من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد الهمداني
من أهل وادي آش، يكنى أبا القاسم ويعرف بابن البرّاق.
حاله: قال ابن عبد الملك: كان محدّثا حافظا، راوية مكثرا، ثقة ضابطا، شهر بحفظ كتب كثيرة من الحديث وغيره، ذا نظر صالح في الطّبّ، أديبا بارعا، كاتبا بليغا، مكثرا لجيّده، سريع البديهة في النظم والنثر، والأدب أغلب عليه. قال أبو القاسم ابن المواعيني: ما رأيت في عباد الله أسرع ارتجالا منه.
مشيخته: روى عن أبي بحر يوسف بن أحمد بن أبي عيشون، وأبي بكر بن زرقون، وابن قيد، وابن إبراهيم بن المل، وابن النّعمة وصحبه، ولقيه بمرّاكش، ووليد بن موفق، وأبي عبد الله بن يوسف بن سعادة، ولازمه أزيد من ست سنين وأكثر عنه، وابن العمرسي، وأبي العباس بن إدريس، والخرّوبي، وتلا عليه بالسّبع،
وأكثر عنه، وعرض عليه من حفظه كثيرا، وابن مضاء، وأبي علي بن عرب، وأبي القاسم بن حبيش، وابن عبد الجبار، وأبي محمد بن سهل الضرير، وعاشر وقاسم بن دحمان، وأبي يوسف بن طلحة. وأجاز له أبو بكر بن العربي، وابن خير، وابن مندلة، وابن تمارة، وأبو الحسن شريح، وابن هذيل، ويونس بن مغيث، وأبو الجليل مفرج بن سلمة، وأبو عبد الله حفيد مكي، وأبو عبد الرحمن بن مساعد، وأبو عامر محمد بن أحمد السالمي، وأبو القاسم ابن بشكوال، وأبو محمد بن عبيد الله، وأبو مروان البيّاضي، وابن قزمان، وأبو الوليد بن حجاج.
من روى عنه: روى عنه ابنه أبو القاسم، وأبو الحسن بن محمد بن بقي الغسّاني، وأبو عبد الله محمد بن يحيى السّكري، وأبو العباس النّباتي، وأبو عمرو بن عيّاد، وهو أسنّ منه، وأبو الكرم جودي.
تواليفه: صنّف في الأدب مصنّفات منها «بهجة الأفكار، وفرجة التّذكار، في مختار الأشعار»، و «مباشرة ليلة السّفح»، ومقالة في الإخوان، خرّجها من شواهد الحكم، ومصنّف في أخبار معاوية، و «الدّر المنظم في الاختيار المعظّم»، و «مجموع في الألغاز»، و «روضة الحدائق، في تأليف الكلام الرائق»، مجموع نظمه ونثره، وملقى السبل في فضل رمضان، وقصيدته في ذكر النبيّ ﷺ، وخطرات الواجد في رثاء الواحد، ورجوع الإنذار بهجوم العذار، إلى غير ذلك.
محنته: غرّبه الأمير ابن سعد من وطنه، وألزمه سكنى مرسية، ثم بلنسية.
ولما مات ابن سعد آخر يوم من رجب سبع وستين وخمسمائة، عاد إلى وطنه واستقرّ به يفيده الدّية، إلى آخر عمره.
شعره: وشعره كثير. فمن ذلك القصيدة الشهيرة في مدح رسول الله ﷺ، وذكر صحابته:
بالهضب هضب زرود أو تلعاتهاشاقتك هاتفة على نغماتها
مصدورة تفتنّ في ترجيعهافيبين نفث السّحر في نفثاتها
إن راقها رأد الضحى أو راعهاجنح الدّجى سيّان في ذكراتها
هذا يمتّعها وذاك يشوقهاوالموت في يقظاتها وسناتها
ولو التّعلل بالكرى ينتابهانضحت فزور الطّيف برح شكاتها
لكنّ بين جفونها ومنامهاحربا تثير النهب في كرّاتها
ولئن نطقت لها به فتقوّلمن للرّياح بملتقى هبّاتها؟
مطلولة الفرعين تلحفها الرّبىكنفا وتلثمها لمى زهراتها
ويسيغها ماء النّخيلة جرعةلغياضها من مجتنى نخلاتها
منها:
يا من تبلّج نوره عن صادعبالواضحات الغرّ من آياتها
يا شارعا في أمّة جعلت بهوسطا نالت مستدام حياتها
في دار خلد لا يشيب وليدهاحيث الشّباب يرفّ في جنّاتها
وتسنّم الرّضوان في أكنافهاوتنسّم الرّيحان من جنباتها
يا مصطفاها يا مرفّع قدرهايا كهفها يا منتهى غاياتها
يا منتقاها من أرومة هاشميا هاشم الصّلبان في نزاوتها
يا خاضدا للشّرك شوكة حزبهيا يافعا للعرب في جمراتها
قلت: نقل الشيخ أزيد من ذلك أو ضعفه أو نحوه. إلى أن قال: وهي طويلة، قلت: وثقيلة الرّوح. ولقد صدق في قوله.
ومن شعره:
يا بدر تمّ طالعا في الحشابرّح بي منك أوان المغيب
حظّك من قلبي تعذيبهوحظّه منك الأسى والوجيب
فمن يكن يزهى بلبس المنىفإن زهوي بلحاس النّحيب
في ساعة قصر أنيابهاغيبته لي وحضور الرقيب
لعلّ من باعد ما بيننايفرّج الكربة عمّا قريب
وقال:
رشّوا القباب بأدمع مفضوضةذوى للفراق وأكبد تتصرّم
فللنّفس في تلك الرّبوع حبيبةوالقلب في إثر الوداع مقسّم
هل لي بهاتيك الظّبا إلماعة؟أم هل لذاك السّرب شمل ينظم؟
حقّا فقدت الذّات عند فراقهمفالشّخص يوجد والحقيقة تعدم
وفاته: توفي ببلده لثلاث بقين من رمضان ست وتسعين وخمسمائة. قال أبو القاسم المواعيني: عثر في مشيه فسقط، فكان سبب منيّته، ودخل غرناطة في غير ما وجهة منها، راويا عن أبي القاسم بن الفرس، ومع ذلك فهو من أحوازها وبنيّاتها.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع