تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

محمد بن إبراهيم بن علي بن باق الأموي

مرسي الأصل، غرناطي النشأة، مالقي الإسكان، يكنى أبا عبد الله.

حاله: من عائد الصلة: كان، رحمه الله تعالى، كاتبا أديبا ذكيّا، لوذعيّا، يجيد الخطّ، ويرسل النادرة، ويقوم على العمل، ويشارك في الفريضة.

وبذّ السّبّاق في الأدب الهزلي المستعمل بالأندلس. عمر زمانا من عمره، محارفا للفاقة، يعالج بالأدب الكدية، ثم استقام له الميسم، وأمكنه البخت من امتطاء غاربه، فأنشبت الحظوة فيه أناملها بين كاتب وشاهد ومحاسب ومدير تجر، فأثرى ونما ماله، وعظمت حاله، وعهد عندما شارف الرحيل بجملة تناهز الألف من العين، لتصرف في وجوه من البرّ، فتوهّم أنها كانت زكاة امتسك بها.

وجرى ذكره في التاج بما نصّه: مدير أكواس البيان المعتّق، ولعوب بأطراف الكلام المشقّق، انتحل لأول أمره الهزل من أصنافه، فأبرز درّ معانيه من أصدافه، وجنى ثمرة الإبداع لحين قطافه. ثم تجاوزه إلى المعرّب وتخطّاه، فأدار كأسه المترع وعاطاه، فأصبح لفنّيه جامعا، وفي فلكيه شهابا لامعا، وله ذكاء يطير شرره، وإدراك تتبلّج غرره، وذهن يكشف الغوامض، ويسبق البارق الوامض»

، وعلى ذلاقة لسانه، وانفساح أمد إحسانه، فشديد الصّبابة بشعره، مغل لسعره.

شعره: أخبرني الكاتب أبو عبد الله بن سلمة، أنه خاطبه بشعر أجابه عنه بقوله، في رويّه:

أحرز الخصل من بني سلمهكاتب تخدم الظّبا قلمه
يحمل الطّرس عن أناملهأثر الطّرس كلّما رقمه
وتمدّ البيان فكرتهمرسلا حيث يمّمت ديمه
خصّني متحفا بخمس إذابسم الرّوض فقن مبتسمه
قلت أهدى زهر الرّبا خضلافإذا كلّ زهرة كلمه
أقسم الحسن لا يفارقهافأبرّ انتقاؤها قسمه
خطّ أسطارها ونمّقهافأتت كالقعود منتظمه
كاسيا من حلاه لي حللارسمها من بديع ما رسمه
طالبا عند عاطش نهلاولديه الغيوث منسجمه
يبتغي الشّعر من أخي بلهأخرس العيّ والقصور فمه
أيها الفاضل الذي حمدتألسن المدح والثّنا شيمه
لا تكلّف أخاك مقترحانشر عار لديه قد كتمه
وابق في عزّة وفي دعةصافي العيش واردا شبمه
ما ثنى الغصن عطفه طرباوشدا الطير فوقه نغمه

مشيخته: قرأ على الأستاذ أبي جعفر بن الزّبير، والخطيب أبي عثمان بن عيسى.

وفاته: توفي بمالقة في اليوم الثامن والعشرين لمحرم عام اثنين وخمسين وستمائة، وأوصى بعد أن حفر قبره بين شيخيه الخطيبين أبي عبد الله الطّنجالي وأبي عثمان بن عيسى، أن يدفن به، وأن يكتب على قبره هذه الأبيات:

ترحّم على قبر ابن باق وحيّهفمن حقّ ميت الحيّ تسليم حيّه
وقل آمن الرحمن روعة خائفلتفريطه في الواجبات وغيّه
قد اختار هذا القبر في الأرض راجيامن الله تخفيفا بقرب وليّه
فقد يشفع الجار الكريم لجارهويشمل بالمعروف أهل نديّه
وإني بفضل الله أوثق واثقوحسبي وإن أذنبت حبّ نبيّه

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.