تجاوز إلى المحتوى

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)

رشيد الدّين ابْن الصُّورِي

هُوَ أَبُو الْمَنْصُور بن أبي الْفضل بن عَليّ الصُّورِي قد اشْتَمَل على جمل الصِّنَاعَة الطبية واطلع على

محاسنها الجلية والخفية

وَكَانَ أوحدا فِي معرفَة الْأَدْوِيَة المفردة وماهياتها وَاخْتِلَاف أسمائها وصفاتها وَتَحْقِيق خواصها وتأثيراتها ومولده فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة بِمَدِينَة صور وَنَشَأ بهَا

ثمَّ انْتقل عَنْهَا واشتغل بصناعة الطِّبّ على الشَّيْخ موفق الدّين عبد الْعَزِيز وَقَرَأَ أَيْضا على الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ وتميز فِي صناعَة الطِّبّ وَأقَام بالقدس سنتَيْن

وَكَانَ يطب فِي البيمارستان الَّذِي كَانَ فِيهِ

وَصَحب الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس الجياني وَكَانَ شَيخا فَاضلا فِي الْأَدْوِيَة المفردة متفننا فِي عُلُوم أخر كثير الدّين محبا للخير

فَانْتَفع بِصُحْبَتِهِ لَهُ وَتعلم مِنْهُ أَكثر مَا يفهمهُ

واطلع رشيد الدّين بن الصُّورِي أَيْضا على كثير من خَواص الْأَدْوِيَة المفردة حَتَّى تميز على كثير من أَرْبَابهَا وأربى على سَائِر من حاولها واشتغل بهَا

هَذَا مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْمُرُوءَة الَّتِي لَا مزِيد عَلَيْهَا

والعصبية الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا والمعارف الْمَذْكُورَة والشجاعة الْمَشْهُورَة

وَكَانَ قد خدم بصناعة الطِّبّ الْملك الْعَادِل أَبَا بكر بن أَيُّوب فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وسِتمِائَة لما كَانَ الْملك الْعَادِل مُتَوَجها إِلَى الديار المصرية واستصحبه مَعَه من الْقُدس وَبَقِي فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْملك الْعَادِل ﵀

ثمَّ خدم بعده لوَلَده الْملك الْمُعظم عِيسَى بن أبي بكر وَكَانَ مكينا عِنْده وجيها فِي أَيَّامه

وَشهد مَعَه مصافات عدَّة مَعَ الفرنج لما كَانُوا نازلوا ثغر دمياط وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْمُعظم ﵀ وَملك بعده وَلَده الْملك النَّاصِر دَاوُد بن الْملك الْمُعظم فأجراه على جامكيته وَرَأى لَهُ سَابق خدمته وفوض إِلَيْهِ رياسة الطِّبّ وَبَقِي مَعَه فِي الْخدمَة إِلَى أَن توجه الْملك النَّاصِر إِلَى الكرك فَأَقَامَ هُوَ بِدِمَشْق وَكَانَ لَهُ مجْلِس للطب وَالْجَمَاعَة يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ ويشتغلون بالصناعة الطبية

وحرر أدوية الترياق الْكَبِير وَجَمعهَا على مَا يَنْبَغِي فَظهر نَفعه وعظمت فَائِدَته

وَكَانَ قد صنع مِنْهُ شَيْئا كثيرا فِي أَيَّام الْملك الْمُعظم

وَتُوفِّي رشيد الدّين بن الصُّورِي ﵀ يَوْم الْأَحَد أول شهر رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بِدِمَشْق

وَكَانَ رشيد الدّين ابْن الصُّورِي قد أهْدى إِلَيّ تأليفا لَهُ يحتوي على فَوَائِد ووصايا طبية فَقلت وكتبت بهَا إِلَيْهِ فِي رِسَالَة

لعلم رشيد الدّين فِي كل مشْهدمنار علا يأتمه كل مهتدي
حَكِيم لَدَيْهِ المكرمات بأسرهاتوارثها عَن سيد بعد سيد
حوى الْفضل عَن آبَائِهِ وجدودهفَذَاك قديم فِيهِ غير مُجَدد
تفرد فِي ذَا الْعَصْر عَن كل مشبهبِخَير صِفَات حصرها لم يجدد
أَتَتْنِي وَصَايَاهُ الحسان الَّتِي حوتبنثر كَلَام كل فصل منضد
وَأهْدى إِلَى قلبِي السرُور وَلم يزلبإحسانه يسدي لمثلي من يَد
وجدت بهَا مَا أرتجيه وإننيبهَا أبدا فِيمَا أحاول مقتدي
وَلَا غرو من علم الرشيد وفضلهإِذا كَانَ بعد الله فِي الْعلم مرشدي) الطَّوِيل

أدام الله أَيَّام الْحَكِيم الأوحد الأمجد الْعَامِل الْفَاضِل الْكَامِل الرئيس رشيد الدُّنْيَا وَالدّين مُعْتَمد الْمُلُوك والسلاطين خَالِصَة أَمِير الْمُؤمنِينَ بلغه فِي الدَّاريْنِ نِهَايَة سؤله وأمانيه وكبت حَسَدْته وأعاديه

وَلَا زَالَت الْفَضَائِل مخيمة بفنائه والفواضل صادرة مِنْهُ إِلَى أوليائه

والألسن مجتمعة على شكره وثنائه وَالصِّحَّة مَحْفُوظَة بِحسن مراعاته والأمراض زائلة بتدبيره ومعالجته

الْمَمْلُوك يُنْهِي مَا يجده من الأشواق إِلَى خدمته والتأسف على الْفَائِت من مشاهدته

ووصلت المشرفة الْكَرِيمَة الَّتِي وجد بهَا نِهَايَة الأمل والإرشاد إِلَى المطالب الطبية الجامعة للْعلم وَالْعَمَل

وَقد جعلهَا الْمَمْلُوك أصلا يعْتَمد عَلَيْهِ ودستورا يرجع إِلَيْهِ

لَا يخليها من فكره وَلَا يخل بِمَا تتضمنه فِي سَائِر عمره

وَلَيْسَ للمملوك مَا يُقَابل بِهِ إِحْسَان مَوْلَانَا إِلَّا الدُّعَاء الصَّالح وَالثنَاء الَّذِي يكْتَسب من محاسنه النشر الْعطر الفائح

وَكَيف لَا أشكر وأنشر محَاسِن من لَا أجد فَضِيلَة إِلَّا بِهِ وَلَا أنال رَاحَة إِلَّا بِسَبَبِهِ

فَالله يتَقَبَّل من الْمَمْلُوك صَالح أدعيته وَيجْزِي مَوْلَانَا كل خير على كَمَال مروءته إِن شَاءَ

وأنشدني مهذب الدّين أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْخضر الْحلَبِي لنَفسِهِ يمدح الْحَكِيم رشيد الدّين ابْن الصُّورِي ويشكره على إِحْسَان أسداه إِلَيْهِ

سرى طيفها والكاشحون هجودفَبَاتَ قَرِيبا والمزار بعيد
فيا عجبا من طيفها كَيفَ زارنيوَمن دونه بيد تهول وبيد
وَكَيف يزور الطيف طرف مسهدلطيب الْكرَى عَن ناظريه صدود
وَفِي قلبه نَار من الوجد والأسىلَهَا بَين أحناء الضلوع وقود
وَقد أخلق السقم المبرح والضنالِبَاس اصْطِبَارِي والغرام جَدِيد
وتالله لَا عَاد الخيال وَإِنَّمَاتخيله الأفكار لي فَيَعُود
فيا لائمي كف الملام وَلَا تزدفَمَا فَوق وجدي والغرام مزِيد
ولي كبد حرى وطرف مسهدوقلب يحب الغانيات عميد
أَلا فِي سَبِيل الْحبّ من مَاتَ صبوةوَمن قتلته الغيد فَهُوَ شَهِيد
وَلم تَرَ عَيْني مثل أَسمَاء خلةتضن بوصلي والخيال يجود
تجدّد أشجاني بهَا وصبابتيمعاهد أقوت باللوى وعهود
رعى الله بيضًا من لَيَال وصلتهاببيض حسان والمفارق سود
وَبت وجخ اللَّيْل مرخ سدولهأضم غصون البان وَهِي قدود
وأرشف رَاحا روقتها مباسمواقطف وردا أنبتته خدود
إِلَى أَن تبدى الصُّبْح غير مذمموَزَالَ ظلام اللَّيْل وَهُوَ حميد
وَكَيف أَذمّ الصُّبْح أَو لَا أودهوَإِن ريع مودود بِهِ وودود
وكل صباح فِيهِ للعين حظوةبِوَجْه رشيد الدّين وَهُوَ سعيد
هُوَ الْعَالم الصَّدْر الْحَكِيم وَمن لَهُكَلَام يضاهي الدّرّ وَهُوَ نضيد
رَئِيس الْأَطِبَّاء ابْن سينا وَقَبلهحنين تلاميذ لَهُ وَعبيد
وَلَو أَن جالينوس حَيا بعصرهلَكَانَ عَلَيْهِ يبتدي وَيُعِيد
فَقل لبني الصُّورِي قد سدتم الورىوَمَا النَّاس إِلَّا سيد ومسود
وَمَا حزتم أرث الْعلَا عَن كَلَالَةكَذَلِك آبَاء لكم وجدود
فيا عَالم الدُّنْيَا وَيَا علم الْهدىوَيَا من بِهِ للمكرمات وجود
وَيَا من لَهُ ربع من الْفضل آهلوَقصر معال بالثناء مشيد
ودوح من الْإِحْسَان أثمر بالمنىوظل على اللاجي إِلَيْهِ مديد
وَيَا من بِهِ العَاصِي الجموح أَطَاعَنِيوذل لي الْجَبَّار وَهُوَ عنيد
فمعقل عزي فِي حماه ممنعحُصَيْن وعيشي فِي ذراه رغيد
وَمن راشني معروفه واصطناعهوَقَامَ بأَمْري والأنام قعُود
وَأحسن بِي فعلا فأحسنت قَائِلاوجاد فَفِي مدحي علاهُ أجيد
فَعِنْدَ نداه حَاتِم الْجُود باخلوَعِنْدِي لبيد فِي المديح بليد
تصدى لكسب الْحَمد من كل وجهةوَلِلْقَوْمِ عَن كسب الثَّنَاء صدود
لَهُ ظلّ ذِي فضل على كل لاجئمفيء وَعلم بالأمور مُفِيد
وَعرف مَتى مَا يُبْدِهِ فاح عرفهوجود يَد مَا عز مِنْهُ وجود
تعبد كل الْخلق بالجود فانثنتلإحسانه الْأَحْرَار وَهِي عبيد
فكم مادح قد لَاذَ مِنْهُ بمانحفأنجح قصد عِنْده وقصيد
فأمسى وللحسنى عَلَيْهِ دَلَائِلوأضحى وللنعمى عَلَيْهِ شُهُود
فَكيف أَخَاف الحادثات وصرفهاورأي رشيد الدّين فِي سديد
وَمن فَضله لي ساعد ومساعدوَمن جاهه لي عدَّة وعديد
وَإِنِّي لأرجو أَن ستكثر حسديعلى نيل مَا أَرْجُو بِهِ وَأُرِيد
وَمَا الصنع إِلَّا مَا سيعقبه الْغنىوَيكثر فِيهِ غائظ وحسود
إِذا كَانَ لي من فَضله واصطناعهعتاد فعزي مَا حييت عتيد
وَغير عَجِيب أَن يكون بِقَصْدِهِلمثلي إِلَى نيل السُّعُود سعود
أَقُول لمن يَرْجُو سواهُ من الورىرويدك أَن النجح مِنْك بعيد
أتقصد أوشالا وتترك لجةتمد بهَا للمكرمات مدود
وَمن بِأبي الْمَنْصُور أصبح لائذافقد قارنته بالنجاح سعود
فيا كعبة الآمال يَا دِيمَة الندىوَيَا من بِهِ روض الرَّجَاء مجود
وَمن عَبده يَوْم السماحة حَاتِمكَمَا عِنْد مدحي فِي علاهُ عبيد
أياديك عِنْدِي لَا أقوم بشكرهافَمَا فَوق مَا أولت يداك مزِيد
فَلم يصف لي لَوْلَا أياديك مشربوَلَا اخضر لي لَوْلَا انتجاعك عود
فجدي بقصدي بَات دَارك مقبلونجمي بتردادي إِلَيْك سعيد
فَلَا زلت بالعيد السعيد مهنأتهنيك من بعد الْوُفُود وُفُود
فَمَا لِذَوي الْحَاجَات غَيْرك مقصدوَلَا لبني الآمال عَنْك محيد) الطَّوِيل

ولرشيد الدّين الصُّورِي من الْكتب كتاب الْأَدْوِيَة المفردة وَهَذَا الْكتاب بَدَأَ بِعَمَلِهِ فِي أَيَّام الْملك الْمُعظم وَجعله باسمه واستقصى فِيهِ ذكر الْأَدْوِيَة المفردة وَذكر أَيْضا أدوية اطلع على مَعْرفَتهَا ومنافعها لم يذكرهَا المتقدمون

وَكَانَ يستصحب مصورا وَمَعَهُ الأصباغ والليق على اختلافها وتنوعها فَكَانَ يتَوَجَّه رشيد الدّين بن الصُّورِي إِلَى الْمَوَاضِع الَّتِي بهَا النَّبَات مثل جبل لبنان وَغَيره من الْمَوَاضِع الَّتِي قد اخْتصَّ كل مِنْهَا بِشَيْء من النَّبَات فيشاهد النَّبَات ويحققه ويريه للمصور فَيعْتَبر لَونه وَمِقْدَار ورقه وأغصانه وأصوله ويصور بحسبها ويجتهد فِي محاكاتها ثمَّ أَنه سلك أَيْضا فِي تَصْوِير النَّبَات مسلكا مُفِيدا وَذَلِكَ أَنه كَانَ يرى النَّبَات للمصور فِي أبان نَبَاته وطراوته فيصوره ثمَّ يرِيه إِيَّاه أَيْضا وَقت كَمَاله وَظُهُور بزره فيصوره تلو ذَلِك ثمَّ يرِيه إِيَّاه أَيْضا فِي وَقت ذواه ويبسه فيصوره

فَيكون الدَّوَاء الْوَاحِد يُشَاهِدهُ النَّاظر إِلَيْهِ فِي الْكتاب وَهُوَ على أنحاء مَا يُمكن أَن يرَاهُ فِي الأَرْض فَيكون تَحْقِيقه لَهُ أتم ومعرفته لَهُ أبين

الرَّد على كتاب التَّاج للغاوي فِي الْأَدْوِيَة المفردة

تعاليق لَهُ وفرائد ووصايا طبية كتب بهَا إِلَيّ

النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.