من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
أحمد بن الحسن بن علي بن الزيّات الكلاعي
من أهل بلّش مالقة، يكنى أبا جعفر، ويعرف بالزيّات، الخطيب، المتصوّف الشهير.
حاله: من «عائد الصلة»: كان جليل القدر، كثير العبادة، عظيم الوقار، حسن الخلق، مخفوض الجناح، متألّق البشر، مبذول المؤانسة، يذكّر بالسّلف الصالح في حسن شيمته وإعراب لفظه، مزدحم المجلس، كثير الإفادة، صبورا على الغاشية، واضح البيان، فارس المنابر غير مدافع، مستحقّ التصدّر في ذلك بشروط قلّما كملت عند غيره؛ منها حسن الصورة، وكمال الأبّهة، وجهوريّة الصوت، وطيب النّغمة، وعدم التّهيّب، والقدرة على الإنشاء، وغلبة الخشوع، إلى التفنّن في كثير من المآخذ العلمية، والرياسة في تجويد القرآن، والمشاركة في العربية، والفقه، واللغة، والأدب، والعروض، والمحاسّة في الأصلين، والحفظ للتفسير.
قال لي شيخنا أبو البركات بن الحاجّ، وقد جرى ذكر الخطابة: ما رأيت في استيفائها مثله. كان يفتح مجالس تدريسه أكثر الأحيان، بخطب غريبة، يطبّق بها مفاصل الأغراض، التي يشرع في التكلّم فيها، وينظم الشعر دائما في مراجعاته ومخاطباته، وإجازاته، من غير تأنّ ولا رويّة، حتى اعتاده ملكة بطبعه؛ واستعمل في السّفارة بين الملوك، لدحض السّخائم، وإصلاح الأمور، فكانوا يوجيون حقّه، ويلتمسون بركته، ويلتمسون دعاءه.
مشيخته: تحمّل العلم عن جملة؛ منهم خاله الفقيه الحكيم أبو جعفر أحمد بن علي المذحجي من أهل الحمّة، من ذوي المعرفة بالقرآن والفرائض. ومنهم القاضي أبو علي الحسين بن أبي الأحوص الفهري، أخذ عنه قراءة وإجازة. ومنهم العارف الرّباني أبو الحسن فضل بن فضيلة، أخذ عنه طريقة الصوفية وعليه سلك، وبه تأدّب، وبينهما في ذلك مخاطبات. ومنهم أبو الزهر ربيع بن محمد بن ربيع الأشعري، وأبو عبد الله محمد بن يحيى أخوه. ومنهم أبو الفضل عياض بن محمد بن عياض بن موسى، قرأ عليه ببلّش وأجاز له. ومنهم الأستاذ أبو جعفر بن الزبير، والأستاذ أبو الحسن التّجلي، وأبو محمد بن سماك، وأبو جعفر بن الطّباع، وأبو جعفر بن يوسف الهاشمي الطّنجلي، والأستاذ النحوي أبو الحسن بن الصّائغ، والكاتب الأديب أبو علي بن رشيق التّغلبي، والرّاوية أبو الحسن بن مستقور الطائي، والإمام أبو الحسن بن أبي الربيع، والأستاذ أبو إسحاق الغافقي الميربي، والإمام العارف أبو محمد عبد العظيم بن الشيخ البلوي، بما كان من إجازته العامّة لكل من أدرك عام أحد وأربعين وستمائة، وغير هؤلاء ممّن يشقّ إحصاؤهم.
تصانيفه: كثيرة، منها المسمّاة ب «المقام المخزون في الكلام الموزون»؛ والقصيدة المسمّاة ب «المشرف الأصفى في المأرب الأوفى» وكلاهما ينيف على الألف بيت؛ و «نظم السّلوك في شيم الملوك»، و «المجتنى النّضير والمقتنى الخطير»، و «العبارة الوجيزة عن الإشارة»، و «اللطائف الرّوحانية والعوارف الربّانية».
ومن تواليفه: «أسّ مبنى العلم، وأسّ معنى الحلم» في مقدمة علم الكلام، و «لذّات السمع من القراءات السّبع» نظما، و «رصف نفائس اللآلي، ووصف عرائس المعالي» في النحو، و «قاعدة البيان وضابطة اللسان» في العربية، و «لهجة اللّافظ وبهجة الحافظ»، والأرجوزة المسمّاة ب «قرّة عين السائل وبغية نفس الآمل» في اختصار السيرة النبوية، و «الوصايا النظامية في القوافي الثلاثية»، وكتاب «عدّة الداعي، وعمدة الواعي»، وكتاب «عوارف الكرم، وصلات الإحسان، فيما حواه العين من لطائف الحكم وخلق الإنسان»، وكتاب «جوامع الأشراف والعنايات، في الصّوادع والآيات»، و «النّفحة الوسيمة، والمنحة الجسمية »، تشتمل على أربع قواعد اعتقاديّة
وأصوليّة وفروعيّة وتحقيقيّة، وكتاب «شروف المفارق في اختصار كتاب المشارق»، و «تلخيص الدّلالة في تخليص الرسالة»، و «شذور الذّهب في صروم الخطب»، و «فائدة الملتقط وعائدة المغتبط»، وكتاب «عدّة المحقّ وتحفة المستحقّ».
نثره: من ذلك خطبة ألغيت الألف من حروفها، على كثرة تردّدها في الكلام وتصرّفها، وهي:
«حمدت ربي جلّ من كريم محمود، وشكرته عزّ من عظيم موجود، ونزّهته عن جهل كل ملحد كفور، وقدّسته عن قول كل مفسد غرور، كبير لو تقدم، في فهم نجد، قدير لو تصوّر في رسم لحد، لو عدته فكرة التصوّر لتصوّر، ولو حدته فكرة لتعذّر، ولو فهمت له كيفية لبطل قدمه، ولو علمت له كيفية لحصل عدمه، ولو حصره طرف لقطع بتجسّمه، ولو قهره وصف لصدع بتقسّمه، ولو فرض له شبح لرهقه كيف، ولو عرض له للحق عجل وريث. عظيم من غير تركّب قطر، عليم من غير ترتّب فكر، موجود من غير شيء يمسكه، معبود من غير وهم يدركه، كريم من غير عوض يلحقه، حكيم من غير عرض يلحقه، قوي من غير سبب يجمعه، عليّ من غير سبب يرفعه، لو وجد له جنس لعورض في قيموميته، ولو ثبت له حسّ لنوزع في ديموميّته».
ومنها: «تقدّس عن لمّ فعله، وتنزّه عن سمّ فضله، وجلّ عن ثمّ قدرته، وعزّ عن عمّ عزّته، وعظمت عن من صفته، وكثرت عن كم منّته؛ فتق ورتق، صوّر وحلق، وقطع ووصل، ونصر وخذل، حمدته حمد من عرف ربّه، ورهب ذنبه، وصفت حقيقة يقينه قلبه، وذكرت بصيرة دينه لبّه، قنهض لوعي بشروط نفضته وحدّ، وربط سلك سلوكه وشدّ، وهدم صرح عتوّه وهدّ، وحرس معقل عقله وحدّ، طرد غرور غرّته ورذله؛ علم علم تحقيق فنحا نحوه، وتفرّد له ﷿ بثبوت ربوبيّته وقدمه، ونعتقد صدور كلّ جوهر وعرض عن جوده وكرمه، ونشهد بتبليغ محمد صلّى ربّه عليه وسلّم، رسوله وخير خلقه، ونعلن بنهوضه في تبيين فرضه، وتبليغ شرعه، ضرب قبّة شرعه، فنسخت كلّ شرع، وجدّد عزيمته فقمع عدوّه خير قمع، قوّم كل مقوّم بقويم سمته، وكريم هديه، وبيّن لقومه كيف يركنون فوره بقصده، وسديد سعيه، بشّر مطيعه، فظفر برحمته؛ وحذّر عاصيه فشقي بنقمته.
«وبعد، فقد نصحتم لو كنتم تعقلون، وهديتم لو كنتم تعلمون، وبصّرتم لو كنتم تبصرون، وذكّرتم لو كنتم تذكرون. وظهرت لكم حقيقة نشركم وبرزت
لكم خبيئة حشركم، فلم تركضون في طلق غفلتكم، وتغفلون عن يوم بعثكم، وللموت عليكم سيف مسلول، وحكم عزم غير معلول، فكيف بكم يوم يؤخذ كلّ بذنبه؛ ويخبر بجميع كسبه؛ ويفرّق بينه وبين صحبه، ويعدم نصرة حزبه، ويشغل بهمّه وكربه، عن صديقه وتربه، وتنشر له رقعته وتعيّن له بقعته، فربح عبد نظر وهو في مهل لنفسه، وترسّل في رضى عمله جنّة لحلول رمسه، وكسر صنم شهوته ليقرّ في بحبوحة قدسه، وحصر بنظر ينزله سرير سروره بين عقله وجسمه».
ومنها: «فتنبّه ويحك من سنتك ونومك، وتفكّر فيمن هلك من صحبك وقومك، هتف بهم من تعلم، وشبّ عليهم منه حرق مظلم، فخرّبت بصيحته ربوعهم، وتفرّقت لهو له جموعهم، وذلّ عزيزهم، وخسىء رفيعهم، وصمّ سميعهم، فخرج كلّ منهم عن قصره، ورمي غير موسّد في قبره؛ فهم بين سعيد في روضته مقرّب، وبين شقيّ في حفرته معذّب، فنستوهب منه ﷿ عصمته من كل خطيئة، وخصوصيّة تقي من كل نفس جريئة».
كتب إلى شيخنا الوزير ابن ذي الوزارتين ابن الحكيم، جوابا عن مخاطبة كتبها إليه يلتمس منه وصايته ونصحه هذا الشعر:
جلّ اسم مولانا اللّطيف الخبيروعزّ في سلطانه عن نظير
هو الذي أوجد ما فوقهاوتحتها وهو العليم الخبير
ثم صلاة الله تترى علىياقوتة الكون البشير النذير
وصحبه الأولى نالوا مرأىيرجع منه الطّرف وهو الحسير
وبعد فأنفسهم جوهرللأرواح منه ما للأثير
فإنك استدعيت من ناصرنصحا طويلا وهو منه قصير
ولست أهلا أن أرى ناصحالقلّة الصدق وخبث الضمير
وإنما يحسن نصح الورىمن ليس للشّرع عليه نكير
ومستحيل أن يقود امرءايد امرئ واهي المباني ضرير
وا عجبا يلتمس الخير منمعتقل العقل مهيض كسير
لكن إذا لم يكن بدّ فعنجهد أوفّيك بتبر يسير
فالقنه إن كنت به قانعادرّا نظيما يزدري بالنثير
لازم أبا بكر على منهجذاك تفز منه بخير كثير
واقنع بما يكفي ودع غيرهفإنما الدنيا هباء نثير
بنيّ لا تخدعنّك هذي الدّنافإنها والله شيء حقير
أين المشيدات أما زلزلت؟أين أخو الإيوان أين السدير؟
أين أنو شروان أضحى كأنلم يك أين المعتدي أزدشير
هذا مقال من وعاه اهتدىوحيط من كل مخوف مبير
وصّى أبو بكر به أحمداوأحمد في الوقت شيخ كبير
انقرضت أيامه وانتهىوهنا ومن قبل أتاه النّذير
وها هو اليوم على عدّةمبرمه للشّرّ وما من عذير
ومن شعره في طريقه الذي كان ينتحله:
شهود ذاتك شيء عنك محجوبلو كنت تدركه لم يبق مطلوب
علو وسفل ومن هذا وذاك معادور على نقطة الإشراق منصوب
ومنزل النّفس منه ميم مركزهإن صحّ للغرض الظّنّي مرغوب
وإن تناءت مساويها فمنزلهاأوج الكمال وتحت الروح تقليب
والروح إن لم تخنه النّفس قام لهفي حضرة الملك تخصيص وتقريب
ومن شعره:
دعني على حكم الهوى أتضرّعفعسى يلين لنا الحبيب ويخشع
إني وجدت أخا التضرّع فايزابمراده ومن الدّعا ما يسمع
أهلا وما شيء بأنفع للفتىمن أن يذلّ عسى التذلّل ينفع
وامح اسم نفسك طالبا إثباتهواقنع بتفريق لعلّك تجمع
واخضع فمن دأب المحبّ خضوعهولربما نال المنى من يخضع
ومن شعره:
ما لي بباب غير بابك موقفكلّا ولا لي عن فنائك مصرف
هذا مقامي ما حييت فإن أمتفالذلّ مأوى للضراعة مألف
غرضي وأنت به عليم لمحةتذر الشّتيت الشّمل وهو مؤلّف
وعليك ليس على سواك معوّليجاروا عليّ لأجل ذا أو أنصفوا
ومن المقطوعات في التجنيس:
يقال خصال أهل العلم ألفومن جمع الخصال الألف سادا
ويجمعها الصّلاح فمن تعدّىمذاهبه فقد جمع الفسادا
ومنه في المعنى:
إن شئت فوزا بمطلوب الكرام غدافاسلك من العمل المرضيّ منهاجا
واغلب هوى النّفس لا تغررك خادعةفكلّ شيء يحطّ القدر منها جا
دخوله غرناطة: دخل غرناطة مرارا عدة تشذّ عن الحصر، أوجبتها الدّواعي بطول عمره، من طلب العلم وروايته، وحاجة عامّة، واستدعاء سلطان، وقدوم من سفارة. كان الناس ينسالون عليه ويغشون منزله، فيما أدركت، كلما تبوّأ ضيافة السلطان، تبرّكا به، وأخذا عنه.
مولده: ولد ببلّش بلده في حدود تسع وأربعين وستمائة.
وفاته: توفي ببلّش سحر يوم الأربعاء السابع عشر من شوّال عام ثمانية وعشرين وسبعمائة. وممّن رثاه شيخنا، نسيج وحده، العالم الصالح الفاضل، أبو الحسن بن الجيّاب بقصيدة أولها:
على مثله خضابة الدهر فاجعتفيض نفوس لا تفيض المدامع
ورثاه شيخنا القاضي أبو بكر بن شبرين، ﵀، بقصيدة أولها:
أيساعد رائده الأملأم يسمع سائله الطّلل؟
يا صاح، فديتك، ما فعلذا من الأحباب وما فعلوا؟
فأجاب الدمع مناديهأمّا الأحباب فقد رحلوا
ورثاه من هذه البلدة طائفة، منهم الشيخ الأديب أبو محمد بن المرابع الآتي اسمه في العيادة له، بحول الله، بقصيدة أولها:
أدعوك ذا جزع لو أنّك سامعماذا أقول ودمع عيني هامع
وأنشد خامس يوم دفنه قصيدة أولها:
عبرات تفيض حزنا وثكلاوشجون تعمّ بعضا وكلّا
ليس إلّا صبابة أضرمتهاحسرة تبعث الأسى ليس إلّا
وهي حسنة طويلة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع