تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

الخضر بن أحمد بن الخضر بن أبي العافية

من أهل غرناطة، يكنى أبا القاسم.

حاله: من كتاب «عائد الصلة»: كان، ﵀، صدرا من صدور القضاة، من أهل النظر والتقييد، والعكوف على الطّلب، مضطلعا بالمسائل، مسائل الأحكام؛ مهتديا لمظنّات النّصوص، نسخ بيده الكثير، وقيّد على الكثير من المسائل، حتى عرف فضله، واستشاره الناس في المشكلات. وكان بصيرا بعقد الشروط، ظريف الخطاب، بارع الأدب، شاعرا مكثرا، مصيبا غرض الإجادة.

وتصرّف في الكتابة السلطانية، ثم في القضاء، وانتقل في الولايات الرفيعة النّبيهة.

وجرى ذكره في «التّاج المحلّى» بما نصّه:

«فارس في ميدان البيان، وليس الخبر كالعيان؛ وحامل لواء الإحسان، لأهل هذا الشّان؛ رفل في حلل البدائع فسحب أذيالها، وشعشع أكواس العجائب فأدار جريالها، واقتحم على الفحول أغيالها، وطمح إلى الغاية البعيدة فنالها، وتذوكرت المعضلات فقال: أنا لها. عكف واجتهد، وبرز إلى مقارعة المشكلات ونهد، فعلّم وحصّل، وبلغ الغاية وتوصّل؛ وتولّى القضاء، فاضطلع بأحكام الشّرع، وبرع في معرفة الأصل والفرع، وتميّز في المسائل بطول الباع، وسعة الذّراع؛ فأصبح صدرا في مصره، وغرّة في صفحة عصره. وسيمرّ في بديع كلامه، وهثّات أقلامه، وغرر إبداعه، ودرر اختراعه، ما يستنير لعلم الحليم، وتلقي له البلغاء يد التسليم».

شعره: قال في غرض الحكمة والأمثال:

عزّ الهوى نقصان والرأي الذيينجيك منه، إذا ارتأيت مروما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
فإذا رأيت الرأي يتّبع الهوىخالف وفاقهما تعدّ حكيما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
وكيف تخاف من الحليم مداجياخف من نصيحك ذي السّفاهة شوما
واحذر معاداة الرجال توقّيامنهم ظلوما كنت أو مظلوما
فالناس إما جاهل لا يتّقيعارا ولا يخشى العقوبة لوما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
أو عاقل يرمي بسهم مكيدةكالقوس ترسل سهمها مسموما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
فاحلم عن القسمين تسلم منهماوتسد فتدعى سيّدا وحليما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
ودع المعاداة التي من شأنهاأن لا تديم على الصّفاء قديما
أبت المغالبة الوداد فلا تكنممّن يغالب ما حييت نديما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
وإذا منيت بقربه فاخفض جناح الذّلّ واخضع ظاعنا ومقيما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
إنّ الغريب لكالقضيب محايرإن لم يمل للريح عاد رميما
وارع الكفاف ولا تجاوز حدّهما بعده يجني عليك هموما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
وابسط يديك متى غنيت ولا تكنفيما يكون به المديح ذميما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
وإذا بذلت فلا تبذّر إنّ ذا التبذير يومئذ أخوه رجيما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
وعف الورود إذا تزاحم موردواحسب ورود الماء منه حميما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
واصحب كريم الأصل ذا فضل فمنيصحب لئيم الأصل عدّ لئيما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
فالفضل من لبس الكرام فمن عرىعنه فليس لما يقول كريما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
إنّ المقارن بالمقارن يفتديمثل جرى جري الرياح قديما
وجماع كلّ الخير في التّقوى فلاتعدم حلى التّقوى تعدّ عديما
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة

وقال يصف الشّيب من قصيدة، وهي طويلة؛ أولها:

لاح الصباح، صباح شيب المفرقفاحمد سراك نجوت ممّا تتّقي
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
هي شيبة الإسلام فاقدر قدرهاقد أعتقتك وحقّ قدر المعتق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
خطّت بفودك أبيضا في أسودبالعكس من معهود خطّ مهرق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
كالبرق راع بسيفه طرف الدّجىفأعار دهمته شتات الأبلق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
كالفجر يرسل في الدّجنّة خيطهويجرّ ثوب ضيائه بالمشرق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
كالماء يستره بقعر طحلبفتراه بين خلاله كالزّئبق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
كالحيّة الرقشاء إلّا أنهلا يبرأ الملسوع منه إذا رقي
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
كالنّجم عدّ لرجم شيطان الصّبايا ليت شيطان الصّبا لم يحرق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
كالزّهر إلّا أنه لم يستنمإلّا بغصن ذابل لم يورق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
كتبسّم الزّنجيّ إلّا أنهيبكي العيون بدمعه المترقرق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
وكذا البياض قذى العيون ولا ترىللعين أبكى من بياض المفرق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
ما للغواني وهو لون خدودهايجزعن من لألائه المتألّق
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «ما للغواني وهو لون خدودها»
وأخلته لمع السّيوف ومن يشملمع السّيوف على المفارق يفرق
هو ليس ذاك ولا الذي أنكرتهكن خائفا ما خفن منه واتّق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
داء يعزّ على الطبيب دواؤهويضيع خسرا فيه مال المنفق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
لكنه والحقّ أصدق مقولشين المسيء الفعل زين المتّقي
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة

ومن مقطوعاته قوله:

أقلّي فما الفقر بالمرء عارولا دار من يألف الهون دارا
وما يكسب العزّ إلّا الغنىغنى النّفس فلتتّخذه شعارا
وما اجتمع الشّمل في غيرهفيحسن إلّا وساء انتشارا
فزهرة غيرك لا تنظريفيألم قلبك منه انكسارا
وهزّي إليك بجذع الرّضىتساقط عليك الأماني ثمارا

وقال أيضا:

العلم حسن وزينوالجهل قبح وشين
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
والمال عزّ وعيشوالفقر ذلّ وحين
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
والناس أعضاء جسمفمنهم است وعين
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
هذي مقالة حقّما في الذي قلت مين
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة

وقال أيضا:

إن أراك الزمان وجها عبوسافستلقاه بعد ذلك طلقا
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
لا يهمّنك حاله إنّ في طرفة عين ترتاح فيه وتشقى
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
أيّ عزّ رأيت أو أيّ ذلّلذوي الحالتين في الدهر يبقى
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
سل نجوم الدّجى إذا ما استنارتما الذي في وقت الظّهيرة تلقى
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
وتفكّر وقل بغير ارتيابكلّ شيء يفنى وربّك يبقى
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة

وقال أيضا:

لو أنّ أيام الشّباب تعود ليعود النّضارة للقضيب المورق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
ما إن بكيت على شباب قد ذوىوبقيت منتظرا لآخر مونق
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة

وقال في القلم:

لك القلم الأعلى الذي طال فخرهوإن لم يكن إلّا قصيرا مجوّفا
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
تعلّم منه الناس أبدع حكمةفها هو أمضى ما يكون محرّفا
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة

وقال في التشبيه:

كأنما السّوسن الغضّ الذي افتتحتمنه كمائمه المبيضّة اللون
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
بنان كفّ فتاة قطّ ما خضبتتلقى بها من يراها خيفة العين
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة

وقال يعرّض بقوم من بني أرقم:

إذا ما نزلت بوادي الأشىفقل ربّ من لدغه سلّم
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
وكيف السلامة في موطنبه عصبة من بني أرقم؟
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة

وقال موريا بالفقه، وهو بديع:

لي دين على الليالي قديمثابت الرّسم منذ خمسين حجّه
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
أفأعدى بالحكم بعد عليها؟أم لها في تقادم الدّهر حجّه؟

ونختم مقطوعاته بقوله:

نجوت بفضل الله ممّا أخافهولم لا وخير العالمين شفيع؟
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
وما ضعت في الدنيا بغير شفاعةفكيف إذا كان الشفيع أضيّع؟
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة

وقال أيضا:

عليك بتقوى الله فيما ترومهمن الأمر تخلص بالمرام وبالأجر
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
ولا ترج غير الله في نيل حاجةولا دفع ضرّ في سرار ولا جهر
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة
فمن أمّ غير الله أشرك عاجلاوفارقه إيمانه وهو لا يدري
للشاعر الخضر ابن أبي العافية، اقرأ القصيدة

وفاته: توفي قاضيا ببرجة، وسيق إلى غرناطة، فدفن بباب إلبيرة عصر يوم الأربعاء آخر يوم من ربيع عام خمسة وأربعين وسبعمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.