتاب الشاكين وطريق اعتقادهم. كتاب منفعة الجبال. كتاب وصف مذهب الصابئين. كتاب فِي أن المبدعات لا متحركة ولا ساكنة.

أحمد بن محمد بن كثير الفرغاني أحمد منجمي المأمون وصاحب المدخل إِلَى علم هيئة الأفلاك وحركات النجوم وهو كتاب لطيف الجرم عظيم الفائدة مضمن ثلاثين باباً احتوت عَلَى جوامع كتاب بطليموس بأعذب لفظ وأبين عبارة.

أحمد بن يوسف المنجم رجل مشهور فِي العلم بهذا الشأن فمن تصانيفه. كتاب النسبة والتناسب وَلَهُ فِي أحكام النجوم كتاب شرح الثمرة لبطليموس.

أحمد بن محمد الصاغاني أبو حامد الاصطرلابي كَانَ فاضلاً فِي الهندسة وعلم الهئية يسلم إِلَيْهِ ذَلِكَ فِي وقته وَكَانَ ببغداد يحكم صناعة الاصطرلاب والآلات الرصدية غاية الأحكام وآلاته مذكورة بأيدي أرباب هَذَا الشأن معروفة ف يذلك الزمان وَفِي هَذَا الأوان ونبغ لَهُ تلاميذ ينسبون إِلَيْهِ ويفخرون بلك وَلَهُ زيادة فِي الآلات القديمة فاز بِهَا دون غيره من أهل هَذَا النوع ولما تقدم شرف الدولة بن عضد الدلوة ببغداد برصد الكواكب السبعة واعتمد فِي ذَلِكَ عَلَى ويجن بن رستم الكوهي وبنى بيت الرصد فِي طرف بستان دار المملكة ورصد كتب محضر بن بصورة الرصد وَكَانَ ممن شاهد ذَلِكَ وكتب خطه بتصحيح نزول الشمس فِي برجين أحمد بن محمد الصاغاني هَذَا فِي جملة من كتب من القضاة والشهود عَلَى مَا استوفيناه ذكره فِي ترجمة ويجن وتوفي أبو حامد في ذي القعدة أَوْ فِي ذي الحجة سنة تسع وسبعين وثلاثمائة ببغداد.

أحمد بن عمر الكرابيسي من أفاضل المهندسين وعلماء المهندسين وعلماء أرباب العدد تقدم فِي هَذَا الشأن لَهُ فِيهِ أمكن إمكان صنف فِي ذَلِكَ التصانيف العربية منها. كتاب شرح إقليدس كتاب حساب الدور. كتاب الوصايا. كتاب مساحة الحلقة. كتاب الحساب الهندي.

إسحاق بن حنين بن إسحاق أبو يعقوب بن أبي زيد العبادي النصراني فِي منزلة أبيه فِي الفضل وصحة النقل من اللغة اليونانية والسريانية وَكَانَ فصيحاً يزيد عَلَى أبيه فِي ذَلِكَ وخدم من خدم أبوه من الخلفاء والرؤساء وَكَانَ منقطعاً فِي آخر أيامه إِلَى القاسم بن عبيد الله وخصيصاً بِهِ مقدماً يفشي إِلَيْهِ أسراره وتوفي فِي شهر ربيع الأول من سنة ثمان وتسعين ومائتين وَكَانَ قَدْ لحقه فالج ومات بِهِ وَلَهُ من الكتب سوى مَا نقل من الكتب القديمة. كتاب الأدوية المفردة. كتاب كناش الخف. كتاب تاريخ الأطباء.

أهرن القس فِي صدر الملة وكناشه بالسريانية ونقله ماسرجيس من السريانية إِلَى العربية وهو ثلاثون مقالة وزاد عَلَيْهَا ماسرجيس مقالتين.

أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الحكيم أبو الصلت المغربي وحيد عصره وفريد دهره والمتفرد بفرائد نظمه ونثره ذو يد قوية فِي علم الأوائل وعارضة عريضة فِي أكثر الفضائل تأدب ببلاده وتفلسف وسار فِي الآفاق وطوف ودخل مصر فِي أيام أفضلها فلم ينل منها أفضالاً وقصده للنيل فلم يجد لديه نوالاً فِي شعره يشتكى مصر ونزوله بِهَا.

وكم تمنيت أن ألقى بِهَا أحداًيسلى من الهم أَوْ يعدى عَلَى النوب
فما وجدت سوى قوم إِذَا صدقواكَانَتْ مواعيدهم كآلال فِي الكذب
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وَكَانَ لي سبب قَدْ كنت أحسبنيأحظى بِهِ فإذا دائي من السبب
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فما مقلم أظفاري سوى قلميولا كتائب أعدائي سوى كتبي
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

وَلَهُ فِي الاصطرلاب وهو حسن:

أفضل مَا أستصحب النبيل وَلَمْيعدلْ بِهِ فِي المُقام والسفر
جرم إِذَا مَا التمست قيمتهجل عن التبر وهو من صفر
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
مختصر وهو إِذَا تفتشهعن مُلح العلم غير مختصر
ذو مقلة تستبين مَا رمقتعن صائب اللحظ صادق الأثر
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
تحمله وهو حامل فلكاًلو لَمْ يدر بالبنان لَمْ يَدر
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
مسكنه الأرض وهو منبئناعن جل مَا فِي السماء من خبر
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
أبدعه رب فكرة بعدتْغايتها أن تقاس بالفكر
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فاستوجب الشكر والثناء لَهُمن كل ذي فطنة من البشر
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فهو لذي اللب شاهد عجبعَلَى اختلاف العقول والفطر
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وإن هَذِهِ الجسوم بائنةبقدر مَا أعطيت من الصور

إخوان الصفا وخلان الوفا هؤلاء جماعة اجتمعوا عَلَى تصنيف كتاب فِي أنواع الحكمة الأولى ورتبوه مقالات عدتها إحدى وخمسون مقالة خمسون منها فِي خمسين نوعاً من الحكمة ومقالة حادية وخمسون جامعة لأنواع المقالات عَلَى طريق الاختصار والإيجاز وهي مقالات مشوقات غير مستقصاة ولا ظاهرة الأدلة والاحتجاج وكأننا للتنبيه والإيماء إِلَى المقصود الَّذِي يحصل عَلَيْهِ الطالب لنوع من أنواع الحكمة.

ولما كتم مصنفوها أسماءهم اختلف الناس فِي الَّذِي وضعها فكل قوم قالوا قولاً بطريق الحدس والتخمين فقوم قالوا هي من كلام بعض الأئمة من نسل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه واختلفوا فِي اسم الإمام الواضع لَهَا اختلافاً لا يثبت لَهُ حققة وقال آخرون هي تصنيف بعض متكلمي المعتزلة فِي العصر الأول وَلَمْ أزل شديد البحث والتطلب لذكر مصنفها حَتَّى وقفت عَلَى كلام لأبي

حيان التوحيدي جاء فِي جواب لَهُ عن أمر سأله عن وزير صمصام الدولة بن عضد الدولة فِي حدود سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وصورته قال أبو حيان حاكياً عن الوزير المذكور حدثني عن شيء هو أهم من هَذَا إِلَي وأخطر عَلَى بالي أني لا أزال أسمع من زيد بن رفاعة قولاً يربيني ومذهباً لا عهد لي بِهِ وكناية عما لا أحقه وإشارة إِلَى مَا لا يتوضح شيء منه يذكر الحروف ويذكر النقط ويزعم أن الباء لَمْ تنقط من تحت واحدة إِلاَّ لسبب والتاء لَمْ تنقط من فوق اثنتين إِلاَّ لعلة والألف لَمْ تعجم إِلاَّ لغرض وأشباه هَذَا وأشهد منه فِي غرض ذَلِكَ دعوى يتعاظم بِهَا وينتفخ بذكرها فما حديثه وَمَا شأنه وَمَا دِخلته فقد يلغي يَا أبا حيان أنك تغشاه وتجلس إِلَيْهِ وتكثر عنده ولك معه نوادر معجبة ومن طالت عشرته لإنسان صدقت خبرته وأمكن اطلاعه عَلَى مستكن رأيه وخافي مذهبه فقلت أيها الوزير أنت الَّذِي تعرفه قبلي قديماً وحديثاً بالاختيار والاستخدام وَلَهُ منك الإمرة القديمة والنسبة المعروفة فقال دع هَذَا وصفه لي فقلت هناك ذكاء غالب وذهن وقاد ومتسع فِي قول النظم والنثر مع الكتابة البارعة فِي الحساب والبلاغة وحفظ أيام الناس وسماع المقالات وتبصر فِي الآراء والديانات وتصرف فِي كل فن إما بالشدو والموهم وإما بالتوسط المفهم وإما بالتناهي المفخم قال فعلى هَذَا مَا مذهبه قلت لا ينسب إِلَى شيء ولا يعرف برهط لجيشانه بكل شيء وعليانه بكل باب ولاختلاف مَا يبدو من بستطه ببيانه وسقوطه بلسانه وَقَدْ أقام بالبصرة زماناً طويلاً وصادف بِهَا جماعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة منهم أبو سليمان محمد بن معشر البيستي ويعرف بالمقدسي وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني وأبو أحمد المهرجاني والعوفي وغيرهم فصحبهم وخدمهم وَكَانَتْ هَذِهِ العصابة قَدْ تألفت بالعشرة وتصافت بالصداقة واجتمعت عَلَى القدس والطهارة والنصيحة فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قربوا بِهِ الطريق إِلَى الفرز برضوان الله وذلك أنهم قالوا أن الشريعة قَدْ دنست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إِلَى غسلها وتطهيرها إِلاَّ بالفلسفة لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال

وصنفوا خمسين رسالة فِي جميع أجزاء الفلسفة علميها وعمليها وأفردوا لَهَا فهرساً وسموه رسائل إخوان الصفا وكتموا فِيهِ أسماءهم وبنوها ي الوراقين ووهبوها للناس وحشوا هَذِهِ الرسائل بالكلمات الدينية والأمثال الشرعية والحروف المحتملة والطرق المموهة قال الوزير فهل رأيت جملة منها وهي مبثوثة من كل فن بلا إشباع ولا كفاية وفيها خرافات وكنايات وتلفيقات وتلزيقات وحملت عدة منها إِلَى شيخنا أبي سليمان المنطقي السجستاني محمد بن بهرام وعرضتها عَلَيْهِ فنظر فِيهَا أياماً وتبحرها طويلاً ثُمَّ ردها عليّ وقال تعبوا وَمَا أغنوا ونصبوا وَمَا أجدوا وحاموا وَمَا ردوا وغنوا فما أطربوا ونسجوا فهلهلوا ومشطوا ففلفلفوا ظنوا مَا لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع ظنوا أنه يمكنهم أنهم يدسوا الفلسفة الَّتِي هي علم النجوم والأفلاك والمقادير والمجسطي وآثار الطبيعة والموسيقى الَّذِي هو معرفة النغم والإيقاعات والنقرات والأوزان والمنطق الَّذِي هو اعتبار الأقوال بالإضافات والكميات والكيفيات فِي الشريعة وأن يربطوا الشريعة فِي الفلسفة وهذا مرام دونه حدد وَقَدْ تورك عَلَى هَذَا قبل هؤلاء قوم كانوا أحد أنياباً وأحضر أسباباً وأعظم أقداراً وأرفع أخطاراً وأوسع قوي وأوثق عرى فلم يتم لهم مَا أرادوه ولا بلغوا منه مَا أملوه وحصلوا عَلَى لوثات قبيحة ولطخات واضحة موحشة وعواقب مخزية فقال لَهُ البخاري ابن العباس ولم ذَلِكَ أَيُّها الشيخ فقال إِن الشريعة مأخوذة عن الله ﷿ بوساطة السفير بينه وبين الخلق من طريق

الوحي وباب المناجاة وشهادة الآيات وظهور المعجزات وَفِي أثنائها مَا لا سبيل إِلَى البحث عنه والغوص فِيهِ ولا بد من التسليم المدعو إِلَيْهِ والمنبه عَلَيْهِ وهناك يسقط لِم ويبطل كَيْفَ ويزول هلا ويذهب لو لويت فِي الريح لأن هَذِهِ المواد عنها محسوسة وجملتها مشتملة عَلَى الخير وتفصيلها موصول عَلَى حسن التقبل وهي متداولة بَيْنَ متعلق بظاهر مكشوف وصحيح بتأويل معروف وناصر باللغة الشائعة وحام بالجدل المبين وذاب بالعمل الصالح وضارب للمثل السائر وراجع إِلَى البرهان الواضح متفقة فِي الحلال والحرام ومستند إِلَى الأثر والخبر المشهورين بَيْنَ أهل الملة وراجع إِلَى

اتفاق الأمة لَيْسَ فِيهَا حديث المنجم فِي تأثيرات الكواكب وحركات الأفلاك ولا حديث صاحب الطبيعة الناظر فِي آثارها وَمَا يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وَمَا الفاعل وَمَا المنفعل منها وكيف تمازجها وتنافرها ولا فِيهَا حديث المهندس الباحث عن مقادير الأشياء ولوازمها ولا حديث المنطقي الباحث عن مراتب الأقوال ومناسب الأسماء والحروف والأفعال قال فعلى هَذَا كَيْفَ يسوغ لإخوان الصفا أن ينصبوا من تلقاء أنفسهم دعوة تجمع حقائق الفلسفة فِي طريق الشريعة عَلَى أن وراء هَذِهِ الطوائف جماعة أيضاً لهم مأخذ من هَذِهِ الأغراض كصاحب العزيمة وصاحب الكيمياء وصاحب الطلسم وعابر الرؤيا ومدعى السحر ومستعمل الوهم فقال ولو كَانَتْ هَذِهِ جائرة لكان الله تعالى ينبه عَلَيْهَا وَكَانَ صاحب الشريعة يقوم شريعته بِهَا ويكملها باستعمالها ويتلافي نقصها بهذه الزيادة الَّتِي تجدها فِي غيرها أَوْ يحض المتفلسفين عَلَى إيضاحها بِهَا ويتقدم إليهم بإتمامها ويفرض عليهم القيام بكل مَا يذب عنها حسب طاقتهم فِيهَا وَلَمْ يفعل ذَلِكَ بنفسه ولا وكله إِلَى غيره من خلفائه والقائمين بدينه بل نهي عن الخوض فِي هَذِهِ الأشياء وكره إِلَى الناس ذكرها وتوعدهم عَلَيْهَا وقال من أتى عرافاً أَوْ كاهناً أَوْ منجماً يطلب غيب الله منه فقد حارب الله ومن حارب الله حُرِب ومن غالبه غلبْ وحتى قال لو أن الله حبس عن ذَلِكَ الناس القطر سبع سنين ثُمَّ أرسله لأصبحت طائفة كافرين يقولون مطرنا بتؤ المجدح وهذا كما ترى - والمجدح - الدبران ثُمَّ قال ولقد اختلفت الأمة ضروباً من الاختلاف فِي الأصول والفروع وتنازعوا فِيهَا فنوناً من التنازع فِي الواضح والمشكل من الأحكام والحلال والحرام والتفسير والتأويل والعيان والخبر والعادة والاصطلاح فما فزعوا فِي من شيء ذَلِكَ إِلَى منجم ولا طبيب ولا منطقي ولا هندسي ولا موسيقي ولا صاحب عزيمة وشعبذة وسحر وكيمبياء لأن الله تعالى تمم الدين بنبيه ﷺ وَلَمْ يحوجه بعد البيان الوارد بالوحي إِلَى بيان موضوع بالرأي وقال وكما لَمْ نجد هَذِهِ الأمة تفزع إِلَى أصحاب الفلسفة فِي شيء من أمورها فكذلك مَا وجدنا أمة موسى ﷺ وهي اليهود تفزع إِلَى الفلاسفة فِي شيء من دينها وكذلك أمة عيسى ﷺ وهي النصارى وكذلك المجوس

قال ومما يزيدك وضوحاً أن الأمة اختلفت فِي آرائها ومذاهبها ومقالاتها أصنافاً فِيهَا وفرقاً كالمعتزلة والمرجئة والشيعة والسنية والخوارج فما فوعت طائفة من هَذِهِ الطوائف إِلَى الفلاسفة ولا حققت مقالتها بشواهدهم وشهادتهم وكذلك الفقهاء الذين اختلفوا فِي الأحكام من الحلال والحرام منذ أيام السفر الأول إِلَى يومنا هَذَا لَمْ تجدهم تظاهروا بالفلاسفة واستنصروهم وقال وأين الآن الدين من الفلسفة وأين الشيء المأخوذ بالوحي النازل من الشيء المأخوذ بالرأي الزائل فإن أدلوا بالعقل فالعقل من هبة الله ﷿ لكل عبد ولكن بقدر مَا يدرك بِهِ مَا يعلوه كما لا يخفى عَلَيْهِ مَا يتلوه وَلَيْسَ كذلك الوحي فإنه عَلَى ثورة المنتشر وبيانه المتيسر قال ولو كَانَ العقل يكتفي بِهِ لَمْ يكن للوحي فائدة ولا غناء عَلَى أن منازل الناس متفاوتة فِي العقل وأنصباؤهم مختلفة فِيهِ فلو كنا نستغني عن الوحي بالعقل كيْفَ كنا نصنع وَلَيْسَ العقل بأسره لواحد منا فإنما هو لجميع الناس فإن قال قائل بالعنت والجهل كل عاقل موكول إِلَى قدر عقله وَلَيْسَ عَلَيْهِ أن يستفيد الزيادة من غيره لأمه مكفيّ يه وغير مطالب بما زاد عَلَيْهِ قيل لَهُ كفاك

عاراً فِي هَذَا الرأي أنه لَيْسَ لَكَ فِيهِ موافق ولا عَلَيْهِ مطابق فلو استقل إنسان واحد بعقله فِي جميع حالاته فِي دينه ودنياه لاستقل أيضاً بقوته فِي جميع حاجاته فِي دينه ودنياه ولكان وحده يفي بجميع الصناعات والمعارف والمعارف وَكَانَ لا يحتاج إِلَى أحد من نوعه وجلسه وهذا قول مرذول ورأي مخذول قال البخاري قَدْ اختلفت أيضاً درجات النبوة بالوحي وإذا ساغ هَذَا بالاختلاف بالوحي وَلَمْ يكن ذَلِكَ تالماً لَهُ ساغ أيضاً فِي العقل فقال يَا هَذَا اختلاف درجات أصحاب الوحي لَمْ يخرجهم عن الثقة والطمأنينة بمن اصطفاهم بالوحي وخصهم بالمناجاة واجتباهم للرسالة وهذه الثقة والطمأنينة مفقودتان فِي الناظرين بالعقول المختلفة لأنهم عَلَى بعد من الثقة والطمأنينة إِلاَّ فِي الشيء القليل وعوار هَذَا الكلام ظاهر وخطل هَذَا المتكلم بَيْنَ قال الوزير فما سمع شيئاً من هَذَا المقدسي قلت بلى قَدْ ألقيت إِلَيْهِ هَذَا وَمَا أشبهه بالزيادة والنقصان وبالتقديم والتأخير فِي أوقات كثيرة بحضرة الوراقين بباب الطاق فسكت وَمَا رآني أهلاً للجواب لكن الحريري غلام بن طرارة هيجه يوماً فِي الوراقين بمثل هَذَا الكلام فاندفع فقال الشريعة طب المرضى والفلسفة طب الأصحاء والأنبياء يطبون المرضى حَتَّى لا يتزايد مرضهم وحتى يزول المرض بالعافية فقط وأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة عَلَى أصحابها حَتَّى لا يعتريهم مرض أصلاً وبين مدبر المريض وبين مدبر الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف لأن غاية تدبير المرض أن ينتقل بِهِ إِلَى الصحة هَذَا إذَا كَانَ الدواء ناجعاً والطبع قابلاً والطبيب ناصحاً وغاية تدبير الصحيح أن يحفظ الصحة فقد أفاده كسب الفضائل وفرغه لَهَا وعرضه لاقتنائها وصاحب هَذِهِ الحال فائز بالسعادة العظمى وَقَدْ صار مستحقاً للحياة الإلهية والحياة الإلهية هي الخلود والديمومة وأن كسب من يبرأ من المرض بطب صاحب الفضائل أيضاً فليست تِلْكَ الفضائل من جلس هَذِهِ الفضائل لأن إحداهما تقليدية والأخرى برهانية وهذه مظنونة وهذه مستيقنة وهذه روحانية وهذه جسمية وهذه دهرية وهذه زمانية. اً فِي هَذَا الرأي أنه لَيْسَ لَكَ فِيهِ موافق ولا عَلَيْهِ مطابق فلو استقل إنسان واحد بعقله فِي جميع حالاته فِي دينه ودنياه لاستقل أيضاً بقوته فِي جميع حاجاته فِي دينه ودنياه ولكان وحده يفي بجميع الصناعات والمعارف والمعارف وَكَانَ لا يحتاج إِلَى أحد من نوعه وجلسه وهذا قول مرذول ورأي مخذول قال البخاري قَدْ اختلفت أيضاً درجات النبوة بالوحي وإذا ساغ هَذَا بالاختلاف بالوحي وَلَمْ يكن ذَلِكَ تالماً لَهُ ساغ أيضاً فِي العقل فقال يَا هَذَا اختلاف درجات أصحاب الوحي لَمْ يخرجهم عن الثقة والطمأنينة بمن اصطفاهم بالوحي وخصهم بالمناجاة واجتباهم للرسالة وهذه الثقة والطمأنينة مفقودتان فِي الناظرين بالعقول المختلفة لأنهم عَلَى بعد من الثقة والطمأنينة إِلاَّ فِي الشيء القليل وعوار هَذَا الكلام ظاهر وخطل هَذَا المتكلم بَيْنَ قال الوزير فما سمع شيئاً من هَذَا المقدسي قلت بلى قَدْ ألقيت إِلَيْهِ هَذَا وَمَا أشبهه بالزيادة والنقصان وبالتقديم والتأخير فِي أوقات كثيرة بحضرة الوراقين بباب الطاق فسكت وَمَا رآني أهلاً للجواب لكن الحريري غلام بن طرارة هيجه يوماً فِي الوراقين بمثل هَذَا الكلام

فاندفع فقال الشريعة طب المرضى والفلسفة طب الأصحاء والأنبياء يطبون المرضى حَتَّى لا يتزايد مرضهم وحتى يزول المرض بالعافية فقط وأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة عَلَى أصحابها حَتَّى لا يعتريهم مرض أصلاً وبين مدبر المريض وبين مدبر الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف لأن غاية تدبير المرض أن ينتقل بِهِ إِلَى الصحة هَذَا إذَا كَانَ الدواء ناجعاً والطبع قابلاً والطبيب ناصحاً وغاية تدبير الصحيح أن يحفظ الصحة فقد أفاده كسب الفضائل وفرغه لَهَا وعرضه لاقتنائها وصاحب هَذِهِ الحال فائز بالسعادة العظمى وَقَدْ صار مستحقاً للحياة الإلهية والحياة الإلهية هي الخلود والديمومة وأن كسب من يبرأ من المرض بطب صاحب الفضائل أيضاً فليست تِلْكَ الفضائل من جلس هَذِهِ الفضائل لأن إحداهما تقليدية والأخرى برهانية وهذه مظنونة وهذه مستيقنة وهذه روحانية وهذه جسمية وهذه دهرية وهذه زمانية.

قال المؤلف ثُمَّ أن أبا حيان ذكر تمام المناظرة بينهما فأطال فتركه إذ لَيْسَ ذَلِكَ من شرط هَذَا التأليف والله الموفق.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة فِي أسماء الحكماء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.