تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

من كان على عهده من الملوك بأقطار المسلمين والنصارى

فبفاس، السلطان الكبير، الشهير، الجواد، خدن العافية، وحلف السعادة، وبحر الجود، وهضبة الحلم، أبو سعيد عثمان بن أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، الذي بذل المعروف، وقرّب الصلحاء والعلماء، وأدنى مكانهم، وأعمل إشارتهم، وأوسع بأعطيته المؤمنين المسترفدين، وعظم قدره، واشتهر في الأقطار صيته، وفشا

معروفه، وعرفت بالكفّ عن الدماء والحرمات عفّته، إلى أن توفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة عام أحد وثلاثين وسبعمائة. ثم صار الأمر إلى ولده السلطان، مقتفي سننه في الفضل والمجد، وضخامة السلطان، مبرّا عليه بالبأس المرهوب، والعزم الغالب، والجدّ الذي لا يشوبه هزل، والاجتهاد الذي لا تتخلّله راحة، الذي بعد مداه، وأذعن لصولته عداه، واتصلت ولايته مدته، ومعظم مدة أخيه الوالي بعده.

وبتلمسان الأمير عبد الرحمن بن موسى بن يغمراسن، من بني عبد الواد، مشيّد القصور، ومروّض الغروس، ومتبنّك التّرف، واتّصل إلى تمام مدته، وصدرا من مدة أخيه بعده.

وبتونس الأمير أبو يحيى، أبو بكر بن الأمير أبي زكريا بن الأمير أبي إسحاق لبنة تمام قومه، وصقر الجوارح من عشّه، وسابق الجياد من حلبته، إلى تمام المدة، وصدرا كبيرا من دولة أخيه بعده.

ومن ملوك النصارى، ملك على عهده الجفرتين القنيطية والتاكرونية، الطاغية المرهوب الشّبا، المسلط على دين الهدى، ألهنشة بن هراندة بن شانجه بن ألفنش بن هراندة، الذي احتوى على كثير من بلاد المسلمين حتى الجفرتين. واتصلت أيامه إلى أخريات أيام أخيه، وأوقع بالمسلمين على عهده، وتملّك الجزيرة الخضراء وغيرها.

وبرغون، ألفنش بن جايمش بن ألفنش بن بطره بن جايمش الذي استولى على بلنسية، ودام إلى آخر مدته، وصدرا من مدة أخيه. وقد استقصينا من العيون أقصى ما سحّ به الاستقصاء، وما أغفلناه أكثر، ولله الإحاطة.

مولده: في الثامن من شهر المحرم من عام خمسة عشر وسبعمائة.

وفاته: وإلى هذا العهد مات؛ وغرت عليه من رؤوس الجند، من قبائل العدوة، الصّدور، وشحنت عليه القلوب غيظا؛ وكان شرها لسانه، غير جزوع ولا هيّاب، فربما يتكلّم بملء فيه من الوعيد الذي لا يخفى على المعتمد به. وفي ثاني يوم من إقلاع الطاغية من الجبل، وهو يوم الأربعاء الثاني عشر من ذي حجة، وقد عزم على ركوب البحر من ساحل مربلة، فهو مع وادي ياروا من ظاهر جبل الفتح، تخفيفا للمؤونة، واستعجالا للصّدور، وقد أخذت على حركته المراصد؛ فلمّا توسّط كمين القوم، ثاروا إليه وهو راكب بغلا أثابه به ملك الروم، فشرعوا في عتبه بكلام غليظ، وتأنيب قبيح، وبدأوا بوكيله فقتلوه، وعجّل بعضهم بطعنه، وترامى عليه مملوك من مماليك أبيه، زنمة من أخابيث العلوج يسمّى زيانا، صونع على مباشرة الإجهاز عليه، فقضى لحينه بسفح الربوة الماثلة، يسرة العابر للوادي ممّن يقصد جبل الفتح، وتركوه بالعراء بادي البوار، مسلوب البزّة، سييء المصرع، قد عدت عليه نعمه، وأوبقه سلاحه، وأسلمه أنصاره وحماته.

ولمّا فرغ القوم من مبايعة أخيه السلطان أبي الحجاج، صرفت الوجوه يومئذ إلى دار الملك، ونقل القتيل إلى مالقة، فدفن على حاله تلك برياض تجاور منية السّيد، فكانت وفاته ضحوة يوم الأربعاء الثالث عشر لذي حجة من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة. وأقيمت على قبره بعد حين قبّة، ونوّه بقبره. وهو اليوم ماثل رهن غربة، وجالب عبرة، جعلنا الله للقائه على حذر وأهبة، وبلوح الرخام الماثل عند رأسه مكتوب:

هذا قبر السلطان الأجلّ، الملك الهمام، الأمضى الباسل، الجواد ذي المجد الأثيل، والملك الأصيل، المقدّس، المرحوم، أبي عبد الله محمد بن السلطان الجليل؛ الكبير، الرفيع، الأوحد، المجاهد، الهمام، صاحب الفتوح المسطورة، والمغازي المشهورة، سلالة أنصار النبي، ﷺ، أمير المؤمنين، وناصر الدين، الشهيد، المقدّس، المرحوم أبي الوليد بن فرج بن نصر، قدّس الله روحه وبرّد ضريحه. كان مولده في الثاني لمحرم عام خمسة عشر وسبعمائة، وبويع في اليوم الذي استشهد فيه والده ﵁ السادس والعشرين لرجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة، وتوفي ﵀ في الثالث عشر لذي حجة من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، فسبحان من لا يموت:

يا قبر سلطان الشجاعة والنّدىفرع الملوك الصيد أعلام الهدى
وسلالة السّلف الذي آثارهوضّاحة لمن اقتدى ومن اهتدى
سلف لأنصار النبيّ نجارهقد حلّ منه في المكارم محتدا
متوسّط البيت قد أسّستهـ سادة الأملاك أوحد أوحدا
بيت بناه محمّدون ثلاثةمن آل نصر أورثوه محمّدا
أودعت وجها قد تهلّل حسنهبدرا بآفاق الجلالة قد بدا
وندّا يسحّ على العفاة مواهبامثنى الأيادي السابغات وموحدا
يبكيك مذعور بك استعدى علىأعدائه فسقيتهم كأس الردى
يبكيك محتاج أتاك مؤمّلافغدا وقد شفعت يداك له اليدا
أمّا سماحك فهو أسنى ديّةأما جلالك فهو أسمى مصعدا
جادت ثراك من الإله سحابةلرضاه عنك تجود هذا المعهدا

[وشرّ ما تبع هذا السلطان تواطؤ قتلته من بني أبي العلاء وأصهارهم وسواهم من شيوخ خدّامه، كالوكيل في مدة أخيه بعد، الشيخ الذهول مسافر بن حركات وسواه، على اكتتاب عقد بعد وفاته، بأمور من القول تقدح في أصل الديانة، وأغراض تقتضي إلى الوهن في الدّين، وهنات تسوّغ إراقة دمه الذي

توفّرت الدواعي على حياطته، والذّبّ عنه، تولّى كبرها شيخنا أبو الحسن بن الجيّاب، مرتكبا منها وصمة محت على غرر فضله إلى كثير من خدّامه ومماليكه، وبعثوا بها إلى ملك المغرب، فاقتطعت جانب التمهيل والتأخير واللبث عن الحكم، والتعليل عن السّماع، وبروز الأغراض، واتّباع السيئة أمثالها. وقد كان، ﵀، من الجهاد وإقامة رسم الدين، بحيث تزلّ عن هذه الهنات صفاته، وتنكر هذه المذمّات صفاته، وكان بمكان من العزّ، وإرسال السّجية، ربما عذله الشيخ في بعض الأمر، فيسجم إضجارا وتمليحا بإخراجه؛ ولم يمرّ إلّا الزمان اليسير؛ وأوقع الله بالعصبة المتمالئة عليه من أولاد عبد الله، فسفتهم رياح النّكبات، واستأصلت نعمهم أيدي النّقمات، ولم تقم لهم من بعد ذلك قائمة، والله غالب على أمره].

وتبعت هذا السلطان نفوس أهل الحرية، ممّن له طبع رقيق، وحسّ لطيف؛ ووفاء كريم، ممّن كان بينه وبين سطوته دفاع؛ وفي جوّ اعتقاده له صفاء؛ فصدرت مراث مؤثرة، وأقاويل للشجون مهيجة، نثبت منها يسيرا على العادة. فمن ذلك ما نظمه الشيخ الكاتب القاضي أبو بكر بن شبرين؛ وكان على فصاحة ظرفه، وجمال روايته، غراب قربه، ونائحة مأتمه، يرثيه ويعرّض ببعض من حمل عليه من ناسه وخدّامه:

استقلّا ودعانيطائفا بين المغاني
للشاعر ابن شبرين الجذامي، اقرأ القصيدة
وانعما بالصبر إنيلا أرى ما تريان
للشاعر ابن شبرين الجذامي، اقرأ القصيدة

ومن قوله:

عين بكي لميّت غادروهفي ثراه ملقى وقد غدروه
للشاعر ابن شبرين الجذامي، اقرأ القصيدة
دفنوه ولم يصلّ عليهأحد منهم ولا غسّلوه
للشاعر ابن شبرين الجذامي، اقرأ القصيدة
إنما مات يوم مات شهيدافأقاموا رسما ولم يقصدوه

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.