تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

منذر بن يحيى التّجيبي

أمير الثّغر، المنتزي بعد الجماعة بقاعدة سرقسطة، يكنى أبا الحكم، ويلقّب بالحاجب المنصور، وذي الرّياستين.

حاله: قال أبو مروان: وكان أبو الحكم رجلا من عرض الجند، وترقّى إلى القيادة آخر دولة ابن أبي عامر، وتناهى أمره في الفتنة إلى

الإمارة. وكان أبوه من الفرسان غير النّبهاء. فأمّا ابنه منذر، فكان فارسا نقيّ الفروسة، خارجا عن مدى الجهل، يتمسك بطرف من الكتابة السّاذجة. وكان على غدره، كريما، وهب قصّاده مالا عظيما، فوفدوا عليه، وعمرت لذلك حضرته سرقسطة، فحسنت أيامه، وهتف المدّاح بذكره.

وفيه يقول أبو عمرو بن درّاج القسطلّي قصيدته المشهورة، حين صرف إليه وجهه، وقدم عليه في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة:

بشراك من طول التّرحّل والسّرىصبح بروح السّفر لاح فأسفرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
من حاجب الشمس الذي حجب الدّجىفجرا بأنهار الذّرى متفجّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
نادى بحيّ على الندى ثم اعتلىسبل العفاة مهلّلا ومكبّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
لبّيك أسمعنا نداك ودوننانوء الكواكب مخويا أو ممطرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
من كلّ طارق ليل همّ ينتحيوجهي بوجه من لقائك أزهرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
سار ليعدل عن سمائك أنجميوقد ازدهاها عن سناك محيّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
فكأنما أعدته أسباب النّوىقدرا لبعدي عن يديك مقدّرا
أو غار من هممي فأنحى شأوهافلك البروج مغرّبا ومغوّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
حتى علقت النّيّرين فأعلقامثنى يدي ملك الملوك النّيّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
فسريت في حرم الأهلّة مظلماورفلت في خلع السّموم مهجّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
وشعبت أفلاذ الفؤاد ولم أكدفحذوت من حذو الثّريّا منظرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
ستّ تسرّاها الجلاء مغرّباوحدا بها حادي النّجاء مشمّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
لا يستفيق الصّبح منها ما بدافلقا ولا جدي الفراقد ما سرى
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
ظعن ألفن القفر في غول الدّجىوتركن مألوف المعاهد مقفرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
يطلبن لجّ البحر حيث تقاذفتأمواجه والبرّ حيث تنكّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
هيم وما يبغين دونك مورداأبدا ولا عن بحر جودك مصدرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
من كلّ نضو الآل محبوك المنىيزجيه نحوك كلّ محبوك القرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
بدن فدت منّا دماء نحورهاببغائها في كلّ أفق منحرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
نحرت بنا صدر الدّبور فأنبطتفلق المضاجع تحت جوّ أكدرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
وصبت إلى نحو الصّبا فاستخلصتسكن الليالي والنّهار المبصرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
خوص نفخن بنا البرى حتى انثنتأشلاؤهن كمثل أنصاف البرا
ندرت لنا أن لا تلاقي راحةمما تلاقي أو تلاقي منذرا
وتقاسمت أن لا تسيغ حياتهادون ابن يحيى أو تموت فتعذرا
لله أيّ أهلّة بلغت بنايمناك يا بدر السماء المقمرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
بل أيّ غصن في ذراك هصرتهفجرى فأورق في يديك وأثمرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
فلئن صفا ماء الحياة لديك ليفبما شرقت إليك بالماء الصّرى
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
ولئن خلعت عليّ بردا أخضرافلقد لبست إليك عيشا أغبرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
ولئن مددت عليّ ظلّا باردافلكم صليت إليك جوّا مسعرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
وكفى لمن جعل الحياة بضاعةورأى رضاك بها رخيصا فاشترى
فمن المبلّغ عن غريب نازحقلبا يكاد عليّ أن يتفطّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
لهفان لا يرتدّ طرف جفونهإلّا تذكّر عبرتي فاستعبرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
أبنيّ، لا تذهب بنفسك حسرةعن غول رحلي منجدا أو مغورا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
فلئن تركت الليل فوقي داجيافلقد لقيت الصّبح بعدك أزهرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
ولقد وردت مياه مأرب حفّلاوأسمت خيلي وسط جنّة عبقرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
ونظمت للغيد الحسان قلائدامن تاج كسرى ذي البهاء وقيصرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
وحللت أرضا بدّلت حصباؤهاذهبا يرفّ لناظريّ وجوهرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
وليعلم الأملاك أنّي بعدهمألفيت كلّ الصّيد في جوف الفرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
ورمى عليّ رداءه من دونهمملك تخيّر للعلا فتخيّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
ضربوا قداحهم عليّ ففاز بيمن كان بالقدح المعلّى أجدرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
من فكّ طرفي من تكاليف الفلاوأجار طرفي من تباريح السّرى
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
وكفى عتابي من ألام معذّراوتذمّمي ممّن تجمّل معذرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
ومسائل عنّي الرفاق وودّهلو تنبذ الساحات رحلي بالعرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
وبقيت في لجج الأسى متضلّلاوعدلت عن سبل الهدى متحيّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
كلّا وقد آنست من هود هدىولقيت يعرب في القيول وحميرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
وأصبت في سبإ مورّث ملكهيسبي الملوك ولا يدبّ لها الضّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
فكأنما تابعت تبّع رافعاأعلامه ملكا يدين له الورى
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
والحارث الجفنيّ ممنوع الحمىبالخيل والآساد مبذول القرى
وحططت رحلي بين ناري حاتمأيام يقري موسرا أو معسرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
ولقيت زيد الخيل تحت عجاجةتكسو غلائلها الجياد الضّمّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
وعقدت في يمن مواثق ذمّةمشدودة الأسباب موثقة العرى
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
وأتيت بحدل وهو يرفع منبراللدّين والدّنيا ويخفض منبرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
وحططت بين جفانها وجفونهاحرما أبت حرماته أن تخفرا
تلك البحور تتابعت وخلفتهاسعيا فكنت الجوهر المتخيّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
ولقد نموك ولادة وسيادةوكسوك عزّا وابتنوا لك مفخرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
فممرت بالآمال أكرم أكرمملكا ورثت علاه أكبر أكبرا
وشمائل عبقت بها سبل الهدىوذرت على الآفاق مسكا أذفرا
أهدى إلى شغف القلوب من الهوىوألذّ في الأجفان من طعم الكرى
ومشاهد لك لم تكن أيّامهاظنّا يريب ولا حديثا يفترى
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
لاقيت فيها الموت أسود أدهمافذعرته بالسّيف أبيض أحمرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
ولو اجتلى في زيّ قرنك معلمالتركته تحت العجاج معفّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
يا من تكبّر بالتّكرّم قدرهحتى تكرّم أن يرى متكبّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
والمنذر الأعداء بالبشرى لناصدقت صفاتك منذرا ومبشّرا
ما صوّر الإيمان في قلب امرئحتى يراك الله فيه مصوّرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
فارفع لها علم الهدى فلمثلهارفعتك أعلام السيادة في الذّرى
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
وانصر نصرت من السماء فإنماناسبت أنصار النبيّ لتنصرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة
واسلم ولا وجدوا لجوّك منفسافي النائبات ولا لبحرك معبرا
للشاعر ابن دراج القسطلي، اقرأ القصيدة

سيرته: قال: وساس لأول ولايته عظيم الفرنحة، فحفظت أطرافه، وبلغ من استمالته طوائف النّصرانية، أن جرى على يديه بحضرته عقد مصاهرة بعضهم، فقرفته الألسنة لسعيه في نظام سلك النصارى. وعمر به الثّغر إلى أن ألوت به المنيّة.

وقد اعترف له الناس بالرّأي والسّياسة.

كتّابه: واستكتب عدّة كتّاب كابن مدوّر، وابن أزرق، وابن واجب، وغيرهم.

وصوله إلى غرناطة: وصل غرناطة صحبة الأمير المرتضى الآتي ذكره، وكان ممن انهزم بانهزامه. وذكروا أنه مرّ بسليمان بن هود، وهو مثبت للإفرنج الذين كانوا في المحلّة لا يريم موقفه، فصاح به النّجاة: يا ابن الفاعلة، فلست أقف عليك، فقال له سليمان: جئت والله بها صلعا، وفضحت أهل الأندلس، ثم انقلع وراءه.

وفاته: وكانت على يدي رجل من أبناء عمّه يدعى عبد الله بن حكم، كان مقدّما في قوّاده، أضمر غدره، فدخل عليه، وهو غافل في غلالة، ليس عنده إلّا نفر من خواصّ خدمه الصّقلب، قد أكبّ على كتاب يقرؤه، فعلاه بسكّين أجهز به عليه.

وأجفل الخدم إلّا شهم منهم أكبّ عليه فمات معه. وملك سرقسطة، وتمسّك بها أياما، ثم فرّ عنها، وملكها ابن هود. وكان الإيقاع به غرة ذي حجة سنة ثلاثين وأربعمائة، رحمة الله عليه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.