تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

أحمد بن محمد بن شعيب الكرياني

من أهل فاس، يكنى أبا العباس، ويعرف بابن شعيب من كريانة، قبيلة من قبائل الرّيف الغربي.

حاله: من «عائد الصّلة»: من أهل المعرفة بصناعة الطب، وتدقيق النظر فيها، مشاركا في الفنون، وخصوصا في علم الأدب، حافظا للشعر؛ ذكر أنه حفظ منه عشرين ألف بيت للمحدثين، والغالب عليه العلوم الفلسفية، وقد مقت لذلك، وتهتّك في علم الكيمياء، وخلع فيه العذار، فلم يحل بطائل، إلّا أنه كان تفوّه بالوصول شنشنة المفتونين بها على مدى الدهر. وله شعر رائق، وكتابة حسنة، وخط ظريف.

كتب في ديوان سلطان المغرب مرئسا، وتسرّى جارية روميّة اسمها صبح، من أجمل الجواري حسنا، فأدّبها حتى لقّنت حظّا من العربية، ونظمت الشعر، وكان شديد الغرام بها، فهلكت أشدّ ما كان حبّا لها، وامتداد أمل فيها، فكان بعد وفاتها لا يرى إلّا في تأوّه دائم، وأسف متماد، وله فيها أشعار بديعة في غرض الرّثاء.

مشيخته: قرأ في بلده فاس على كثير من شيوخها، كالأستاذ أبي عبد الله بن أجروم نزيل فاس، والأستاذ أبي عبد الله بن رشيد، ووصل إلى تونس، فأخذ منها الطبّ والهيئة على الشيخ رحلة وقته في تلك الفنون، يعقوب بن الدرّاس.

وكان مما خاطب به الشيخ أبا جعفر بن صفوان، وقد نشأت بينهما صداقة أوجبها القدر المشترك من الولوع بالصّنعة المرموزة، يتشوّق إلى جهة كانوا يخلون بها للشيخ فيها ضيعة بخارج مالقة كلأها الله:

رعى الله وادي شنيانةوتلك الغدايا وتلك اللّيالي
ومسرحنا بين خضر الغصونوودق المياه وسحر الظّلال
ومرتعنا تحت أدواحهومكرعنا في النّمير الزّلال
نشاهد منها كعرض الحسامإذا ما انتشت فوقه كالعوالي
ولله من درّ حصبائهلآل وأحسن بها من لآل
وليل به في ستور الغصونكخود ترنّم فوق الحجال
وأسحاره كيف راقت وصحّ النسيم بها في اعتدال
ولله منك أبا جعفرعميد الحلال حميد الخلال
تطارحني برموز الكنوزوتسفر لي عن معاني المعالي
وتبدلني في شجون الحديثويا طيبة كلّ سحر حلال
فألقط من فيك سحر البيانمجيبا به عن عريض النّوال
أفدت الذي دونها معشركثير المقال قليل النّوال
فأصبحت لا أبتغي بعدهاسواك وبعدكما لا أبالي

وخاطب الفقيه العالم أبا جعفر بن صفوان يسأله عن شيء من علم الصناعة بما نصّه:

دار الهوى نجد وساكنهاأقصى أماني النفس من نجد

وممّا صدّر به رسالة:

أيجمع هذا الشّمل بعد شتاته؟ويوصل هذا الحبل بعد انبتاته؟
أما للبلى آية عيسويّةفينشر ميّت الأنس بعد مماته؟
ويورد عيني بعد ملح مدامعيبرؤيته في عذبه وفراته؟

وأنشد له صاحبنا الجليل صاحب العلّامة بالمغرب، أبو القاسم بن صفوان قوله:

يا ربّ ظبي شعاره نسكألحاظه في الورى لها فتك
يترك من هام به مكتئبالا تعجبوا أن قومه التّرك
أشكو له ما لقيت من حرقفيمشين لاهيا إذا أشكو
صبرت حتى أطلّ عارضهفكان صبري ختامه مسك

ومن المعاتبة والفكاهة قوله:

وبائع للكتب يبتاعهابأرخض السّوم وأغلاه

في نصف الاستذكار أعطيته ومحّض العين وأرضاه وله أيضا:

يا من توعّدني بحادث هجرهإنّ السّلوّ لدون ما يتوعّد
هذا عذارك وهو موضع سلوتيفأكفف فقد سبق الوعيد الموعد
وأظنّ سلوتنا غدا أو بعدهفبذاك خبّرنا الغراب الأسود

وله أيضا:

قال العذول تنقّصا لجمالههذا حبيبك قد أطلّ عذاره
لا بل بدا فصل الربيع بخدّهفلذا تساوى ليله ونهاره

وله يرثي:

يا قبر صبح، حلّ فيك بمهجتي أسنى الأماني
وغدوت بعد عيانهاأشهى البقاع إلى العيان
أخشى المنيّة إنهاتقصي مكانك عن مكاني
كم بين مقبور بفاس وقابر بالقيروان

وله أيضا يرثيها:

يا صاحب القبر الذي أعلامهدرست وثابت حبّه لم يدرس
ما اليأس منك على التصبّر حامليأيأستني فكأنني لم أيأس
لمّا ذهبت بكلّ حسن أصبحتنفسي تعاني شجو كلّ الأنفس
أصباح أيّامي ليال كلّهالا تنجلي عن صبحك المتنفّس

وقال في ذلك:

أعلمت ما صنع الفراق غداة جدّ به الرّفاق؟
ووقفت منهم حيث للننظرات والدمع استباق
سبقت مطاياهم فماأبطا بنفسك في السباق
أأطقت حمل صدودهمللبين خطب لا يطاق
عن ذات عرق أصعدواأتقول دارهم العراق
نزلوا ببرقة ثمهدفلذاك ما شئت البراق
وتيامنوا عسفان أنيقفوا بمجتمع الرّفاق
ما ضرّهم وهم المنىلو وافقوا بعض الوفاق
قالوا تفرّقنا غدافشغلت عن وعد التّلاق
عمدا رأوا قتل العميد فكان عيشك في اتّفاق
أولى لجسمك أن يرقّودمع عينك أن يراق
أمّا الفؤاد فعندهمدعه ودعوى الاشتياق
أعتاد حبّ محلهمفمحلّ صدرك عنه ضاق
واها لسالفة الشباب مضت بأيامي الرقاق
أبقت حرارة لوعةبين الترائب والتّراق
لا تنطفي وورودهامن أدمعي كأس دهاق

وقال أيضا:

يا موحشي والبعد دون لقائهأدعوك عن شحط وإن لم تسمع
يدنيك مني الشوق حتى إننيلأراك رأي العين لولا أدمعي
وأحنّ شوقا للنّسيم إذا سرىلحديثكم وأصيح كالمستطلع
كان اللّقاء فكان حظّي ناظريوسط الفراق فصار حظّي مسمعي
فابعث خيالك تهده نار الحشاإن كان يجهل من مقامي موضعي
واصحبه من نومي بتحفة قادمفصدى فليل ركابكم لم تجمع

دخوله غرناطة: دخل غرناطة على عهد السابع من ملوكها الأمير محمد لقرب من ولايته في بعض شؤونه؛ وحقّق بها تغيير أمر الأدوية المنفردة التي يتشوّف الطّيب إليها والشحرور، وهي بقرية شون من خارجها.

وفاته: ﵀، توفي بتونس في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وأربعين وسبعمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.