تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن أحمد ابن محمد بن نصر بن قيس الخزرجي

ثالث الملوك من بني نصر، يكنى أبا عبد الله.

أوّليّته: معروفة.

حاله: كان من أعاظم أهل بيته، صيتا وهمّة، أصيل المجد، مليح الصورة، عريق الإمارة، ميمون النّقيبة، سعيد النّصبة، عظيم الإدراك؛ تهنّأ العيش مدة أبيه، وتملّى السياسة في حياته، وباشر الأمور بين يديه، فجاء نسيج وحده إدراكا، ونبلا، وفخارا، وشأوا. ثم تولّى الأمر بعد أبيه فأجراه على ديدنه؛ وتقيّل سيرته، ونسج على منواله. وقد كان الدهر ضايقه في حصّته، ونغّصه ملاذّ الملك بزمانة سدكت بعينيه لمداخلة السّهر، ومباشرة أنوار ضخام الشمع، إذ كانت تتّخذ له منها جذوع في أجسادها مواقيت تخبر بانقضاء ساعات الليل، ومضيّ الرّبع، وعلى التزامه لكنّه وغيبوبته في كسر بيته، فقد خدمته السّعود، وأمّلت بابه الفتوح، وسالمته الملوك، وكانت أيامه أعيادا. وكان يقرض الشعر ويصغي إليه ويثيب عليه، فيجيز الشعراء، ويرضخ للندماء، ويعرف مقادير العلماء، ويواكل الأشراف والرؤساء، ضاربا في كل إصلاح بسهم، مالئا من كل تجربة وحنكة، حارّ النّادرة، حسن التوقيع، مليح الخطّ، تغلب عليه الفظاظة والقسوة.

شعره: كان له شعر مستظرف من مثله، لا بل يفضل به الكثير ممّن ينتحل الشعر من الملوك. ووقعت على مجموع له، ألّفه بعض خدّامه، فنقلت من مطوّلاته:

واعدني وعدا وقد أخلفاأقلّ شيء في المليح الوفا
وحال عن عهدي ولم يرعهما ضرّه لو أنّه أنصفا
ما بالها لم تتعطّف علىصبّ لها ما زال مستعطفا
يستطلع الأنباء من نحوهاويرقب البرق إذا ما هفا
خفيت سقما عن عيون الورىوبان حبّي بعد ما قد خفا
لله كم من ليلة بتّهاأدير من ذاك اللّمى قرقفا
متّعتني بالوصل منها وماأخلفت وعدا خلت أن يخلفا

ومنها:

ملّكتك القلب وإني امرؤعليّ ملك الأرض قد وقّفا
أوامري في الناس مسموعةوليس منّي في الورى أشرفا
يرهف سيفي في الوغى مصلتاويتّقى عزمي إذا ما أرهفا
وترتجى يمناي يوم النّدىتخالها السّحب غدت وكفا
نحن ملوك الأرض من مثلناحزنا تليد الفخر والمطرفا
نخاف إقداما ونرجى ندىلله ما أرجى وما أخوفا
لي راية في الحرب كم غادرتربع العدا قاعا بها صفصفا
يا ليت شعري والمنى جمّةوالدّهر يوما هل يرى منصفا
هل يرتجي العبد تدانيكمأو يصبح الدهر له مسعفا

مناقبه: وأعظم مناقبه المسجد الجامع بالحمراء، على ما هو عليه، من الظرف والتنجيد، والتّرقيش، وفخامة العمد، وإحكام أتوار الفضة، وإبداع ثراها، ووقف عليه الحمّام بإزائه، وأنفق فيه مال الجزية، وأغرمها لمن يليه من الكفّار، فدوا به زرعا، نهد إليه صائفته لانتسافه، وقد أهمّتهم فتنة، فظهر بها منقبة يتيمة، ومعلوّة فذّة، فاق بها من تقدّمه، ومن تأخّره من قومه.

جهاده: أغزى الجيش لأول أمره مدينة المنظر، فاستولى عليها عنوة، وملك من احتوت عليه المدينة، ومن جملتهم الزّعيمة صاحبة المدينة، من أفراد عقائل الروم، فقدمت الحضرة في جملة السّبي، نبيهة المركب، ظاهرة الملبس، رائقة الجمال، خصّ بها ملك المغرب، فاتّخذها لنفسه، وكان هذا الفتح عظيما، والصّيت بمزايه عظيما بعيدا. أنشدني.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.