من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
أحمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن محمد بن حسين بن علي بن سليمان بن عرفة اللخمي
الفقيه، الرئيس، المتفنّن، حامل راية مذهب الشعر في وقته، المشار إليه بالبنان في ذلك ببلده، يكنى أبا العباس.
حاله: كان فذّا في الأدب، طرفا في الإدراك، مهذب الشمائل، ذلق اللسان، ممتع المجالسة والمحاضرة، حلو الفكاهة، يرمي كل غرض بسهم، إلى شرف النشأة وعزّ المرتبة، وكرم المحتد، وأصالة الرياسة.
حدّثني الشيخ أبو زكريا بن هذيل، قال: حضرت بمجلس ذي الوزارتين أبي عبد الله بن الحكيم، وأبو العباس بدر هالته، وقطب جلالته، فلم يحر بشيء إلّا ركض فيه، وتكلّم بملء فيه. ثم قمنا إلى زبّارين يصلحون شجرة عنب، فقال لعريفهم: حقّ هذا أن يقصر، ويطال هذا، ويعمل كذا. فقال الوزير: يا أبا العباس، ما تركت لهؤلاء أيضا حظّا من صناعتهم، يستحقّون به الأجرة، فعجبنا من استحضاره، ووساعة ذرعه، وامتداد حظّ كفايته.
قدومه على غرناطة: قدم عليها مع الجملة من قومه عند تغلب الدولة النصرية على بلدهم، ونزول البلاء والغلاء والمحنة بهم، والجلاء بهم في آخر عام خمسة
وسبعمائة، ويأتي التعريف بهم بعد إن شاء الله. وكان أوفر الدواعي في الاستعطاف لهم بما تقدّم بين يدي أدعيائهم، ودخولهم على السلطان، أن الذي تنخل بمثله السّخائم، وتذهب الإحن. وخطب لنفسه، فاستمرت حاله لطيف المنزلة، معروف المكانة، ملازما مجلس مدبّر الدولة، مرسوما بصداقته، مشتملا عليه ببرّه، إلى أن كان من تقلّب الحال، وإدالة الدولة، ما كان.
شعره: وشعره نمط عال، ومحلّ البراعة حال، لطيف الهبوب، غزير المائية، أنيق الديباجة، جمّ المحاسن؛ فمنه في مذهب المدح، يخاطب ذا الوزارتين أبا عبد الله بن الحكيم:
ملّكت رقيّ بالجمال فأجملوحكمت في قلبي بجورك فاعدل
أنت الأمير على الملاح ومن يجرفي حكمه إلّا جفونك يعزل
إن قيل أنت البدر فالفضل الذيلك بالكمال ونقصه لم يجهل
لولا الحظوظ لكنت أنت مكانهولكان دونك في الحضيض الأسفل
عيناك نازلتا القلوب فكلّهاإما جريح أو مصاب المقتل
هزّت ظباها بعد كسر جفونهافأصيب قلبي في الرّعيل الأول
ما زلت أعذل في هواك ولم يزلسمعي عن العذّال فيك بمعزل
أصبحت في شغل بحبك شاغلعن أن أصيخ إلى كلام العذّل
لم أهمل الكتمان لكن أدمعيهملت ولو لم تعصني لم تهمل
جمع الصحيحين الوفاء مع الهوىقلبي وأملى الدّمع كشف المشكل
ما في الجنوب ولا الشمال جواب ماأهدى إليك مع الصّبا والشّمال
خلسا له من طيب عرفك نفحةتجيء بها دماء عليلها المتعلل
إن كنت بعدي حلت عمّا لم أحلعنه وأهملت الذي لم أهمل
أو حالت الأحوال فاستبدلت بيفإنّ حبي فيك لم يستبدل
لا قيت بعدك ما لو أنّ أقلّهلاقى الثرى لأذاب صمّ الجندل
وحملت في حبّك ما لو حمّلتشمّ الجبال أخفّه لم تحمل
من حيف دهر بالحوادث مقدمحتى على حبس الهزبر المشبل
قد كنت منه قبل كرّ صروفهفوق السّنام فصرت تحت الكلكل
ونصول شيب قد ألمّ بلمّتيوخضاب أبي شيبة لم تنصل
ينوي الإقامة ما بقيت وأقسمتلا تنزل اللذات ما لم يرحل
ومسير ظعن ودان حميمهلاقى الحمام وإنّه لم يفعل
يطوي على جسدي الضلوع فقلبهبأواره يغلي كغلي المرجل
في صدره ما ليس في صدري لهمن مثله مثقال حبّة خردل
أعرضت عنه ولو أشفّ لذمّهشعري لجرّعه نقيع الحنظل
جلّيت في حلبات سبق لم يكنفيها مرتاح ولا بمؤمّل
ما ضرّه سبقيه في زمن مضىأنّ المجلّى فيه دون الفسكل
ساءته منّي عجرفيّة قلّبباق على مرّ الحوادث حوّل
متحرّق في البذل مدّة سيرهمتجلّد في عسره متجمّل
حتى يثوب له الغنى من ماجدبقضاء حاجات الكرام موكّل
مثل الوزير ابن الحكيم وما لهمثل يقوم مقامه متمثّل
ساد الورى بحديثه وقديمهفي الحال والماضي وفي المستقبل
من بيت مجد قد سمعت بقبابهأقيال لخم في الزمان الأوّل
سامي الدعائم طال بيت وزارةومشاجع وأبي الفوارس نهشل
يلقى الوفود ببسط وجه مشرقتجلو طلاقته هموم المجتلي
فلآملي جدواه حول فنائهلقط القطا الأسراب حول المنهل
وإذا نحى بالعدل فصل قضيةلم تحظ فصلا من إطالة مفصل
يقضي على سخب الخصوم وشغبهمويقيم مغريهم مقام المؤمل
ويلقّن الحج العييّ تحرّجامن رامح عند اللّجاج وأعزل
فإذا قضى صور المحقّ بحقّهعنه وحلّق عقابه بالمبطل
عجل على من يستحقّ مثوبةفإذا استحقّ عقوبة لم يعجل
يا كافي الإسلام كلّ عظيمةومعيده غضّا كأن لم يذبل
وقال أيضا يمدحه بقصيدة من مطوّلاته: وإنما اجتلبت من مدحه للوزير ابن الحكيم لكونه يمدح أديبا ناقدا، وبليغا بالكلام بصيرا، والإجادة تلزم فيه منظومه، إذ لا يوسع القريحة فيه عذرا، ولا يقبل من الطّمع قدرا، وهي:
أما الرّسوم فلم ترقّ لما بيواستعجمت عن أن تردّ جوابي
واستبدلت بوحوشها من أنسبيض الوجوه كواعب أتراب
ولقد وقفت بها أرقرق عبرةحتى اشتكى طول الوقوف صحابي
يبكي لطول بكاي في عرصاتهاصحبي ورجّعت الحنين ركابي
ومن شعره في المقطوعات غير المطوّلات:
لم يبق ذو عين لم يسبهوجهك من زين بلا مين
فلاح بينهما طالعاكأنه قمر بلا مين
ومن ذلك قوله:
كأنما الخال مصباح بوجنتههبّت عواصف أنفاسي فعطف
أو نقطة قطرت في الخدّ إذ رسمتخطّ الجمال بخطّ اللّام والألف
ومن ذلك قوله:
وعدتني أن تزور يا أمليفلم أزل للطريق مرتقبا
حتى إذا الشمس للغروب دنتوصيّرت من لجينها ذهبا
آنسني البدر منك حين بدالأنّه لو ظهرت لاحتجبا
ومن ذلك قوله:
هجركم ما لي عليه جلدفأعيدوا لي الرضى أو فعدوا
ما قسا قلبي من هجرانكمولقد طال عليه الأمد
ومن ذلك قوله:
أبدى عذارك عذري في الغرام بهوزادني شغفا فيه إلى شغف
كأنّه ظنّ أنّي قد نسيت لهعهدا فعرّض لي باللام والألف
ومما هو أطول من المزدوجات قوله:
ويوم كساه الدّجن دكن ثيابهوهبّ نسيم الروض وهو عليل
ولاحت بأفلاك الأفق كواكبلها في البدور الطّالعات أفول
وجالت جياد الرّاح بالرّاح جولةفلم تحل إلّا والوقار قتيل
ومن ذلك:
عذلوني فيمن أحبّ وقالوادبّ نمل العذار في وجنتيه
وكذا النّمل كلّما حلّ شيئامنع النّفس أن تميل إليه
قلت قبل العذار أعذر فيهثم من بعده ألام عليه
إنما دبّ نحو شهد بفيهفلذاك انتهى إلى شفتيه
وإحسانه كثير، ومثله لا يقنع منه بيسير.
وفاته: قال في «عائد الصلة»: «ولمّا كان من تغلّب الحال، وإدالة الدولة، وخلع الأمير، وقتل وزيره، يوم عيد الفطر من سنة سبع وسبعمائة، وانتهبت دار الوزير، ونالت الأيدي يومئذ، من شمله دهليز بابه، من أعيان الطبقات، وأولي الخطط والرّتب، ومنهم أبو العباس هذا، ﵀؛ فأفلت تحت سلاح مشهور، وحيّز مرقوف، وثوب مسلوف؛ فأصابته بسبب ذلك علّة أياما، إلى أن أودت به، فقضت عليه بغرناطة، في الثامن والعشرين لذي حجة من سنة سبع وسبعمائة؛ ودفن بمقبرة الغرباء من الرّبيط عبر الوادي تجاه قصور نجد، رحمة الله عليه».
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع