من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
مقاتل بن عطية البرزالي
يكنى أبا حرب، وقال فيه أبو القاسم الغافقي: من أهل غرناطة، ويلقّب بذي الوزارتين، ويعرف بالرّيّه لحمرة كانت في وجهه.
حاله: كان من الفرسان الشجعان، لا يصطلى بناره، وكان معه من قومه نحو من ثلاث مائة فارس من بني برزال. وولّاه الأمير عبد الله بن بلقّين بن باديس مدينة أليسّانة، والتقى به ابن عباد وأخذ بمخنّقها، وكان عبد الله يحذره. وعندما تحقّق حركة اللّمتونيين إليه، صرفه عن جهته، فقلّ لذلك ناصره، وأسرع ذهاب أمره.
شجاعته: قال: وحضر مقاتل مع عبد الله بن بلقين، أمير غرناطة، وقيعة النّيبل في صدر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فأبلى فيها بلاء عظيما، وجرح وجهه، ومزّق درعه بالطّعن والضّرب. وذكر من حضرها ونجا منها، قال: كنت قد سقط الرمح من يدي ولم أشعر، وحملت التّرس ولم أعلم به، وحملني الله إلى طريق منجاة فركبتها، مرّة أقع ومرّة أقوم، فأدركت فارسا على فرس أدهم ورمحه على عاتقه، ودرقته على فخذه، ودرعه مهتّكة بالطّعن، وبه جرح في وجهه يثعب دما تحت مغفره، وهو مع ذلك ينهض على رسله، فرجعت إلى نفسي فوجدت ثقلا، فتذكرت التّرس، فأخرجت حمالته عن عاتقي، وألقيته عني، فوجدت خفّة، وعدت إلى العدوّ، فصاح ذلك الفارس: خذ التّرس، قلت: لا حاجة لي به، فقال: خذه، فتركته وولّيت مسرعا، فهمز فرسه ووضع سنان رمحه بين كتفيّ، وقال: خذ الترس، وإلّا أخرجته بين كتفيك في صدرك، فرأيت الموت الذي فررت منه، ورجعت إلى التّرس فأخذته، وأنا أدعو عليه، وأسرعت عدوا، فقال لي: «على ما كنت فليكن عدوّك»، فاستعذت
وقلت: ما بعثه الله إلّا لهلاكي، وإذا قطعة من خيل الروم قد بصرت به، فوقع في نفسه أنه يسرع الجري فيسلم وأقتل، فلمّا ضاق الطّلق ما بينه وبين أقربهم منه، عطف عليه كالعقاب، وطعنه ففطره، وتخلّص الرمح منه، ثم حمل على آخر فطعنه، ومال على الثالث فانهزم منه، فرجع إليّ، وقد بهتّ من فعله، ورشاش دم الجرح يتطاير من قناع المغفر لشدّة نفسه، وقال لي: يا فاعل، يا صانع، أتلقي الرّمح ومعك مقاتل الرّيّه؟
انتهى اختصار السفر الثامن والحمد لله رب العالمين يتلوه في اختصار التاسع بعده ومن ترجمة القضاة مؤمل بن رجا بن عكرمة بن رجا العقيلي من إلبيرة ومن السّفر التاسع من ترجمة القضاة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع