تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

موسى بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيى ابن يغمراسن بن زيّان

الأمير بتلمسان، يكنى أبا حمّو.

أوليته: أوّليته معروفة تنظر فيما سلف من الأسماء.

حاله: هذا السلطان مجمع على حزمه، وضمّه لأطراف ملكه، واضطلاعه بأعباء ملك وطنه، وصبره لدولة قومه، وطلوعه بسعادة قبيله. عاقل، حازم، حصيف، ثابت الجأش، وقور مهيب، جمّاعة للمال، مباشر للأمور، هاجر للّذات، يقظ، متشمّر. قام بالأمر غرّة ربيع الأول في عام ستين، مرتاش الجناح بالأحلاف من عرب القبلة، معوّلا عليهم عند قصد عدوّه، وحلب ضرع الجباية، فأثرى بيت ماله، ونبهت دولته، واتّقته جيرته، فهو اليوم ممن يشار إليه بالسّداد.

أدبه وشعره: ووجّه لهذا العهد في جملة هدايا ودّية، ومقاصد سنيّة، نسخة من كتابه المسمى ب «واسطة السّلوك، في سياسة الملوك»، افتتحه بقوله:

«الحمد لله الذي جعل نعمته على الخلق، بما ألّفهم عليه من الحقّ، شاملة شائعة، ويسّر طوائف من عباده لليسرى فأتت إليها مساعدة مسارعة، وحضّهم على الأخذ بالحسنى ولا أحسن من نفوس أرشدت فأقبلت لإرثها طالبة ولربّها طائعة، ولا أسمى من همم نظرت بحسن السّياسة في تدبير الرّياسة التي هي لأشتات الملك

جامعة، ولأسباب الملك مانعة، وأظهرت من معادنها درر الحكم وغرر الكلم لائحة لامعة، فاجتلت أقمارها طالعة، واجتنت أزهارها يانعة. وصلى الله على سيدنا محمد الكريم المبعوث بالآيات البيّنات ساطية ساطعة، والمعجزات المعجمات قاصمة لظهور الجاحدين قاطعة، الذي زويت له الأرض فتدانت أفكارها وهي نابية شاسعة، واشتاقت له المياه فبرزت بين أصابعه يانعة، وامتثل السّحاب أمره فسحّ باستسقائه دررا هامية هامعة، وحنّ الجذع له وكان حنينه لهذه الآيات الثّلاث آية رابعة، إلى ما لا يحصى مما أتت به متواترات الأخبار وصيحات الآثار ناصرة لنبوّته ساطعة، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وعترته التي أجابت داعي الله خاشية خاشعة، وأذعنت لأوامر رسول الله ﷺ فكانت من الاستبداد خالية وللأنداد خالعة، صلاة ديمتها دائمة متتابعة، وسلّم كثيرا».

جمع فيه الكثير من أخبار الملوك وسيرهم، وخصّ به ولده ووليّ عهده، فجاء مجموعا يستظرف من مثله، ويدلّ على مكانه من الأدب ومحلّه.

وثبت فيه الكثير من شعره، فمن ذلك قصيدة أجاب فيها أحد رؤوس القبائل، وقد طلب منه الرجوع إلى طاعته، والانتظام في سلك جماعته، وهي:

تذكّرت أطلال الرّبوع الطّواسموما قد مضى من عهدها المتقادم
وقفت بها من بعد بعد أنيسهابصبر مناف أو بشوق ملازم
تهيم بمغناهم وتندب ربعهموأيّ فؤاد بعدهم غير هائم؟
تحنّ إلى سلمى ومن سكن الحمىوما حبّ سلمى للفتى بمسالم
فلا تندب الأطلال واسل عن الهوىولا تقل في تذكار تلك المعالم
فإن الهوى لا يستفزّ ذوي النّهىولا يستبي إلّا الضّعيف العزائم
صبور على البلوى طهور من الهوىقريب من التّقوى بعيد المآثم
ومن يبغ درك المعلوات ونيلهايساق بخلق الشّهد مرّ العلاقم
ولائمة لمّا ركبنا إلى العلابحار الردى في لجّها المتلاحم
تقول بإشفاق: أتنسى هوى الدّماوتنثر درّا من دموع سواجم؟
إليك فإنّا لا يردّ اعتزامنامقالة باك أو ملامة لائم
ألم تدر أنّ اللوم لوم وأننالنجتنب اللّوم اجتناب المحارم؟
فما بسوى العلياء همنا جلالةإذا هام قوم بالحسان النّواعم
بروق السّيوف المشرفيّات والقناأحبّ إلينا من بروق المباسم
وأمّا صميل السّابحات لذي الوغىفأشجى لدينا من غناء الحمائم
وأحسن من قدّ الفتاة وخدّهاقدود العوالي أو خدود الصوارم
إذا نحن جرّدنا الصوارم لم تعدإلى غمدها إلّا بجرّ الغلاصم
نواصل بين الهندواني الطّلاءبتفريق ما بين الطّلى والجماجم
فيرغب منّا السّلم كلّ محاربويرهب منّا الحرب كلّ مسالم
نقود إلى الهيجاء كلّ مضمّرونقدم إقدام الأسود الضّراغم
وما كلّ من قاد الجيوش إلى العدايعود إلى أوطانه بالغنائم
وننصر مظلوما ونمنع ظالماإذا شيك مظلوم بشوكة ظالم
ويأوي إلينا المستجير ويلتجيويحميه منّا كلّ ليت ضبارم
ألم تر إذ جاء السّبيعيّ قاصداإلى بابنا يبغي التماس المكارم؟
وذلك لمّا أن جفاه صحابهوكلّ خليل ودّه غير دائم
وأزمع إرسالا إلينا رسالةبإخلاص ودّ واجب غير واجم
وكان رأى أنّ المهامه بيننافخلّى لذات الخفّ ذات المناسم
وقال ألا سل من عليم مجرّبأبثّ له ما تحت طيّ الحيازم
فيبلغ عنه الآن خير رسالةتؤدّي إلى خير الملوك الأعاظم
على ناقة وجناء كالحرف ضامرتخيّرها بين القلاص الرّواسم
من اللائي يظلمن الظليم إذا عدىويشبهه في جيده والقوائم
إذا أتلعت فوق السّحاب جوابهاتخيّلتها بعض السحاب الرّواكم
وإن هملجت بالسّير في وسط مهمهنزلت كمثل البرق لاح لشائم
ولم يأمن الخلّان بعد اختلالهمفأمسى وفي أكبادها أيّ جاحم
فقالوا فحمّلها الحمائم قال لالبعد المدى أو خوف صيد الحمائم
وما القصد إلّا في الوصول بسرعةفقالوا: فحمّلها أكفّ النواسم
فقال: لنعم المرسلات وإنّمالها ألسن مشهورة بالنّمائم
فلم يلف فيها للأمانة موضعاوكلّ امرئ للسّرّ ليس بكاتم
فحينئذ وافى إلينا بنفسهفكان لدينا خير واف وقادم
يجوب إلى البيداء قصدا وبشرنايضيء له الظّلماء في كلّ عاتم
طلاب العلا تسري مع الوحش في الفلاويصحب منها كلّ باغ وباغم
على سلهب ذي صورتين مطعّممن المغربات الصّافنات الصّلادم
إذا شاء أيّ الوحش أدركه بهفتحسبه في البيد بعض النّعائم
ويقدمه طوعا إلينا رجاؤهحمايتنا إيّاه من كلّ ظالم
ألا أيها الآتي لظلّ حناننانزلت برحب في عراص المكارم
وقوبلت منّا بالذي أنت أهلهوفاض عليك الجود فيض الغمائم
كذا دأبنا للقادمين محلّناحمى وندى ينسى به جود حاتم
وهذا جواب عن نظامك إنّنابعثنا به كاللؤلؤ المتناظم
ونحن ذوو التيجان من آل حميرلعمرك من التّيجان غير العمائم
بهمّتنا العليا سمونا إلى العلاوكم دون إدراك العلا من ملاحم
شددنا لها أزرا وشدنا بناءهاوكم مكثت دهرا بغير دعائم
نظمنا شتيت المجد بعد افتراقهوكم بات نهبا شمله دون ناظم
ورضنا جياد الملك بعد جماحهافذلّت وقد كانت صعاب الشّكائم
مناقب زيّانيّة موسويّةيذلّ لها عزّ الملوك القماقم
يقصّر عن إدراكها كلّ مبتغويعجز عن إحصائها كلّ ناظم
فلله منّا الحمد والشّكر دائماوصلّى على المختار من آل هاشم
ونختصّكم منّا السّلام الأثير ماتضاحك روض عن بكاء الغمائم

قلت: ولمّا تعرّفت كلفه بالأدب والإلمام بمجاورته، عزمت على لقائه، وتشوّقت عند العزم على الرّحلة الحجازية، إلى زيارته، ولذلك كنت أخاطبه بكلمة منها:

على قدر قد جئت قومك يا موسىفجلّت بك النّعمى وزالت بك البوسى

فحالت دون ذلك الأحوال، وهو بحاله الموصوفة إلى هذا العهد، وفّقه الله، وسائر من تولّى أمرا من أمور المسلمين.

وجرى ذكره في رجز الدول من نظمي:

بادرها المفدي الهمام موسىفأذهب الرحمن عنها البوسى
جدّد فيها الملك لمّا أخلقاوبعث السّعد وقد كان لقا
ورتّب الرّتب والرّسوماوأطلع الشّموس والنّجوما
واحتجن المال بها والعدّهوهو بها باق لهذي المدّة

ولادته: ولد بمدينة غرناطة حسبما وقعت عليه بخط الثّقة من ناسه، في أول عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.