من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
حفصة بنت الحاج الرّكوني
من أهل غرناطة، فريدة الزمان في الحسن، والظّرف، والأدب، واللّوذعيّة؛ قال أبو القاسم: كانت أديبة، نبيلة، جيّدة البديهة، سريعة الشعر.
بعض أخبارها: قال الوزير أبو بكر بن يحيى بن محمد بن عمر الهمداني:
رغبت أختي إلى حفصة أن تكتب شيئا بخطها فكتبت:
يا ربّة الحسن، بل يا ربّة الكرمغضّي جفونك عمّا خطّه قلمي
تصفّحيه بلحظ الودّ منعمةلا تحفلي بقبيح الخطّ والكلم
قال أبو الحسن بن سعيد، وقد ذكر أنهما باتا بحوز مؤمّل في جنّة له هنالك على ما يبيت عليه أهل الظّرف والأدب، قال:
رعى الله ليلا لم يرع بمذمّمرعانا ووارانا بحوز مؤمّل
وقد نفحت من نحو نجد أريجةإذا نفحت هبّت بريح القرنفل
وغرّد قمريّ على الدّوح وانثنىقضيب من الرّيحان من فوق جدول
يرى الرّوض مسرورا بما قد بدا له:عناق وضمّ وارتشاف مقبّل
فقالت:
لعمرك ما سرّ الرياض وصالناولكنه أبدى لنا الغلّ والحسد
ولا صفّق النّهر ارتياحا لقربناولا صدح القمريّ إلّا لما وجد
فلا تحسن الظّنّ الذي أنت أهلهفما هو في كل المواطن بالرّشد
فما خلت هذا الأفق أبدى نجومهلأمر سوى كي ما تكون لنا رصد
قال أبو الحسن بن سعيد: وبالله ما أبدع ما كتبت به إليه وقد بلغها أنه علق بجارية سوداء أسعت له من بعض القصور، فاعتكف معها أياما وليالي، بظاهر غرناطة، في ظلّ ممدود، وطيب هوى مقصور وممدود:
يا أظرف الناس قبل حالأوقعه نحوه القدر
عشقت سوداء مثل ليلبدائع الحسن قد ستر
لا يظهر البشر في دجاهاكلّا ولا يبصر الخفر
بالله قل لي وأنت أدرىبكلّ من هام في الصّور
من الذي هام في جنانلا نور فيه ولا زهر؟
فكتب إليها بأظرف اعتذار، وألطف أنوار:
لا حكم إلّا لأمر ناهله من الذنب يعتذر
له محيّا به حياتيأعيذ مجلاه بالسّور
كضحوة العيد في ابتهاجوطلعة الشّمس والقمر
بسعده لم أمل إليه إلّااطّرافا له خبر
عدمت صبحي فاسودّ عشقيوانعكس الفكر والنّظر
إن لم تلح يا نعيم روحيفكيف لا تفسد الفكر؟
قال: وبلغنا أنه خلا مع حاتم وغيره من أقاربهم، لهم طرب ولهو، فمرّت على الباب مستترة، وأعطت البوّاب بطاقة فيها مكتوب:
زائر قد أتى بجيد غزالطامع من محبّه بالوصال
أتراكم بإذنكم مسعفيهأم لكم شاغل من الأشغال؟
فلمّا وصلت الرّقعة إليه، قال: وربّ الكعبة، ما صاحب هذه الرّقعة إلّا الرّقيعة حفصة؛ ثم طلبت فلم توجد، فكتب إليها راغبا في الوصال والأنس
الموصول:
أيّ شغل عن الحبيب يعوقيا صباحا قد آن منه الشّروق
صل وواصل فأنت أشهى إلينامن جميع المنى فكم ذا نشوق
بحياة الرّضى يطيب صبوحعرفا إن جفوتنا أو غبوق
لا وذلّ الهوى وعزّ التلاقيواجتماع إليه عزّ الطريق
وذكرها الأستاذ في «صلته»، فقال: وكانت أستاذة وقتها، وانتهت إلى أن علّمت النساء في دار المنصور؛ وسألها يوما أن تنشده ارتجالا فقالت:
امنن عليّ بصكّيكون للدّهر عدّه
تخطّ يمناك فيه:الحمد لله وحده
قال: فمنّ عليها، وحرّز لها ما كان لها من ملك.
وفاتها: قالوا: توفيت بحضرة مرّاكش في آخر سنة ثمانين أو إحدى وثمانين وخمسمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع