من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
ابْن الشبل الْبَغْدَادِيّ
ماذا روى «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» عن ابن الشبل البغدادي؟
هُوَ أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن عبد الله بن يُوسُف بن شبْل مولده ومنشؤه بِبَغْدَاد وَكَانَ حكيما فيلسوفا ومتكلما فَاضلا وأديبا بارعا وشاعرا مجيدا وَكَانَت وَفَاته بِبَغْدَاد سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة
وَمن شعر قَالَه فِي الْحِكْمَة وَهَذِه القصيدة من جيد شعره وَهِي تدل على قُوَّة اطلَاع فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة والأسرار الإلهية وَبَعض النَّاس ينسبها إِلَى ابْن سينا وَلَيْسَت لَهُ وَهِي هَذِه
بِرَبِّك أَيهَا الْفلك الْمدَاراقصد ذَا المير أم اضطرار
مدارك قل لنا فِي أَي شَيْءفَفِي أفهامنا مِنْك ابتهار
وفيك نرى الفضاء وَهل فضاءسوى هَذَا الفضاء بِهِ تدار
وعندك ترفع الْأَرْوَاح أم هَلمَعَ الأجساد يُدْرِكهَا الْبَوَار
وموج ذَا المجرة أم فرندعلى لجج الدروع لَهُ أوار
وفيك الشَّمْس رَافِعَة شعاعابأجنحة قوادمها قصار
وطوق فِي النُّجُوم من اللَّيَالِيهلالك أم يَد فِيهَا سوار
وشهب ذَا الخواطف أم ذبالعَلَيْهَا المرخ يقْدَح والعفار
وترصيع نجومك أم حبابتؤلف بَينه اللجج الغزار
تمد رقومها لَيْلًا وتطوينَهَارا مثل مَا طوى الأزار
فكم بصقالها صدي البراياوَمَا يصدى لَهَا أبدا غرار
تباري ثمَّ تخنس راجعاتوتكنس مثل ماكنس الصوار
فَبينا الشرق يقدمهَا صعُودًاتلقاها من الغرب انحدار
على ذَا مَا مضى وَعَلِيهِ يمْضِيطوال منى وآجال قصار
وَأَيَّام تعرفنا مداهالَهَا أنفاسنا أبدا شفار
ودهر ينثر الْأَعْمَار نثراكَمَا للغصن بالورد انتثار
وَدُنْيا كلما وضعت جَنِيناغذاه من نوائبها ظؤار
هِيَ العشواء مَا خبطت هشيمهِيَ العجماء مَا جرحت جَبَّار
فَمن يَوْم بِلَا أمس ليَوْمبِغَيْر غَد إِلَيْهِ بِنَا يسَار
وَمن نفسين فِي أَخذ وردلروع الْمَرْء فِي الْجِسْم انتشار
وَكم من بعد مَا ألفت نفوسحسوما عَن مجاثمها تطار
ألم تَكُ بالجوارح آنساتفكم بِالْقربِ عَاد لَهَا نفار
فَإِن يَك آدم أَشْقَى بنيهبذنب مَاله مِنْهُ اعتذار
وَلم يَنْفَعهُ بالأسماء علموَمَا نفع السُّجُود وَلَا الْجوَار
فَاخْرُج ثمَّ أهبط ثمَّ أوديفترب السافيات لَهُ شعار
فأدركه بِعلم الله فِيهِمن الْكَلِمَات للذنب اغتفار
وَلَكِن بعد غفران وعفويعير مَا تَلا لَيْلًا نَهَار
لقد بلغ الْعَدو بِنَا مناهوَحل بِآدَم وبنا الصغار
وتهنا ضَائِعين كقوم مُوسَىوَلَا عجل أضلّ وَلَا خوار
فيا لَك أَكلَة مَا زَالَ مِنْهَاعلينا نقمة وَعَلِيهِ عَار
تعاقب فِي الظُّهُور وَمَا ولدنَاويذبح فِي حَشا ألام الحوار
وننتظر الرزايا والبلاياوَبعد فبالوعيد لنا انْتِظَار
وَنخرج كارهين كَمَا دَخَلنَاخُرُوج الضَّب أحوجه الوجار
فَمَاذَا الامتنان على وجودلغير الموجدين بِهِ الْخِيَار
وَكَانَت أنعما لَو أَن كونانخير قبله أَو نستشار
أَهَذا الدَّاء لَيْسَ لَهُ دَوَاءوَهَذَا الْكسر لَيْسَ لَهُ انجبار
تحير فِيهِ كل دَقِيق فهموَلَيْسَ لعمق جرحهم انسبار
إِذا التكوير غال الشَّمْس عَنَّاوغال كواكب اللَّيْل انتثار
وبدلنا بهذي الأَرْض أَرضًاوطوح بالسموات انفطار
وأذهلت المراضع عَن بنيهالحيرتها وعطلت العشار
(وغشى الْبَدْر من فرق وذعر خُسُوف للتوعد لَا سرار)
وسيرت الْجبَال فَكُن كثبامهيلات وسجرت الْبحار
فَأَيْنَ ثبات ذِي الْأَلْبَاب مناوَأَيْنَ مَعَ الرجوم لنا اصطبار
وَأَيْنَ عقول ذِي الأفهام مِمَّايُرَاد بِنَا وَأَيْنَ الِاعْتِبَار
وَأَيْنَ يغيب لب كَانَ فِينَاضياؤك من سناه مستعار
وَمَا أَرض عصته وَلَا سَمَاءفَفِيمَ يغول أنجمها انكدار
وَقد وافته طَائِعَة وَكَانَتدخانا مَا لفاتره شرار
قَضَاهَا سَبْعَة وَالْأَرْض مهدادحاها فَهِيَ للأموات دَار
فَمَا لسمو مَا أعلا انْتِهَاءوَلَا لسمو مَا أرسى قَرَار
وَلَكِن كل ذَا التهويل فِيهِلذِي الْأَلْبَاب وعظ وازدجار) الوافر
وَقَالَ يرثي أَخَاهُ أَحْمد
غَايَة الْحزن وَالسُّرُور انْقِضَاءمَا لحى من بعد ميت بَقَاء
لَا لبيد باربد مَاتَ حزناوسلت عَن شقيقها الخنساء
مثل مَا فِي التُّرَاب يبْلى الْفَتىفالحزن يبْلى من بعده والبكاء
غير أَن الْأَمْوَات زَالُوا وأبقواغصصا لَا يسيغه الْأَحْيَاء
إِنَّمَا نَحن بَين ظفر ونابمن خطوب أسودهن ضراء
نتمنى وَفِي المنى قصر الْعُمرفنغدو بِمَا نسر نسَاء
صِحَة الْمَرْء للسقام طَرِيقوَطَرِيق الفناء هَذَا الْبَقَاء
بِالَّذِي نغتذي نموت ونحياأقتل الدَّاء للنفوس الدَّوَاء
مَا لَقينَا من غدر دنيا فَلَا كَانَتوَلَا كَانَ أَخذهَا وَالعطَاء
رَاجع جودها عَلَيْهَا فمهمايهب الصُّبْح يسْتَردّ الْمسَاء
لَيْت شعري حلما تمر بِنَا الْأَيَّامأم لَيْسَ تعقل الْأَشْيَاء
من فَسَاد يجنيه للْعَالم الْكَوْنفَمَا للنفوس مِنْهُ اتقاء
قبح الله لَذَّة لأذانانالها الْأُمَّهَات والآباء
نَحن لَوْلَا الْوُجُود لم نألم الْفَقْدفإيجادنا علينا بلَاء
وقليلا مَا تصْحَب المهجة الْجِسْمفَفِيمَ الأسى وفيم العناء
وَلَقَد أيد الْإِلَه عقولاحجَّة الْعود عِنْدهَا الأبداء
غير دَعْوَى قوم على الْمَيِّت شَيْئاأنكرته الْجُلُود والأعضاء
وَإِذا كَانَ فِي العيان خلافكَيفَ بِالْغَيْبِ يستبين الخفاء
مَا دهانا من يَوْم أَحْمد إِلَّاظلمات وَلَا استبان ضِيَاء
يَا أخي عَاد بعْدك المَاء سماوسموما ذَاك النسيم الرخَاء
والدموع الغزار عَادَتْ من الأنفاسنَارا تثيرها الصعداء
وَأعد الْحَيَاة عذرا وَإِن كَانَتحَيَاة يرضى بهَا الْأَعْدَاء
أَيْن تِلْكَ الْخلال والخرم أَيْن الْعَزْمأَيْن السناء أَيْن الْبَهَاء
كَيفَ أودى النَّعيم من ذَلِك الظلوشيكا وَزَالَ ذَاك الْغناء
أَيْن مَا كنت تنتضي من لِسَانفِي مقَام للمواضي انتضاء
كَيفَ أَرْجُو شِفَاء مَا بِي وَمَا بِيدون سكناي فِي ثراك شِفَاء
أَيْن ذَاك الرواء والمنطق المونقأَيْن الْحيَاء أَيْن الأباء
أَن محا حسنك التُّرَاب فَمَا للدمعيَوْمًا من صحن خدي انمحاء
أَو تبن لم يبن قديم ودادأَو تمت لم يمت عَلَيْك الثَّنَاء
شطر نَفسِي دفنت والشطر بَاقٍيتَمَنَّى وَمن مناه الفناء
إِن تكن قَدمته أبدي المنايافَإلَى السَّابِقين تمْضِي البطاء
يدْرك الْمَوْت كل حَيّ وَلَوأخفته عَنهُ فِي برجها الجوزاء
لَيْت شعري وللبلى كل ذِيالْخلق بِمَاذَا تميز الْأَنْبِيَاء
موت ذَا الْعَالم الْمفضل بالنطقوَذَا السارح البهيم سَوَاء
لَا غوي لفقده تَبَسم الأَرْضوَلَا للتقي تبْكي السَّمَاء
كم مصابيح أوجه أطفأتهاتَحت أطباق رمسها الْبَيْدَاء
كم بدور وَكم شموس وَكم أطواد حلمأَمْسَى عَلَيْهَا العفاء
كم محا غرَّة الْكَوَاكِب صبحثمَّ حطت ضياءها الظلماء
إِنَّمَا النَّاس قادم أثر مَاضبَدْء قوم للآخرين انْتِهَاء) الْخَفِيف
وَقَالَ أَيْضا
وكأنما الْإِنْسَان فِيهِ غَيرهمتكونا وَالْحسن فِيهِ معار
متصرفا وَله الْقَضَاء مصرفومكلفا وَكَأَنَّهُ مُخْتَار
طورا تصوبه الحظوظ وَتارَةخطأ تحيل صَوَابه الأقدار
تعمى بصيرته ويبصر بَعْدَمَالَا يسْتَردّ الْفَائِت استبصار
فتراه يُؤْخَذ قلبه من صَدرهوَيرد فِيهِ وَقد جرى الْمِقْدَار
فيظل يضْرب بالملامة نَفسهندما إِذا لعبت بِهِ الأفكار
لَا يعرف الإفراط فِي إِيرَادهحَتَّى يُبينهُ لَهُ الإصدار) الوافر
وَقَالَ من أَبْيَات
إِذا أخنى الزَّمَان على كريمأعَار صديقه قلب الْعَدو) الوافر
وَقَالَ أَيْضا
تلق بِالصبرِ ضيف الْهم ترحلهإِن الهموم ضيوف أكلهَا المهج
فالخطب مَا زَاد إِلَّا وَهُوَ منتقصوَالْأَمر مَا ضَاقَ إِلَّا وَهُوَ منفرج
فَروح النَّفس بِالتَّعْلِيلِ ترض بِهِعَسى إِلَى سَاعَة من سَاعَة فرج) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
تسل عَن كل شَيْء بِالْحَيَاةِ فقديهون بعد بَقَاء الْجَوْهَر الْعرض
يعوض الله مَالا أَنْت متلفهوَمَا عَن النَّفس أَن أتلفتها عوض) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
وعَلى قدر عقله فاعتب الْمَرْءوحاذر برا يصير عقوقا
كم صديق بالعتب صَار عدواوعدو بالحلم صَار صديقا) الْخَفِيف
وَقَالَ أَيْضا
ليكفيكم مَا فِيكُم من جوى نلقىفمهلا بِنَا مهلا ورفقا بِنَا رفقا
وَحُرْمَة ودي لَا سلوت هواكموَلَا رمت مِنْهُ لَا فكاكا وَلَا عتقا
سأزجر قلبا رام فِي الْحبّ سلوةوأهجره إِن لم يمت بكم عشقا
عذبت الْهوى يَا صَاح حَتَّى ألفتهفأضناه لي أشفى وأفناه لي أبقى
فَلَا الصَّبْر مَوْجُود وَلَا الشوق بارحوَلَا أدمعي تطفي اللهيب وَلَا ترقا
أَخَاف إِذا مَا اللَّيْل مد سدولهعلى كَبِدِي حرقا وَمن مقلتي غرقا
أيجمل أَن أجزى عَن الْوَصْل بالجفاوينعم طرفِي والفؤاد بكم يشقى
أحظي هَذَا أم كَذَا كل عاشقيضام فَلَا يُعْفَى ويظمى فَلَا يسقى
سل الدَّهْر عل الدَّهْر يجمع بَيْننَافَلم أر مخلوقا على حَالَة يبْقى) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا
إِن تكن تجزع من دمعيإِذا فاض فصنه
أَو تكن أَبْصرت يَوْمًاسيدا يعْفُو فكنه
أَنا لَا أَصْبِر عَمَّنلَا يحل الصَّبْر عَنهُ
كل ذَنْب فِي الْهوى يغْفرلي مَا لم أخنه) الرمل
وَقَالَ أَيْضا
ثقلت زجاجات أتتنا فرغاحَتَّى إِذا ملئت بِصَرْف الراح
خفت فَكَادَتْ أَن تطير بِمَا حوتوَكَذَا الجسوم تخف بالأرواح) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
قَالُوا القناعة عز والكفاف غنىوالذل والعار حرص النَّفس والطمع
صَدقْتُمْ من رِضَاهُ سد جوعتهإِن لم يصبهُ بِمَاذَا عَنهُ يقتنع) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
احفظ لسَانك لَا تبح بِثَلَاثَةسر وَمَال مَا اسْتَطَعْت وَمذهب
فعلى الثَّلَاثَة تبتلى بِثَلَاثَةبمكفر وبحاسد ومكذب) الْكَامِل
وَفِي هَذَا الْمَعْنى قد قَالَ بَعضهم نثرا وَفِيه جناس الرجل يخفي ذهبه ومذهبه وذهابه
وَقَالَ أَيْضا
قَالُوا وَقد مَاتَ مَحْبُوب فجعت بِهِوبالصبا وَأَرَادُوا عَنهُ سلواني
ثَانِيه فِي الْحسن مَوْجُود فَقلت لَهُممن أَيْن لي فِي الْهوى الثَّانِي صبا ثَانِي) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
وَفِي الْيَأْس إِحْدَى الراحتين لذِي الْهوىعلى أَن إِحْدَى الراحتين عَذَاب
أعف وَبِي وجد وأسلو وَبِي جوىوَلَو ذاب مني أعظم وأهاب
وآنف أَن تعتاق همي خريدةبلحظ وَأَن يروي صداي رضاب
فَلَا تنكري عز الْكَرِيم على الْأَذَىفحين تجوع الضاربات تهاب) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا
بِنَا إِلَى الدَّيْر من درتا صباباتفَلَا تلمني فَمَا تغني الملامات
لَا تبعدن وَإِن طَال الزَّمَان بِهِأَيَّام لَهو عهدناه وليلات
فكم قضيت لبانات الشَّبَاب بهَاغنما وَكم بقيت عِنْدِي لبانات
مَا أمكنت دولة الأفراح مقبلةفأنعم ولذ فَإِن الْعَيْش تارات
قبل ارتجاع اللَّيَالِي وَهِي عَارِيةوَإِنَّمَا لَذَّة الدُّنْيَا أعارات
قُم فأجل فِي فلك الظلماء شمس ضحىبروجها الدَّهْر طاسات وجامات
لَعَلَّه إِن دَعَا دَاعِي الْحمام بِنَانقضي وأنفسنا منا رويات
بِمَ التعلل لَوْلَا ذَاك من زمنأحياؤه باعتياد الْهم أموات
دارت تحيي فقابلنا تحيتهاوَفِي حشاها لفزع المزج روعات
عذراء أخْفى لنا بدور صورتهَالم يبْق من روحها إِلَّا حشاشات
مدت سرادق برق من أبارقهاعلى مقابلها مِنْهَا بلالات
فلاح فِي أَذْرع السَّاقَيْن أسورةتبرا وَفَوق نحور الشّرْب جامات
قد وَقع الدَّهْر سطرا فِي صَحِيفَتهلَا فَارَقت شَارِب الْخمر المسرات
خُذ مَا تعجل واترك مَا وعدت بِهِفعل اللبيب فللتأخيرآفات
وللسعادة أَوْقَات ميسرَةتُعْطِي السرُور وللأحزان أَوْقَات) الْبَسِيط
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع