تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)

ابْن الصّلاح

هُوَ الشَّيْخ الْعَالم نجم الدّين أَبُو الْفتُوح أَحْمد بن مُحَمَّد بن السّري وَكَانَ يعرف بِابْن الصّلاح فَاضل فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة جيد الْمعرفَة بهَا مطلع على دقائقها وأسرارها فصيح اللِّسَان قوي الْعبارَة مليح التصنيف

متميز فِي علم صناعَة الطِّبّ وَكَانَ أعجميا أَصله من هَمدَان وقطن بِبَغْدَاد واستدعاه حسام الدّين تمرتاش بن الْغَازِي بن أرتق إِلَيْهِ وأكرمه غَايَة الْإِكْرَام وَبَقِي فِي صحبته مُدَّة

ثمَّ توجه ابْن الصّلاح إِلَى دمشق

وَلم يزل بهَا إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته ﵀ بِدِمَشْق لَيْلَة الْأَحَد سنة نَيف وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَدفن فِي مَقَابِر الصُّوفِيَّة عِنْد نهر بانياس بِظَاهِر دمشق

ونقلت من خطّ الشَّيْخ الْحَكِيم أَمِين الدّين أبي زَكَرِيَّا يحيى بن إِسْمَاعِيل البياسي ﵀ قَالَ كَانَ قد ورد إِلَى دمشق الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الفيلسوف أَبُو الْفتُوح بن الصّلاح من بَغْدَاد وَنزل عِنْد الشَّيْخ الْحَكِيم أبي الْفضل إِسْمَاعِيل ابْن أَبُو الْوَقار الطَّبِيب

وَأَرَادَ ابْن الصّلاح أَن يسْتَعْمل لَهُ تمشكا بغداديا وَسَأَلَ عَن صانع مجيد لعمل ذَلِك فَدلَّ على رجل يُقَال لَهُ سَعْدَان الإسكاف

فَاسْتعْمل التمشك عِنْده وَلما فرغ مِنْهُ بعد مُدَّة وجده ضيق الصَّدْر زَائِد الطول رَدِيء الصَّنْعَة فَبَقيَ فِي أَكثر أوقاته يعِيبهُ ويستقبح صَنعته وَيَلُوم الَّذِي اسْتَعْملهُ

وَبلغ ذَلِك الشَّيْخ أَبَا الحكم المغربي الطَّبِيب فَقَالَ على لِسَان الفيلسوف هَذِه القصيدة على سَبِيل المجون وَذكر فِيهَا أَشْيَاء كَثِيرَة من اصْطِلَاحَات الْمنطق والألفاظ الْحكمِيَّة والهندسية وَهِي

مصابي مصاب تاه فِي وَصفه عَقْلِيوأمري عَجِيب شَرحه يَا أَبَا الْفضل
أبثك مَا بِي من أسى وصبابةوَمَا قد لقِيت فِي دمشق من الذل
قدمت إِلَيْهَا جَاهِلا بأمورهاعلى إِنَّنِي حوشيت فِي الْعلم من جهل
وَقد كَانَ فِي رجْلي تمشك فخاننيعَلَيْهِ زمَان لَيْسَ يحمد فِي فعل
فَقلت عَسى أَن يخلف الدَّهْر مثلهوهيهات أَن أَلْقَاهُ فِي الْحزن والسهل
ولاحقني نذل دهيت بِقُرْبِهِفَللَّه مَا قاسيت من ذَلِك النذل
فَقلت لَهُ يَا سعد جد لي بحاجةتخور بهَا شكر امْرِئ عَالم مثلي
بحقي عَسى تستنخب الْيَوْم قِطْعَةمن الْأدم المدبوغ بالعفص والخل
فَقَالَ على رَأْسِي وحقك وَاجِبعلى كل إِنْسَان يرى مَذْهَب الْعقل
فناولته فِي الْحَال عشْرين درهماوسوفني شَهْرَيْن بِالدفع والمطل
فَلَمَّا قضى الرَّحْمَن لي بنجازهوَقلت ترى سعد أَن انجز لي شغلي
أَتَى بتمشك ضيق الصَّدْر أحنفبكعب غَدا حتفا على الكعب وَالرجل
وبشتيكه بشتيك سوء مقاربأضيف إِلَى نعل شَيْبه بِهِ فسل
بشكل على الأذهان يعسر حلّهويعيي ذَوي الْأَلْبَاب وَالْعقد والحل
وَكَعب إِلَى القطب الشمالي ماثلوَوجه إِلَى القطب الجنوبي مستعلي
وَمَا كَانَ فِي هندامه لي صِحَةوَلَكِن فَسَاد شاع فِي الْفَرْع وَالْأَصْل
موازاة خطى جانبيه تخالفافجزء إِلَى علو وجزء إِلَى سفل
وَكم فِيهِ من عيب وخرز مفتقيعاف وَمن قطع من الزيج والنعل
بوصل ضَرُورِيّ وَقد كَانَ مُمكنالعمرك أَن يَأْتِي التمشك بِلَا وصل
وَفِيه اختلال من قِيَاس مركبفَلَا ينْتج الشرطي مِنْهُ وَلَا الحملي
فَلَا شكله القطاع مِمَّا يَلِيق أَنأصون بِهِ رجْلي فَلَا كَانَ من شكل
وَلَا جنس أيساغوجه بَين وَلَايحد لَهُ نوع إِذا جِيءَ بِالْفَصْلِ
فَسَاد طرافى شكله عِنْد كَونهفَقل أَي شَيْء عَن مقابحه يسلي
وَقد كَانَ فِيهِ قُوَّة لمرادنافأعوزنا مِنْهُ الْخُرُوج إِلَى الْفِعْل
فَلَو كَانَ معدول الْكَمَال احتملتهوَلَكِن سليب الْحس فِي الْجُزْء وَالْكل
فيا لَك فِي إِيجَاب مَا الصدْق سلبهوَعدل قضايا جَاءَ من غير ذِي عدل
وَمَا عازني فِيهِ اختلال مقولهفجوهره والكم والكيف فِي خبل
وَأي القضايا لم يبن فِيهِ كذبهَاوَأي قِيَاس لَيْسَ فِيهِ بمعتل
لقد أعوز الْبُرْهَان مِنْهُ شَرَائِطفإيجابه ثمَّ الضَّرُورِيّ والكلي
إِذا حط فِي شمس فمخروط باشهلملتفت يُبْدِي انحرافا إِلَى الظل
وطبطب فِي رجْلي والصيف مَا انْقَضىفَكيف بِهِ أَن صرت فِي الطين والوحل
فأذهلني حَتَّى بقيت مغيباوَلم يبْق لي سَعْدَان يَا صَاح من عقل
وَفِي كل ذَا قد بَان نقف دماغهفأهون بشخص نَاقص الْعقل مختل
وأخرب بَيت مِنْهُ فِي الْخلق مَا ترىسَرِيعا وَأولى بالهوان وبالأزل
وأوقليدس لَو عَاشَ أعيا انحلالهعَلَيْهِ لِأَن الشكل مُمْتَنع الْحل
فَحِينَئِذٍ أَقْسَمت بِاللَّه خالقيوَهود أخي عَاد وشيث وَذي الكفل
وَسورَة يس وطه وَمَرْيَموصاد وحم ولقمان والنمل
لَئِن لم أجد فِي المزلقان ملاسةتؤاتي كراعي لَا جَعَلْنَاهُ فِي حل
وَلَا قلت شعرًا فِي دمشق وَلَا أرىأعاتب اسكافا بجد وَلَا هزل
دهيت بِهِ خلا ينغص عيشتيفَلَا بَارك الرَّحْمَن لي فِيهِ من خل
وَكم آلم الإسكاف قلبِي بمطلهولاقيت مَا لاقاه مُوسَى من الْعجل
وَكَانَ أرسطاليس يدهى بمعشريرومون مِنْهُ أَن يُوَافق فِي الْهزْل
وبقراط قد لَاقَى أمورا كَثِيرَةوَلكنه لم يلق فِي أَهله مثلي
وَقد كَانَ جالينوس أَن عض رجلهتمشك يداوي الْعقر بالمرهم النخلي
وقسطا بن لوقا كَانَ يحفى لأجل ذَاوَمَا كَانَ يصغي فِي حفاه إِلَى عذل
وَكَانَ أَبُو نصر إِذا زار معشراوَضاع لَهُ نعل يروح بِلَا نعل
وأرباب هَذَا الْعلم مَا فتئوا كَذَايقاسون مَا لَا يَنْبَغِي من ذَوي الْجَهْل
لذَلِك إِنِّي مذ حللت بجلقنَدِمت فأزمعت الرُّجُوع إِلَى أَهلِي
وَلَو كنت فِي بَغْدَاد قَامَ لنصرتيهُنَالك أَقوام كرام ذَوُو نبل
وَمَا كنت أَخْلو من ولي مساعدوَذي رَغْبَة فِي الْعلم اكْتُبْ مَا أملي
فيا لَيْتَني مستعجلا طرت نَحْوهَاوَمن لي بِهَذَا وَهُوَ مُمْتَنع من لي
فَفِي الشَّام قد لاقيت ألف بليةفيا لَيْت أَنِّي مَا حططت بهَا رحلي
على أنني فِي جلق بَين معشرأعاشر مِنْهُم معشرا لَيْسَ من شكلي
فاقسم مَا نوء الثريا إِذا همىوجاد على الْأَرْضين رائمة الْمحل
وَلَا بَكت الخنساء صخرا شقيقهاوأدمعها فِي الخد دائمة الهطل
بأغزر من دمعي إِذا مَا رَأَيْتهوَقد جَاءَ فِي رجْلي منحرف الشكل
وأمرضني مَا قد لقِيت لأَجلهفيا لَيْت أَنِّي قد بقيت بِلَا رجْلي
فَهَذَا وَمَا عددت بعض خصالهفَكيف احتراسي من أذيته قل لي
وَمن عظم مَا قاسيت من ضيق بأسهأَخَاف على جسمي من السقم والسل
فيا لتمشك مذ تَأَمَّلت شكلهعلمت يَقِينا أَنه مُوجب قَتْلِي
وينشد من يَأْتِيهِ نعيي بجلقبِنَا مِنْك فَوق الرمل مَا بك فِي الرمل
فَلَا تعجبوا مهما دهاني فإننيوجدت بِهِ مَا لم يجد أحد قبلي) الطَّوِيل

وَلابْن الصّلاح من الْكتب مقَالَة فِي الشكل الرَّابِع من أشكال الْقيَاس الحملى وَهَذَا الشكل الْمَنْسُوب إِلَى جالينوس

كتاب فِي الْفَوْز الْأَصْغَر فِي الْحِكْمَة

النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.