تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد بن أحمد ابن علي السّلماني

والد المؤلف، ﵁، يكنى أبا محمد، غرناطي الولادة والاستيطان، لوشي الأصل، ثم طليطليّه، ثم قرطبيّه.

أوليته: كان سلفه يعرفون بقرطبة ببني وزير، وهم بها أهل نباهة، وبيتهم بيت فقه وخيريّة وماليّة، ونجارهم نجار فرسان يمانيّة. ولمّا حدث على الحكم بن هشام الوقيعة الرّبضيّة، وكان له الفلج، وبأهل الرّبض الدّبرة، كان أعلام هذا البيت من الجالية أمام الحكم، حسبما امتحن به الكثير من أعلام المشيخة بها، كالفقيه طالوت، ويحيى بن يحيى، وغيرهما، ولحقوا بطليطلة، فاستقرّوا بها، ونبا بهم وطنهم، ثم حوّموا على سكنى الموسّطة، وآب إلى قرطبة قبلهم بعد عهد متقادم، ومنهم خلف وعبد الرحمن، وقد مرّ له ذكر في هذا الكتاب. وولّي القضاء بالكورة. ومنهم قوم من قرابتهم تملّكوا منتفريد، الحصن المعروف الآن بالمنعة والخصب، وتمدّن فيهم، وبنيت به القلعة السّامية، ونسب إليه ذلك المجد، فهم يعرفون ببلدنا ببني المنتفريدين. واستقرّ منهم جدّنا الأعلى بلوشة خطيبا وقاضيا بالصّقع ومشاورا، وهو المضاف إلى اسمه التّسويد بلوشة عرفا كأنه اسم مركّب، فلا يقول أحد منهم في القديم إلّا سيّدي سعيد. كذا تعرّفنا من المشيخة، وإليه النّسبة اليوم، وبه يعرف خلفه ببني الخطيب، وكان صالحا فاضلا، من أهل العلم والعمل. حدّثني الشيخ المسنّ أبو الحكم المنتفريدي، وقد وقفني على جدار برج ببعض أملاكنا بها، على الطّريق الآتية من غرناطة إلى لوشة، ثم إلى غيرها، كإشبيلية وسواها، فقال: كان جدّك يسكن بهذا البرج كذا من فصول العام، ويتلو القرآن ليلا، فلا يتمالك المارّون على الطّريق، أن يقربوا إصغاء لحسن تلاوته

وخشوعا. وكان ولده عبد الله بعده، على وتيرة حسنة من الخير والنّباهة وطيب الطّعمة، ثم جدّه الأقرب سعيد على سننه، مرب عليه بمزيد المعرفة، وحسن الخطّ.

ولما وقع بلوشة بلده، ما هو معروف من ثورة أصهارهم من بني الطّنجالي، وكان بينهم ما يكون بين الفحول في الهجمات من التّشاجر، فرّ عنهم خيفة على نفسه، وعلى ذلك فناله اعتقال طويل، عدا به عليه عن تلك الثورة. ثم بان عذره، وبرّئت ساحته، واستظهر به السلطان، وأقام بغرناطة، مكرّما، مؤثرا، مؤتمنا، وصاهر في أشراف بيوتاتها، فكانت عنده بنت الوزير أبي العلى أضحى بن أضحى الهمداني، وتوفيت تحته، فأنجز له بسببها الحظّ في الحمّام الأعظم المنسوب إلى جدّها اليوم.

ثم تزوج بنت القائد أبي جعفر أحمد بن محمد الجعدالة السّلمي، أم الأب المترجم به، ولها إلى السلطان ثاني ملوك بني نصر وعظيمهم متات ببنوّة الخؤولة من جهة القوّاد الأصلاء القرطبيين بني دحون، فوضح القصد، وتأكدت الحظوة. وقد وقعت الإشارة إلى ذلك كله في محلّه. ثم رسخت لولده أبي، القدم في الخدمة والعناية، حسبما يتقرّر في موضعه.

حاله: كان، ﵀، فذّا في حسن الشكل والأبّهة، وطلاقة اللسان، ونصاعة الظّرف، وحضور الجواب، وطيب المجالسة، وثقوب الفهم، مشارا إليه في الحلاوة وعذوبة الفكاهة، واسترسال الانبساط، مغييا في ميدان الدّعابة، جزلا، مهيبا، صارما، متجنّدا، رائق الخصل ركضا وثقافة، وعدوا وسباحة وشطرنجا، حافظا للمثل واللّغة، أخباريا، مضطلعا بالتاريخ، ناظما نائرا، جميل البزّة، فاره المركب، مليح الشّيبة. نشأ بغرناطة تحت ترف ونعمة، من جهة أمّه وأبيه، وقرأ على أبي إسحاق بن زرقال، وأبي الحسن البلّوطي، ثم على أستاذ الجماعة أبي جعفر بن الزّبير، ظاهرة عليه مخيّلة النّجابة والإدراك. ثم أقصر لعدم الحامل على الدّؤوب، وانتقل إلى بلد سلفه، متحيّفا الكثير من الأصول في باب البذل وقرى الضّيوف، ومداومة الصّيد، وإيثار الراحة، معتمدا بالتّجلّة، مقصود الحلّة، مخطوب المداخلة، من أبناء أشراف الدولة، منتجعا لأولي الكدية. ولما قام بالأمر السلطان، أمير المسلمين أبو الوليد، وأمّه بنت السلطان ثاني الملوك من بني نصر، جزم ما تقدّم من المتات والوسيلة، استنهضه للإعانة على أمره، وجعل طريقه على بلده، فحطب في حبله، وتمسّك بدعوته، واعتمده بنزله وضيافته، وكان أعظم الأسباب في حصول الأمر بيده، ودخوله

في حكمه، وانتقل إلى حضرة الملك بانتقاله، فنال ما شاء من اصطناعه وحظوته، وجرى له هذا الرّسم في أيام من خلفه من ولده إلى يوم الوقيعة الكبرى بطريف تاريخ فقده.

وجرى ذكره في كتاب «الإكليل» بما نصه: إن طال الكلام، وجمحت الأقلام، كنت كما قيل: مادح نفسه يقرئك السلام، وإن أحجمت، فما أسديت في الثّناء ولا ألحمت، وأضعت الحقوق، وخفت ومعاذ الله العقوق. هذا، ولو أنّي زجرت طير البيان من أوكاره، وجئته بعيون الإحسان وأبكاره، لما قضيت حقّه بعد، ولا قلت إلّا التي علمت سعد. فقد كان، ﵀، ذمر عزم، ورجل رخاء وأزم، تروق أنوار خلاله الباهرة، وتضيء مجالس الملوك من صورتيه الباطنة والظاهرة، ذكاء يتوقّد، وطلاقة يحسد نورها الفرقد. فقدته بكائنة طريف، جبر الله عثارها، وعجّل ثارها.

حدّث خطيب المسجد الأعظم، وهو ما هو، من وفور العقل، وصحة النّقل، قال: مررت بأبيك بعد ما تمت الكسرة، وخذلت تلك الأسرة، وقد كبا بأخيك الطّرف، وعرض عليه الحمام للصّرف، والشيخ ﵀ لم تزلّ قدمه، ولا راعه الموقف وعظمه. ولما آيس من الخلاص وطلّابه، صرفني وقال: أنا أولى به، فقضى سعيدا شهيدا، لم يستنفره الهول، ولم يثنه ولا رضي عار الفرار عن ابنه.

شعره: قال في «الإكليل»: وكان له في الأدب فريضة، وفي النّادرة العذبة منادح عريضة. تكلّمت يوما بين يديه، في مسائل من الطب، وأنشدته أبياتا من شعري، وقرأت عليه رقاعا من إنشائي، فسرّ وتهلّل، وعبّر عما أمل، وما برح أن

ارتجل قوله رحمة الله عليه:

الطبّ والشّعر والكتابهسماتنا في بني النّجابه
للشاعر والد الوزير لسان الدين الخطيب، اقرأ القصيدة
هنّ ثلاث مبلّغاتمراتبا بعضها الحجابه
للشاعر والد الوزير لسان الدين الخطيب، اقرأ القصيدة

ووقّع لي يوما بخطّه على ظهر أبيات، بعثتها إليه، أعرض عليه نمطها:

وردت كما ورد النسيم بسحرهعن روضة جاد الغمام رباها
للشاعر والد الوزير لسان الدين الخطيب، اقرأ القصيدة
فكأنما» هاروت أودع سحرهفيها وآثرها به وحباها
للشاعر والد الوزير لسان الدين الخطيب، اقرأ القصيدة
مصقولة الألفاظ يبهر حسنهافبمثلها افتخر البليغ وباهى
فقررت عينا عند رؤية حسنهاإني أبوك وكنت أنت أباها
للشاعر والد الوزير لسان الدين الخطيب، اقرأ القصيدة

ومن شعره قوله:

وقالوا قد نأوا: فاصبر ستشفىفترياق الهوى بعد الدّيار
للشاعر والد الوزير لسان الدين الخطيب، اقرأ القصيدة
فقلت: هبوا بأنّ الحقّ هذافقلبي يمّموا فيم اصطباري؟
للشاعر والد الوزير لسان الدين الخطيب، اقرأ القصيدة

ومن قوله مما يجري مجرى الحكم والأمثال:

عليك بالصمت فكم ناطقكلامه أدّى إلى كلمه
للشاعر والد الوزير لسان الدين الخطيب، اقرأ القصيدة
إنّ لسان المرء أهدى إلىغرّته والله من خصمه
للشاعر والد الوزير لسان الدين الخطيب، اقرأ القصيدة
يرى صغير الجرم مستضعفاوجرمه أكبر من جرمه
للشاعر والد الوزير لسان الدين الخطيب، اقرأ القصيدة

وقال وهو من المستحسن في التّجنيس:

أنا بالدّهر، يا بنيّ، خبيرفإذا شئت علمه فتعالى
للشاعر والد الوزير لسان الدين الخطيب، اقرأ القصيدة
كم مليك قد ارتغى منه روضالم يدافع عنه الردى ما ارتغى لا
كلّ شيء تراه يفنى ويبقىربّنا الله ذو الجلال تعالى
للشاعر والد الوزير لسان الدين الخطيب، اقرأ القصيدة

أنشدني هاتين المقطوعتين.

مولده: ولد بحضرة غرناطة في جمادى الأولى من عام اثنين وسبعين وستمائة.

وفاته: بعد يوم الوقيعة الكبرى على المسلمين بظاهر طريف يوم الاثنين السابع لجمادى الأولى عام واحد وأربعين وسبعمائة.

من رثاه: قلت في رثائه من قصيدة أولها:

سهام المنايا لا تطيش ولا تخطيوللدهر كفّ تستردّ الذي تعطي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «سهام المنايا لا تطيش ولا تخطى»
وإنّا وإن كنّا على ثبج الدّنافلا بدّ يوما أن نحلّ على الشّطّ
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «سهام المنايا لا تطيش ولا تخطى»
وسيّان ذلّ الفقر أو عزّة الغنىومن أسرع السّير الحثيث ومن يبطي
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «سهام المنايا لا تطيش ولا تخطى»
تساوى على ورد الرّدى كلّ واردفلم يغن ربّ السّيف عن ربّة القرط
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «سهام المنايا لا تطيش ولا تخطى»

وقال شيخنا أبو زكريا بن هذيل من قصيدة يرثيه بها:

إذا أنا لم أرث الصديق فما عذريإذا قلت أبياتا حسانا من الشعر؟
ولو كان شعري لم يكن غير ندبةوأجريت دمعي لليراع عن الحبر
لما كنت أقضي حقّ صحبته التيتوخّيتها عونا على نوب الدّهر
رماني عبد الله يوم وداعهبداهية دهياء قاصمة الظّهر
قطعت رجائي حين صحّ حديثهفإن لم يوف دمعي فقد خانني صبري
وهل مؤنس كابن الخطيب لوحشتيأبثّ له همّي وأودعه سرّي؟

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.