من «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة (ت ٦٦٨هـ)
شرف الدّين بن الرَّحبِي
هُوَ الْحَكِيم الإِمَام الْعَالم الْفَاضِل عَلامَة عصره وفريد دهره شرف الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف ابْن حيدرة بن الْحسن الرَّحبِي
كَانَ مولده بِدِمَشْق فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ قد سلك حَذْو أَبِيه واقتفى مَا كَانَ يقتفيه
وَهُوَ أشبه بِهِ خلقا وخلقا وطرائق
لم يزل متوفرا على قِرَاءَة
الْكتب وتحصيلها وَنَفسه تشرئب إِلَى طلب الْفَضَائِل وتفصيلها
وَله تدقيق فِي الصِّنَاعَة الطبية وَتَحْقِيق لمباحثها الْكُلية والجزئية
وَله فِي الطِّبّ كتب مؤلفة وحواش مُتَفَرِّقَة
واشتغل بصناعة الطِّبّ على أَبِيه وَقَرَأَ أَيْضا على الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ وحرر عَلَيْهِ كثيرا من الْعُلُوم وَلَا سِيمَا من تصانيف الشَّيْخ موفق الدّين الْبَغْدَادِيّ
واشتغل أَيْضا بالأدب على الشَّيْخ علم الدّين السخاوي وعَلى غَيره من الْعلمَاء
وَقد أتقن علم الْأَدَب إتقانا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَلَا يُشَارِكهُ أحد فِيهِ
وَله فطْرَة جَيِّدَة فِي قَول الشّعْر وَأحب مَا إِلَيْهِ التخلي مَعَ نَفسه والملازمة لقرَاءَته ودرسه والإطلاع على آثَار القدماء وَالِانْتِفَاع بمؤلفات الْحُكَمَاء
وَكَانَ نزيه النَّفس عالي الهمة لم يُؤثر التَّرَدُّد إِلَى الْمُلُوك وَلَا إِلَى أَرْبَاب الدولة
وخدم مُدَّة فِي البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين بن زنكي
وَلما وقف شَيخنَا مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ ﵀ الدَّار الَّتِي لَهُ بِدِمَشْق وَجعلهَا مدرسة يدرس فِيهَا صناعَة الطِّبّ وَينْتَفع الْمُسلمُونَ بقراءتهم فِيهَا أوصى أَن يكون مدرسها شرف الدّين بن الرَّحبِي لما قد تحَققه من علمه وفهمه فَتَوَلّى التدريس بهَا مُدَّة وَتُوفِّي شرف الدّين بن الرَّحبِي بِدِمَشْق وَدفن بجبل قاسيون
وَكَانَت وَفَاته ﵀ فِي اللَّيْلَة الَّتِي صباحها يَوْم الْجُمُعَة حادي عشر الْمحرم سنة سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بعلة ذَات الْجنب
وحَدثني الْحَكِيم بدر الدّين بن قَاضِي بعلبك وشمس الدّين الكتبي الْمَعْرُوف بالخواتمي قَالَا كَانَ شرف الدّين قبل أَن يمرض وَيَمُوت بأشهر يَقُول للْجَمَاعَة المترددين إِلَيْهِ والتلاميذ المشتغلين عَلَيْهِ إِنَّه بعد قَلِيل أَمُوت وَذَلِكَ يكون عِنْد قرَان الكوكبين
ثمَّ يَقُول لَهُم قُولُوا للنَّاس هَذَا حَتَّى يعرفوا مِقْدَار علمي فِي حَياتِي وَعلمِي بِوَقْت موتِي
وَكَانَ قَوْله مُوَافقا لما حكم بِهِ
وَمن شعر شرف الدّين بن الرَّحبِي وَهُوَ مِمَّا أَنْشدني لنَفسِهِ فَمن ذَلِك قَالَ
سِهَام المنايا فِي الورى لَيْسَ تمنعفَكل لَهُ يَوْمًا وَإِن عَاشَ مصرع
وكل وَإِن طَال المدى سَوف يَنْتَهِيإِلَى قَعْر لحد فِي ثرى مِنْهُ يودع
فَقل للَّذي قد عَاشَ بعد قرينهإِلَى مثلهَا عَمَّا قَلِيل ستدفع
فَكل ابْن أُنْثَى سَوف يُفْضِي إِلَى ردىوَيَرْفَعهُ بعد الأرائك شرجع
ويدركه يَوْمًا وَإِن عَاشَ بُرْهَةقَضَاء تساوى فِيهِ هم ومرضع
فَلَا يفرحن يَوْمًا بطول حَيَاتهلَبِيب فَمَا فِي عيشة الْمَرْء مطمع
فَمَا الْعَيْش إِلَّا مثل لمحة بارقوَمَا الْمَوْت إِلَّا مثل مَا الْعين تهجع
وَمَا النَّاس إِلَّا كالنبات فيابسهشيم وغض إِثْر مَا باد يطلع
فتبا لدُنْيَا مَا تزَال تعلناأفاويق كأس مرّة لَيْسَ تقنع
سَحَاب أمانيها جهام وبرقهاإِذا شيم برق خلب لَيْسَ يهمع
تغر بنيها بالمنى فتقودهمإِلَى قَعْر مهواة بهَا الْمَرْء يوضع
فكم أهلكت فِي حبها من متيموَلم يحظ مِنْهَا بالمنى فَيمْتَنع
تمنيه بالآمال فِي نيل وَصلهَاوَعَن غيه فِي حبها لَيْسَ ينْزع
أضاع بهَا عمرا لَهُ غير رَاجعوَلم ينل الْأَمر الَّذِي يتَوَقَّع
فَصَارَ لَهَا عبدا لجمع حطامهاوَلم يهن فِيهَا بِالَّذِي كَانَ يجمع
وَلَو كَانَ ذَا عقل لاغنته بلغَةمن الْعَيْش فِي الدُّنْيَا وَلم يَك يجشع
إِلَى أَن توافيه الْمنية وَهُوَ بالقناعةفِيهَا آمن لَا يروع
مصائبها عَمت فَلَيْسَ بمفلتشُجَاع وَلَا ذُو ذلة لَيْسَ يدْفع
وَلَا سابح فِي قَعْر بَحر وطائريَدُوم فِي بوح الفضاء فينزع
وَلَا ذُو امْتنَاع فِي بروج مشيدةلَهَا فِي ذرى جو السَّمَاء ترفع
أصارته من بعد الْحَيَاة بوهدةلَهُ من ثراها آخر الدَّهْر مَضْجَع
تساوى بهَا من حل تَحت صعيدهاعلى قرب عهد بالممات وَتبع
فسيان ذُو فقر بهَا وذوو الْغنىوَذُو لَكِن عِنْد الْمقَال ومصقع
وَمن لم يخف عِنْد النوائب حتفهوَذُو جبن خوفًا من الْمَوْت يسْرع
وَذُو جشع يَسْطُو بناب ومخلبوكل بغاث ذلة لَيْسَ يمْنَع
وَمن ملك الْآفَاق بَأْسا وَشدَّةوَمن كَانَ فِيهَا بالضروري يقنع
وَلَو كشف الأجداث مُعْتَبرا لَهُملينْظر آثَار البلى كَيفَ تصنع
لشاهد إحداقا تسيل وأوجهامعفرة فِي الترب شوها تفزع
غَدَتْ تَحت أطباق الثرى مكفهرةعبوسا وَقد كَانَت من الْبشر تلمع
فَلم يعرف الْمولى من العَبْد فيهموَلَا خاملا من نابه يترفع
وأنى لَهُ علم بذلك بَعْدَمَاتبين مِنْهُم مَا لَهُ الْعين تَدْمَع
رأى مَا يسوء الطّرف مِنْهُم وطالمارأى مَا يسر الناظرين ويمتع
رأى أعظما لَا تَسْتَطِيع تماسكاتهافت من أوصالها وتقطع
مُجَرّدَة من لَحمهَا فَهِيَ عِبْرَةلذِي فكرة فِيمَا لَهُ يتَوَقَّع
تخونها مر اللَّيَالِي فَأَصْبَحتأنابيب فِي أجوافها الرّيح تسمع
إِلَى أجنة مسودة وجماجممطأطأة من ذلة لَيْسَ ترفع
أزيلت عَن الْأَعْنَاق فَهِيَ نواكسعلى الترب من بعد الوسائد تُوضَع
علاها ظلاما للبلى ولطالماغَدا نورها فِي حندس اللَّيْل يسطع
كَأَن لم يكن يَوْمًا علا مفرقا لَهَانفائس تيجان ودر مرصع
تبَاعد عَنْهُم وَحْشَة كل وامقوعافهم الأهلون وَالنَّاس أجمع
وقاطعهم من كَانَ حَال حياتهمبوصلهم وجدا بهم لَيْسَ يطْمع
يبكيهم الْأَعْدَاء من سوء حَالهمويرحمهم من كَانَ ضدا ويجزع
فَقل للَّذي قد غره طول عمرهوَمَا قد حواه من زخارف تخدع
أفق وَانْظُر الدُّنْيَا بِعَين بَصِيرَةتَجِد كل مَا فِيهَا ودائع ترجع
فَأَيْنَ الْمُلُوك الصَّيْد قدما وَمن حوىمن الأَرْض مَا كَانَت بِهِ الشَّمْس تطلع
حواه ضريح من فضاء بسيطهايقصر عَن جثمانه حِين يذرع
فكم ملك أضحى بِهِ ذَا مذلةوَقد كَانَ حَيا للمهابة يتبع
يَقُود على الْخَيل الْعتاق فوارسايسد بهَا رحب الفيافي ويترع
فَأصْبح من بعد التنعم فِي ثرىتوارى عظاما مِنْهُ بهماء بلقع
بَعيدا على قرب المزايا إيابهفَلَيْسَ لَهُ حَتَّى الْقِيَامَة مرجع
غَرِيبا عَن الأحباب والأهل ثاويابأقصى فلاة خرقه لَيْسَ يرقع
تلح عَلَيْهِ السافيات بمنزلجديب وَقد كَانَت بِهِ الأَرْض تمرع
رهينا بِهِ لَا يملك الدَّهْر رَجْعَةوَلَا يستطيعن الْكَلَام فَيسمع
توسد فِيهِ الترب من بعد مَا اغتدىزَمَانا على فرش من الْخَزّ يرفع
كَذَلِك حكم النائبات فَلَنْ ترىمن النَّاس حَيا شَمله لَيْسَ يصدع) الطَّوِيل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
تساق بَنو الدُّنْيَا إِلَى الحتف عنْوَةوَلَا يشْعر الْبَاقِي بِحَالَة من يمْضِي
كَأَنَّهُمْ الْأَنْعَام فِي جهل بَعْضهَابِمَا تمّ من سفك الدِّمَاء على بعض) الطَّوِيل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
لَيْسَ يجدي ذكر الْفَتى بعد موتفاطرح مَا يَقُوله السُّفَهَاء
إِنَّمَا يدْرك التألم واللذةحَيّ لَا صَخْرَة صماء) الْخَفِيف
وَقَالَ وأنشدني إِيَّاهَا لما توفّي الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب بِدِمَشْق وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
كم قَالَ جهلا بِأَنِّي إِن أمتيزل النظام وَيفْسد الثَّقَلَان
وافاه مفضي الْحمام وَلم يرعحَيّ وَلم يحفل بِهِ اثْنَان
فغدا لَقِي تَحت التُّرَاب مجندلالم ينتطح فِي مَوته عنزان
من ظن أَن لَا بُد مِنْهُ وَأَنهذُو عنية فِي عَالم الأكوان
فلبئسما ذهبت وساوس فكرهمِنْهُ إِلَى دَعْوَى بِغَيْر بَيَان
أَنِّي وَمَا فَوق البسيطة فَاسدإِلَّا ويخلفه بديل ثَانِي) الْكَامِل
وَقَالَ وأنشدني إِيَّاهَا بعد وَفَاة أَخِيه الْحَكِيم جمال الدّين عُثْمَان فِي سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة
تبدلت لما أَن وجدت سكينَةوَعزا نفى شَرّ الحسود المعاند
وَقد ناهزت سني ثَمَانِينَ حجَّةوَمَات من الأهلين كل مساعد
وَلَا سِيمَا الْأَخ الشَّقِيق وَإِن غَدالَدَى نَازل فِي الْخطب ركني وساعدي
فخانتني الْأَيَّام فِيمَا رجوتهوَلما تزل تَأتي بعكس الْمَقَاصِد
فصبرا على كيد الزَّمَان لَعَلَّهيؤول إِلَى الْإِنْصَاف بعد التباعد) الطَّوِيل
وَكَانَ يخضب بِالْحِنَّاءِ فَقلت لَهُ لَو تركت اللِّحْيَة بَيْضَاء كَانَ أليق فأنشدني لنَفسِهِ بديها
سترت مشيبي بالخضاب لأننيتيقنت أَن الشيب بِالْمَوْتِ مُنْذر
فواريته كَيْلا ترى مِنْهُ مقلتيصباح مسَاء مَا بِهِ الْعَيْش يكدر
فغيبة مَا يشنى عَن الْعين مُوجبتناسى مَا مِنْهُ يخَاف ويحذر
وَإِن كنت ذَا علم بِأَن لَيْسَ ملبسيشبَابًا وَلَا رد الْمنية يقدر) الطَّوِيل
وَقَالَ وَهُوَ مِمَّا كتب بِهِ إِلَيّ من دمشق وَكنت يَوْمئِذٍ بصرخد عِنْد مَالِكهَا الْأَمِير عز الدّين أيبك المعظمي
موفق الدّين مَاذَا السَّهْو مِنْك علىمَا نلْت من رُتْبَة فِي الْعلم وَالْأَدب
أبعت نَفسك بالنزر الحقير لقدأرخصتها بعد طول الْجد والدأب
أَقمت فِي بلد يزري بساكنهوَلَا يرتضيه لَبِيب من ذَوي الرتب
ناء عَن الْخَيْر ذِي جَدب فَلَيْسَ بِهِسوى صخور وحر مِنْهُ ملتهب
مضيعا فِيهِ عمرا مَا لَهُ عوضإِذا تصرم وَقت مِنْهُ لم يؤب
أتحسب الْعُمر مردودا تصومههَيْهَات أَن يرجع الْمَاضِي من الحقب
أم تحسب الْعُمر مَا ولت لذاذتهينَال بعد ذهَاب الْعُمر بِالذَّهَب
إِذا تولى شباب الْعُمر فِي نغصفَمَا لَهُ فِي بقايا الْعُمر من أرب
لَو كَانَ مَا أَنْت فِيهِ مكسبا لغنىلما وفى بذهاب الْعُمر فِي نصب
فَكيف مَعَ قلَّة الْجَارِي وخستهوالبعد عَن كل ذِي فضل وَذي أدب
فعد إِلَى جنَّة الدُّنْيَا فقد برزتلمجتلي الْحسن فِي أثوابها القشب
وَلَا تقم بسواها مَعَ حُصُول غنىفالعمر فِيمَا سواهَا غير محتسب
واقطع زَمَانك طيبا فِي محاسنهاوعد إِلَى اللَّهْو وَاللَّذَّات والطرب
وبادر الْعُمر قبل الْفَوْت مغتنمامَا دمت حَيا فَإِن الْمَوْت فِي الطّلب
وَخذ عيَانًا إِذا مَا أمكنت فرصوَلَا تبع طيب مَوْجُود بمرتقب
فالعمر منصرم وَالْوَقْت مغتنموالدهر ذُو غير فأنعم بِهِ تصب
فاعمل بِقَوْلِي وَلَا تجنح إِلَى أحدمِمَّن يفند من عمري وَذي رغب
يرى السَّعَادَة فِي نيل الحطام وَلَوحواه مَعَ نصب من سوء مكتسب
فاستدرك الْفَائِت الْمقْضِي فِي عمرفَلَيْسَ بالنأي عَن مثواك من كثب
وَلَا تعش عَيْش ذِي نقص وَكن أبدامِمَّن سمت همة مِنْهُ على الشهب
واغنم حَيَاة أَب مَا زَالَ ذَا حزنمذ غبت عَنهُ لبعد مِنْك مكتئب
فلست تعدم مَعَ رُؤْيَاهُ مكتسبايسد بالقنع من عري وَمن سغب
فَالرَّأْي مَا قلته فاعمل بِهِ عجلاوَلَا تصخ نَحْو فدم غير ذِي حدب
فغفلة الْمَرْء مَعَ علم وَمَعْرِفَةعَن وَاضح بَين من أعجب الْعجب) الْبَسِيط
فَقلت فِي جَوَابه وَكتب بهَا إِلَيْهِ
مولَايَ يَا شرف الدّين الَّذِي بلغتأدنى مساعيه أَعلَى رُتْبَة بالأدب
وَمن سمت فِي سَمَاء الْمجد همتهفأدركت فِي الْمَعَالِي أرفع الرتب
قد فاق بقراط فِي علم وَفِي حكموفَاق سحبان فِي شعر وَفِي خطب
لَهُ التصانيف فِي كل الْعُلُوم وَلَاشَيْء يماثلها من سَائِر الْكتب
أقدارها قد علت فِي النَّاس وَارْتَفَعتعَن كل شبه كَمثل السَّبْعَة الشهب
فِيهَا الْمعَانِي الَّتِي كالدر قد نظمتفِي سلك خطّ وَخير اللَّفْظ منتخب
وَلَا عَجِيب لدر كَانَ موردهمن بَحر علم لمولى فِي العلى دئب
قد نَالَ رَاحَة تَحْصِيل الْعُلُوم وَمَامن رَاحَة حصلت إِلَّا عَن التَّعَب
ورام مسعاه أَقوام وَمَا بلغُواالْبَعْض مِنْهُ وكل جد فِي الطّلب
وكل علم وجود فَهُوَ مِنْهُ إِلَىمن يجتديه كغيث دَائِم الصيب
لله كم من أياد مِنْهُ قد وصلتإِلَيّ فِي سالف الْأَيَّام والحقب
إِنِّي لأشكرها مَا دمت مُجْتَهداوشكر نعماه طول الدَّهْر أَجْدَر بِي
عِنْدِي من الْبَين أشواق إِلَيْك كَمَاللنَّاس فِي الجدب أشواق إِلَى السحب
تهمي دموعي إِذا مَا غن ذكركُمْعلى فؤاد بِنَار الشوق ملتهب
كَأَنَّمَا حل طرفِي بعد بَيْنكُممتمم وأتى قلبِي أَبُو لَهب
وكل عمر تقضى لي ببعدكمعني فَذَلِك عمر غير محتسب
وَلَو تكون لي الدُّنْيَا بأجمعهافِي الْبعد مَا كنت مُخْتَارًا فِرَاق أبي
هُوَ الَّذِي لم يزل إشفاقه أبداعَليّ وَالْبر من بعد وَمن كثب
وإنني بعد مَا جد الْفِرَاق بِنَاوالبعد لم يصف لي عَيْش وَلم يطب
وَكَيف يلتذ عَيْشًا من أتاح بِهِهَذَا الزَّمَان إِلَى قوم من الْحَطب
لم يعرفوا قدر ذِي علم لجهلهموَلَيْسَ ذَلِك فِي الْجُهَّال بالعجب
أتيت من ضَاعَ فضلي فِي فناه وَهلغباوة الْعَجم تَدْرِي فطنة الْعَرَب
وَإِن أَقمت بِأَقْوَام على خطأمني وَقد مر بعض الْعُمر فِي نصب
فقد أَقَامَ سميي قبل فِي نفربِأَرْض نجلة يشكو حَادث النوب
وَهِي الْأُمُور الَّتِي تَأتي مقدرَةوَلَيْسَ شَيْء من الدُّنْيَا بِلَا سَبَب
وَمن بَدَائِع نظم أَنْت قَائِلهبَيت بِهِ حكم من رَأْي ذِي حدب
إِذا انْقَضى شباب الْمَرْء فِي نغصفَمَا لَهُ فِي بقايا الْعُمر من أرب
يَا حبذا طيب أَيَّام لنا سلفتوَطيب أَوْقَاتهَا لَو أَنَّهَا تؤب
وحبذا جنَّة الدُّنْيَا إِذا برزتلمجتلي الْحسن فِي أثوابها القشب
وَقد رَأَيْت صَوَابا مَا أمرت بِهِوَمَا نصحت بِلَا شكّ وَلَا ريب
وَلَيْسَ يُنكر شَيْئا أَنْت قَائِلهمن النَّصِيحَة والآراء غير غبي
وَإِن لي همة تسمو السماك وَمَاإِلَّا الْفَضَائِل والعلياء مطلبي
وسوف أقصد أَرضًا قد نشأت بهَاوالقرب من كل ذِي فضل وَذي أدب
وَاجعَل الْعَزْم فِي علم أحصلهفالعلم فِي كل حَال خير مكتسب) الْبَسِيط
وأنشدني لنَفسِهِ
روحي بكم تنعم فِي اللَّذَّاتإِذْ كنت مُقَومًا لَهَا كالذاتي
مَا جال بخاطري فراقي لكمإِلَّا وَعَجِبت من بَقَاء الذَّات) دوبيت
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
أَصبَحت بكف نازح الود ملوللَا يعطفه مَعَ لينه عذل عذول
لَو لم يَك فِي الْحسن كبدر التممَا كَانَ لَهُ بِحَبَّة الْقلب نزُول) دزربيت
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
لم يبْق تولهي بكم غير ذماينصب لذا البكا من الْعين دَمًا
إِن كَانَ يقتلني الهي حكمافِي حبك لم أجد لموتي ألما) دوبيت
ولشرف الدّين بن الرَّحبِي من الْكتب كتاب فِي خلق الْإِنْسَان وهيئة أَعْضَائِهِ ومنفعتها لم يسْبق إِلَى مثله
حواش على كتاب القانون لِابْنِ سينا
حواش على شرح ابْن أبي صَادِق لمسائل حنين
النص من طبعة دار مكتبة الحياة ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع