من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
مبارك ومظفّر الأميران موليا المنصور بن أبي عامر
حالهما: قال أبو مروان: ترقّيا إلى تملّك بلنسية من وكالة السّاقية، وظهر من سياستهما وتعاوضهما صحّة الألفة طول حياتهما، ما فاتا به في معناهما أشقّاء الأخوّة وعشّاق الأحبّة، إذ نزلا معا بقصر الإمارة مختلطين، تجمعهما مائدة واحدة من غير تميّز في شيء، إلّا الحرم خاصّة. وكان التّقدّم لمبارك في المخاطبة، وحفظ رسوم الإمارة، أفضل صرامة وذكرا، قصر عنهما مظفّر، لدماثة خلقه، وانحطاطه
لصاحبه في سائر أمره، على نحلته»
بكتابة ساذجة وفروسة، فبلغا الغاية من اقتناء الأسلحة والآلات الملوكية، والخيل المغربات، ونفيس الحلي والحلل، وإشادة البناء للقصور. واشتمل هذا الرأي على جميع أصحابهما، ومن تعلّق بهما من وزرائهما وكتّابهما، ولم يعرض لهما عارض إنفاق بتلك الآفاق، فانغمسا في النّعيم إلى قمم رؤوسهما حتى انقضى أمرهما.
قال: وكان موت مبارك أنه ركب يوما من قصر بلنسية، وقد تعرّض أهلها مستغيثين من مال افترضه عليهم، فقال لهم: إن كنت لا أريد إنفاقه فيما يعمّ المسلمين نفعه فلا تؤخّر عقوبتي يومي هذا. وركب إثر ذلك، فلما أتى القنطرة، وكانت من خشب، خرجت رجل فرسه من حدّها فرمى به أسفلها، واعترضته خشبة ناتئة شرخت وجهه، وسقط الفرس عليه، ففاضت نفسه، وكفاهم الله أمره يومئذ.
وفي مبارك ومظفّر يقول أبو عمرو بن درّاج القسطلّي، ﵀:
أنورك أم أوقدت بالليل ناركلباغ قراك أو لباغ جوارك؟
وريّاك أم عرف المجامر أشعلتبعود الكباء والألوّة نارك؟
ومبسمك الوضّاح أم ضوء بارقحداه دعائي أن يجود ديارك؟
وخلخالك استنضيت أم قمر بدا؟وشمس تبدّت أم ألحت سوارك؟
وطرّة صبح أم جبينك سافراأعرت الصباح نوره أم أعارك؟
وأنت هجرت الليل إذ هزم الضّحىكتائبه والصّبح لمّا استجارك
فللصّبح فيما بين قرطيك مطلعوقد سكن الليل البهيم خمارك
فيا لنهار لا يغيض ظلامهويا لظلام لا يغيض نهارك
ونجم الثّريّا أم لآل تقسّمتيمينك إذ ضمّختها أم يسارك؟
لسلطان حسن في بديع محاسنيصيد القلوب النّافرات نفارك
وجند غرام في دروع صبابةتقلّدن أقدار الهوى واقتدارك
هو الملك لا بلقيس أدرك شأوهامداك ولا الزّبّاء شقّت غبارك
وقادحة الجوزاء راعيت موهنابحرّ هواك أم ترسّمت دارك؟
وطيفك أسرى فاستثار تشوّقيإلى العهد أم شوقي إليك استثارك؟
وموقد أنفاسي إليك استطارنيأم الرّوح لمّا ردّ فيّ استطارك؟
فكم جزت من بحر إليّ ومهمهيكاد ينسّي المستهام ادّكارك
أذو الحظّ من علم الكتاب حداك لي؟أم الفلك الدّوّار نحوي أدارك؟
وكيف كتمت الليل وجهك مظلماأشعرك أعشيت السّنا أم شعارك؟
وكيف اعتسفت البيد لا في ظعائنولا شجر الخطّيّ حفّ شجارك؟
ولا أذّن الحيّ الجميع برحلةأراح لها راعي المخاض عشارك
ولا أرزمت خوص المهاري مجيبةصهيل جياد يكتنفن قطارك
ولا أذكت الرّكبان عنك عيونهاحذار عيون لا ينمن حذارك
وكيف رضيت الليل ملبس طارقوما ذرّ قرن الشمس إلّا استنارك؟
وكم دون رحلي من بروج مشيدةتحرّم من قرب المزار مزارك
وقد زأرت حولي أسود تهامستلها الأسد أن كفّي عن السّمع زارك
وأرضي سيول من خيول مظفّروليلي نجوم من سماء مبارك
بحيث وجدت الأمن يهتف بالمنىهلمّي إلى عينين جادا سرارك
هلمّي إلى بحرين قد مرج النّدىعبابيهما لا يسأمان انتظارك
هلمّي إلى سيفين والحدّ واحديجيران من صرف الحوادث جارك
هلمّي إلى طرفي رهان تقدّماإلى الأمد الجالي عليك اختيارك
هلمّي إلى قطبي نجوم كتائبتنادي نجوم التّعس غوري مغارك
وحيّي على دوحين جاد نداهماظلالك واستدنى إليك»
ثمارك
وبشراك قد فازت قداحك بالعلاوأعطيت من هذا الأنام خيارك
شريكان في صدق المنى وكلاهماإذا قارن الأقران غير مشارك
هما سمعا دعواك يا دعوة الهدىوقد أوثق الدهر الخؤون إسارك
وسلّا سيوفا لم تزل تلتظي أسّىبثأرك حتى أدركا لك ثارك
ويهنيك يا دار الخلافة منهماهلالان لاحا يرفعان منارك
كلا القمرين بين عينيه غرّةأنارت كسوفيك وجلّت سرارك
فقاد إليك الخيل شعثا شوازيايلبّين بالنّصر العزيز انتصارك
سوابق هيجاء كأنّ صهيلهايجاوب تحت الخافقات شعارك
بكلّ سريّ العتق سرّى عن الهدىوكل حميّ الأنف أحمى ذمارك
تحلّوا من المنصور نصرا وعزّةفأبلوك في يوم البلاء اختيارك
إذا انتسبوا يوم الطّعان لعامرفعمرك يا هام العدى لا عمارك!
يقودهم منهم سراجا كتائبيقولان للدّنيا: أجدّي افتخارك
إذا افترّت الرايات عن غرّتيهمافيا للعدى أضللت منهم فرارك
وإن أشرق النّادي بنور سناهمافبشرى الأماني: عينك لا ضمارك
وكم كشفا من كربة بعد كربةتقول لها النيران: كفّي أوارك
وكم لبّيا من دعوة وتداركاشفى رمق ما كان بالمتدارك
ويا نفس غاو، كم أقرّا نفاركويا رجل هاو، كم أقالا عثارك
ولست ببدع حين قلت لهمّتيأقلّي لإعتاب الزّمان انتظارك
فلله صدق العزم أيّة غرّةإذا لم تطيعي في «لعلّ» اغترارك
فإن غالت البيد اصطبارك والسّرىفما غال ضيم الكاشحين اصطبارك
ويا خلّة التّسويف، قومي فأغدفيقناعك من دوني وشدّي إزارك
وحسبك بي يا خلّة النّاي خاطريبنفسي إلى الحظّ النّفيس حطارك
فقد آن إعطاء النّوى صفقة الهوىوقولك للأيّام: جوري مجارك
ويا ستر البيض النّواعم، أعلنيإلى اليعْملات والرّحال بدارك
نواجي واستودعتهنّ نواجياحفاظك يا هذي بذي وازدهارك
ودونك أفلاذ الفؤاد فشمّريودونك يا عين اللّبيب اعتبارك
صرفت الكرى عنها بمغتبق السّرىوقلت: أديري والنجوم عقارك
فإن وجبت للمغربين جنوبهافداوي برقراق السّراب خمارك
فأوري بزندي سدفة ودجنّةإذا كانتا لي مرخك وعفارك
وإن خلع الليل الأصائل فاخلعيإلى الملكين الأكرمين عذارك
بلنسية مثوى الأمانيّ فاطلبيكنوزك في أقطارها وادّخارك
سينبيك زجري عن بلاء نسيتهإذا أصبحت تلك القصور قصارك
وأظفر سعي بالرّضا من مظفّروبورك لي في حسن رأي مبارك
قصيّ المنى قد شام بارقة الحياوأنشقت يا ظئر الرّجاء حوارك
وحمدا يميني قد تملّأت بالمنىوشكرا يساري قد حويت يسارك
وقل لسماء المزن: إن شئت أقلعيويا أرضها إن شئت غيضي بحارك
ولا توحشي يا دولة العزّ والمنىمساءك من نوريهما وابتكارك
وصولهما إلى غرناطة: وصلا مع أمثالهما من أمراء الشّرق صحبة المرتضى، وكان من انهزام الجميع بظاهرها، وإيقاع الصناهجة بهم ما هو معلوم حسبما مرّ ويأتي بحول الله.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع