من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
صالح بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم ابن علي بن شريف النّفزي
من أهل رندة، يكنى أبا الطّيّب.
حاله: قال ابن الزّبير: شاعر مجيد في المدح والغزل، وغير ذلك. وعنده مشاركة في الحساب والفرائض. نظم في ذلك. وله تواليف أدبية، وقصائد زهدية، وجزء على حديث جبريل ﵇، وغير ذلك مما روى عنه. وكان في الجملة معدودا في أهل الخير، وذوي الفضل والدّين. تكرّر لقائي إياه، وقد أقام بمالقة أشهرا، أيام إقرائي. وكان لا يفارق مجالس إقرائي، وأنشدني كثيرا من شعره.
وقال ابن عبد الملك: كان خاتمة الأدباء بالأندلس، بارع التّصرّف في منظوم الكلام ومنثوره، فقيها حافظا، فرضيّا، متفنّنا في معارف شتى، نبيل المقاصد، متواضعا، مقتصدا في أحواله. وله مقامات بديعة في أغراض شتّى، وكلامه، نظما ونثرا، مدوّن.
مشيخته: روى عن آباء الحسن: أبيه، والدبّاج، وابن الفخّار الشّريشي، وابن قطرال، وأبي الحسن بن زرقون، وأبي القاسم ابن الجدّ.
تواليفه: ألّف جزءا على حديث جبريل، وتصنيفا في الفرائض وأعمالها، وآخر في العروض، وآخر في صنعة الشعر سماه «الوافي، في علم القوافي».
وله كتاب كبير سماه «روضة الأنس، ونزهة النّفس».
دخوله غرناطة: وكان كثير الوفادة على غرناطة، والتردّد إليها، يسترفد ملوكها، وينشد أمراءها، والقصيدة التي أوّلها: «أواصلتي يوما وهاجرتي ألفا»، أخبرني شيخنا أبو عبد الله اللّوشي أنه نظمها باقتراح السلطان، ﵀، وقد أوعز إليه ألّا يخرج عن بعض بساتين الملك حتى يكملها في معارضة محمد بن هاني الإلبيري.
شعره: وهو كثير، سهل المأخذ، عذب اللفظ، رائق المعنى، غير مؤثر للجزالة. فمن ذلك قوله، ﵀، في غرض المدح من السّلطانيات:
سرى والحبّ أمر لا يراموقد أغرى به الشّوق الغرام
وأغفى أهلها إلّا وشاةإذا نام الحوادث لا تنام
وما أخفاه بين القوم إلّاضنى ولربما نفع السّقام
فنال بها على قدر مناهوبين القبض والبسط القوام
وأشهى الوصل ما كان اختلاساوخير الحبّ ما فيه اختتام
وما أحلى الوصال لو أنّ شيئامن الدّنيا للذّته دوام
بكيت من الفراق بغير أرضيوقد يبكي الغريب المستهام
أعاذلتي، وقد فارقت إلفيأمثلي في صبابته يلام؟
أأفقده فلا أبكي عليه؟يكون أرقّ من قلبي الحمام
أأنساه فأحسبه كصبريوهل ينسى لمحبوب ذمام؟
رويدا، إنّ بعض اللّوم لومومثلي لا ينهنهه الملام
ويوم نوى وضعت الكفّ فيهعلى قلب يطير به الهيام
ولولا أن سفحت به جفوناتفيض دما لأحرقها الضّرام
وليل بتّه كالدّهر طولاتنكّر لي وعرّفه التّمام
كأنّ سماءه زهر تجلّىبزهر الزّهر والشّرق الكمام
كأنّ البدر تحت الغيم وجهعليه من ملاحته لثام
كأنّ الكوكب الدّرّي كأسوقد رقّ الزّجاجة والمدام
كأنّ سطور أفلاك الدّراريقسيّ والرّجوم لها سهام
كأنّ مدار قطب بنات نعشنديّ والنجوم به ندام
كأنّ بناته الكبرى جوارجوار والسّهى فيها غلام
كأنّ بناته الصّغرى جمانعلى لبّاتها منها نظام
كواكب بتّ أرعاهنّ حتىكأنّي عاشق وهي الذّمام
إلى أن مزّقت كفّ الثّريّاجيوب الأفق وانجاب الظلام
فما خلت انصداع الفجر إلّاقرابا ينتضى منه حسام
وما شبّهت وجه الشمس إلّالوجهك أيها الملك الهمام
وإن شبّهته بالبدر يومافللبدر الملاحة والتّمام
تهلّل منه حسن الدهر حتىكأنّك في محيّاه ابتسام
وعرف ما تنكّر من معالكأنّك لاسمها ألف ولام
وملء العين منك جلال مولىصنائعه كغرّته وسام
إذا ما قيل في يده غمامفقد بخست وقد خدع الغمام
وحشو الدّرع أروع غالبيّيراع بذكره الجيش اللهام
إذا ما سلّ سيف العزم يوماعلى أمر فسلّم يا سلام
تناهى مجده كرما وبأسافما يدري أمحيا أم حمام
نمّته للمكارم والمعاليسراة من بني نصر كرام
هم الأنصار هم نصروا وآوواولولا المسك ما طاب الختام
وهم قادوا الجيوش لكلّ فتحولولا الجدّ ما قطع الحسام
وهم منحوا الجزيرة من حماهمجوارا لا يذمّ ولا يضام
فمن حرب تشيب له النّواصيوسلم تحيّته سلام
بسعدك، يا محمد، عزّ دينله بعد الإله بك اعتصام
وباسمك تمّ للإسلام سلموغبّ السّلم نصر مستدام
وكان مرامه صعبا ولكنبحمد الله قد سهل المرام
أدام الله أمرك من أميرففيه لكل مكرمة دوام
وأنت العروة الوثقى تماماوما للعروة الوثقى انفصام
وروح أنت والجسم المعاليومعنى أنت واللّفظ الأنام
إذا ما ضاقت الدنيا بحرّكفاه لثم كفّك والسلام
ومن شعره أيضا:
أواصلتي يوما وهاجرتي ألفاوصالك ما أحلى وهجرك ما أجفا!
ومن عجب للطّيف أن جاء واهتدىفعاد عليلا عاد كالطّيف أم أخفى
فيا سائرا، لولا التخيّل ما سرىويا شاهدا، لولا التعلّل ما أغفى
ألمّ فأحياني وولّى فراعنيولم أر أجفى منك طبعا ولا أشفى
بعيني شكواي للغرام وتيههإلى أن تثنّى عطفه فانثنى عطفا
فعانقته شوقا وقبّلته هوىولا قبلة تكفي ولا لوعة تطفا
ومن نزعاته العجيبة قوله، وقد سبق إلى غرضه غيره:
يا طلعة الشمس إلّا أنه قمرأمّا هواك فلا يبقي ولا يذر
كيف التخلّص من عينيك لي ومتىوفيهما القاتلان الغنج والحور
وكيف يسلي فؤادى عن صبابتهولو نهى النّاهيان الشّيب والكبر
أنت المنى والمنايا فيك قد جمعتوعندك الحالتان النّفع والضّرر
ولي من الشّوق ما لا دواء لهومنك لي الشّافيان القرب والنّظر
وفي وصالك ما أبقي به رمقيلو ساعد المسعدان الذّكر والقدر
وكان طيف خيال منك يقنعنيلو يذهب المانعان الدّمع والسّهر
يا نابيا، لم يكن إلّا ليملكنيمن بعده المهلكان الغمّ والغير
ما غبت إلّا وغاب الجنس أجمعهواستوحش المؤنسان السّمع والبصر
بما تكنّ ضلوعي في هواك بمنيعنو له السّاجدان النّجم والشجر
أدرك بقيّة نفس لست مدركهاإذا مضى الهاديان العين والأثر
ودلّ حيرة مهجور بلا سببيبكي له القاسيان الدّهر والحجر
وإن أبيت فلي من ليس يسلمنيإذا نبا المذهبان الورد والصّدر
مؤيّدا لملك بالآراء يحكمهافي ضمنها المبهجان اليمن والظّفر
من كالأمير أبي عبد الإله إذا ماخانت القدمان البيض والسّمر
الواهب الخيل آلافا وفارسهاإذا استوى المهطعان الصّرّ والصّبر
والمشبه اللّيث في بأس وفي خطرونعمت الحليتان البأس والخفر
تأمّن الناس في أيامه ومشواكما مشى الصّاحبان الشاة والنّمر
وزال ما كان من خوف ومن حذرفما يرى الدّايلان الخوف والحذر
رأيت منه الذي كنت أسمعهوحبّذا الطّيّبان الخبر والخبر
ما شئت من شيم عليا ومن شيمكأنها الرّائقان الظّلّ والزّهر
وما أردت من إحسان ومن كرمينسى به الأجودان البحر والمطر
وغرّة يتلألأ من سماحتهاكأنها النّهران الشمس والقمر
إيه، فلولا دواع من محبّتهلم يسهل الأصعبان البين والخطر
نأيت عنه اضطرارا ثم عدت لهكما اقتضى المبرمان الحلّ والسّفر
فإن قضى الله أن يقضي به أمليفحسبي المحسبان الظّلّ والثّمر
ولست أبعد إذ والحال متّسعأن يبلغ الغائبان السّؤل والوطر
ومن شعره في أغراض متعددة، قال في الليل والسّهر:
أطال ليلي الكمدفالدهر عندي سرمد
وما أظنّ أنهليلة الهجر غد
يا نائما عن لوعتيعوفيت ممّا أجد
ارقد هنيّا إنّنيلا أستطيع أرقد
لواعج ما تنطفيوأدمع تضطرد
وكبدي كبد الهوىوأين منّي الكبد؟
ولا تسل عن جلديوالله ما لي جلد
ومن شعره أيضا في المقطوعات:
وليلة قصّر من طولهابزورة من رشا نافر
استوفر الدهر بها غالطافأدغم الأوّل والآخر
وقال من قصيدة مغربة في الإحسان:
وليلة نبّهت أجفانهاوالفجر قد فجّر نهر النهار
والليل كالمهزوم يوم الوغاوالشّهب مثل الشّهب عند الفرار
كأنما استخفى السّها خيفةوطولب النّجم بثأر فثار
لذاك ما شابت نواصي الدّجىوطارح النّسر أخاه فطار
وفي الثّريّا قمر سافرعن غرّة غيّر منها الشّفار
كأنّ عنقودا بها ماثلإذ صار كالعرجون عند السّرار
كأنها تسبك دينارهوكفّها تفتل منه سوار
كأنما الظّلماء مظلومةتحكّم الفجر عليها فجار
كأنما الصّبح لمشتاقهإقبال دنيا بعد ذلّ افتقار
كأنما الشمس وقد أشرقتوجه أبي عبد الإله استنار
وفي وصف البحر والأنهار وما في معنى ذلك:
البحر أعظم مما أنت تحسبهمن لم ير البحر يوما ما رأى عجبا
طام له حبب طاف على زورقمثل السماء إذا ما ملئت شهبا
وقال في وصف نهر:
وأزرق محفوف بزهر كأنّهنجوم بأكناف المجرّة تزهر
يسيل على مثل الجمان مسلسلاكما سلّ عن غمد حسام مجوهر
وقد صافح الأدواح من صفحاتهوحتى حباب بالنّسيم مكسّر
فما كان في عطف الخليج قلامةوما كان في وجه الغدير فمغفر
وفي العقل والتّغرّب:
ما أحسن العقل وآثارهلو لازم الإنسان إيثاره
يصون بالعقل الفتى نفسهكما يصوم الحرّ أسراره
لا سيما إن كان في غربةيحتاج أن يعرف مقداره
ومن وصفه الجيش والسلاح:
وكتيبة بالدّارعين كثيفةجرّت ديول الجحفل الجرّار
روض المنايا بينها القضب التيزفّت بها الرّايات كالأزهار
فيها الكماة بنو الكماة كأنهمأسد الشّرى بين القنا الخطّار
متهلّلين لدى اللّقاء كأنهمخلقت وجوههم من الأقمار
من كلّ ليث فوق برق خاطفبيمينه قدر من الأقدار
من كلّ ماض قد تقلّد مثلهفيصبّ آجالا على الأعمار
لبسوا القلوب على الدروع وأسرعوالأكفّهم نارا لأهل النار
وتقدّموا ولهم على أعدائهمحنق العدا وحميّة الأنصار
فارتاع ناقوس بخلع لسانهوبكى الصّليب لذلّة الكفّار
ثم انثنوا عنه وعن عبّاده وقد أصبحوا خبرا من الأخبار
وفي السّيف:
وأبيض صيغ من ماء ومن لهبعلى اعتدال فلم يخمد ولم يسل
ماضي الغرار يهاب العمر صولتهكأنما هو مطبوع من الأجل
أبهى من الوصل بعد الهجر منظرهحسنا وأقطع من دين على ملل
وأسمر ظنّ أن ما كل سابغةفخاض كالأيم يستشفي من النّهل
هام الكماة به حبّا ولا عجبمن لوعة بمليح القدّ معتدل
إذا الطّعين تلقّاه وأرعفهحسبته عاشقا يبكي على طلل
ومن ذلك قوله في وصف قوس:
تنكّبها كحاجبه وسوّىبأهداب الجفون لها نبالا
فلم أر قبله بدرا منيراتحمّل فوق عاتقه هلالا
ومن ذلك في وصف قلم:
وأصفر كالصّبّ في رونقتظنّ به الحبّ ممن نحل
بديع الصّفات حديد السّباتيطول الرّماح وإن لم يطل
يعبّر عمّا وراء الضميرويفعل فعل الظّبا والذّبل
ومن ذلك قوله فيما يظهر منها:
تفاخر السّيف فيما قيل والقلموالفصل بينهما لا شكّ منفهم
كلاهما شرف لله درّهماوحبّذ الخطّتان الحكم والحكم
ومن ذلك قوله في سكّين الدواة:
أنا صمصامة الكتابة ما ليمن شبيه في المرهفات الرّقاق
فكأنّي في الحسن يوم وصالوكأنّي في القطع يوم فراق
ومن ذلك قوله في المقصّ:
ومعتنقين ما اشتهرا بعشقوإن وصفا بضمّ واعتناق
لعمر أبيك ما اعتنقا لمعنىسوى معنى القطيعة والفراق
ومن ذلك قوله في الورد:
الورد سلطان كلّ زهرلو أنّه دائم الورود
بعد خدود الملاح شيءما أشبه الورد بالخدود
ومن ذلك قوله في الخيريّ:
وأزرق كمثل السماءفيه لمن ينظر سرّ عجيب
شحّ مع الصّبح بأنفاسهكأنما الصّبح عليه رقيب
وباح بالليل بأسرارهلمّا رأى اللّيل نهار الأريب
ومن ذلك قوله في الرّيحان:
وأخضر فستقيّ اللون غضّيروق بحسن منظره العيونا
أغار على التّرنج وقد حكاهوزاد على اسمه ألفا ونونا
وقال من جملة قصائده المطوّلات التي تفنّن فيها، ﵀:
وغانية يغني عن العود صوتهاوجارية تسقي وساقية تجري
بحيث يجرّ النهر ذيل مجرّةيرفّ على حافاتها الزّهر كالزّهر
وقد هزّت الأرواح خصر كتائببألوية بيض على أسل سمر
رمى قزح نبلا إليها فجرّدتسيوف سواقيها على دارع النّهر
وهبّت صبا نجد فجرّت غلائلاتجفّف دمع الطّلّ عن وجنة الزّهر
كأنّ بصفح الرّوض وشي صحيفةوكالألفات القضب والطّرس كالتّبر
كأنّ به الأقحوان خواتمامفضّضة فيها فصوص من التّبر
كأنّ به النّرجس الغضّ أعياترقرق في أجفانها أدمع القطر
كأنّ شذا الخيريّ زورة عاشقيرى أنّ جنح اللّيل أكتم للسّرّ
وقال في وصف الرّمان:
لله رمّانة قد راق منظرهافمثلها ببديع الحسن منعوت
القشر حقّ لها قد ضمّ داخلهوالشّحم قطن لها والحبّ ياقوت
ومن ذلك قوله في الجزر:
انظر إلى جزر في اللون مختلفالبعض من سبج والبعض من ذهب
إن قلت: قصب فقل: قصب بلا زهرأو قلت: شمع فقل: شمع بلا لهب
وفي الاغتراب وما يتعلّق به مما يقرب من المطولات:
غريب كلّما يلقى غريبفلا وطن لديه ولا حبيب
تذكّر أصله فبكى اشتياقاوليس غريبا أن يبكي غريب
ومما هاج أشواقي حديثجرى فجرى له الدّمع السّكوب
ذكرت به الشّباب فشقّ قلبيألم تر كيف تنشقّ القلوب؟
على زمن الصّبا فليبك مثليفما زمن الصّبا إلّا عجيب
جهلت شبيبتي حتى تولّتوقدر الشيء يعرف إذ يغيب
ألا ذكر الإله بكل خيربلادا لا يضيع بها أديب
بلاد ماؤها عذب زلالوريح هوائها مسك رطيب
بها قلبي الذي قلبي المعنّىيكاد من الحنين له يذوب
رزقت الصّبر بلين أبي وأميكلانا بعد صاحبه كثيب
ألا فتوخّ بعدي من أؤاخيودع ما لا يريب لما يريب
ولا تحكم بأول ما تراهفإنّ الفجر أوله كذوب
ألا إنا خلقنا في زمانيشيب بهوله من لا يشيب
وقد لذّ الحمام وطاب عنديوعيشي لا يلذّ ولا يطيب
لحى الله الضّرورة فهي بلوىتهين الحرّ والبلوى ضروب
رأيت المال يستر كلّ عيبولا تخفى مع الفقر العيوب
وفقد المال في التّحقيق عنديكفقد الرّوح ذا من ذا قريب
وقد أجهدت نفسي في اجتهادوما أن كلّ مجتهد مصيب
وقد تجري الأمور على قياسولو تجري لعاش بها اللّبيب
كأنّ العقل للدّنيا عدوّفما يقضي بها أربا أريب
إذا لم يرزق الإنسان بختافما حسناته إلّا ذنوب
ومن نسيبه قوله في بادرة من حمّام:
برزت من الحمّام تمسح وجههاعن مثل ماء الورد بالعنّاب
والماء يقطر من ذوائب شعرهاكالطّل يسقط من جناح غراب
فكأنها الشمس المنيرة في الضّحىطلعت علينا من خلال سحاب
ومن مقطوعاته أيضا قوله:
ومتيّم لو كان صوّر نفسهما زادها شيئا سوى الإشفاق
ما كان يرضى بالصّدود وإنّماكثرت عليه مسائل العشّاق
وقال:
وافى وقد زانه جمالفيه لعشّاقه اعتذار
ثلاثة ما لها مثال:الوجه والخدّ والعذار
فمن رآه رأى رياضا:الورد والآس والبهار
ومن ذلك قوله في ذمّ إخوة السوء:
ليس الأخوّة باللّسان أخوّةفإذا تراد أخوّتي لا تنفع
لا أنت في الدّنيا تفرّج كربهعنّي ولا يوم القيامة تشفع
وقال كذلك:
ولقد عرفت الدّهر حين خبرتهوبلوت بالحاجات أهل زمان
فإذا الأخوّة باللسان كثيرةوإذا الدّراهم ميلق الإخوان
ومن ذلك قوله في ثقيل:
تزلزلت الأرض زلزالهافقلت لسكانها: ما لها؟
فقالوا: أتانا أبو عامرفأخرجت الأرض أثقالها
ومن ذلك قوله في الصّبر:
الدهر لا يبقي على حالةلكنه يقبل أو يدبر
فإن تلقّاك بمكروههفاصبر فإنّ الدّهر لا يصبر
ومن ذلك قوله في الموت:
الموت سرّ الله في خلقهوحكمة دلّت على قهره
ما أصعب الموت وما بعدهلو فكّر الإنسان في أمره
أيام طاعات الفتى وحدهاهي التي تحسب من عمره
لا تلهك الدنيا ولذّاتهاعن نهي مولاك ولا أمره
وانظر إلى من ملك الأرض هلصحّ له منها سوى قبره؟
نثره: قال في كتاب «روضة الأنس» ما نصّه:
«ويتعلّق بهذا الباب ما خاطبني به الفقيه الكاتب الجليل أبو بكر البرذعي، من أهل بلدنا، أعزّه الله: أخبرك بعجاب، إذ لا سرّ دونك ولا حجاب، بعد أن أتقدّم إليك أن لا تعجل باللوم إليّ، قبل علم ما لديّ، فإنّ الدهر أخدع من كفّة الحابل،
وقلب الإنسان للآفات قابل. مشيت يوما إلى سوق الرّقيق، لأخذ حقّ فؤاد عتيق، فرأيت بها جارية عسجدية اللون، حديثة عهد بالصّون، متمايلة القدّ، قائمة النّهد، بلحظ قد أوتي من السّحر أوفر حظّ، وفم كشرطة رشحت بدم، داخله سمطان لولا هما ما عرف النّظم، ولا حكم على الدّر للعظم، في صدغها لامان ما خطّ شكلهما قلم، ولا قصّ مثلهما حلم. لها جيد تتمنّاه الغيد، وخصر هو قبضة الكفّ في الحصر، وردف يظلمه من يشبه به بالحقف، ويدان خلقا للوشي، وقدمان أهلّتا للّثم لا للمشي، فتطاولت إليه الأعناق، وبذلت فيها الأعلاق، والمياسير عليها مغرم في القوم، وتسوّم أهل السّوم، وكل فيها يزيد، ليبلغ ما يريد، إلى أن جاء فتى صادق في حبّه، لا يبالي بفساد ماله في صلاح قلبه، فعدّ المال عدّا، ولم يجد غيره من التسليم بدّا. فلمّا فاتتني، تركت الأشواق وأتتني، وانتقضت عزائم صبري فما أتتني، فالله الله، تدارك أخاك سريعا، قبل أن تلفيه من الوجد صريعا، واستنزله خادما، قبل أن تصبح عليه نادما، ولن أحتاج أن أصفها إليك، مع ما قصصته عليك، وقد أهديتها دررا، فخذها على جهة الفكاهة والدّعابة:
ولا تطلع أخا جهل عليهافمن لم يدر قدر الشيء عابه
فأجبته: نعم نعم، أنعم الله بالك، وسنى آمالك، أنا بحول الله أرتاد لك من نحو هاتيك، ما يسليك ويؤاتيك، وإلّا فبيضا كاللّجين، هل القلب والعين، زهرة غصن في روضة حسن، ذات ذوائب، كأنها الليل على نهار، أو بنفسج في بهار.
لها وجه أبهى من الغنا، وأشهى من نيل المنى، فيه حاجبان كأنهما قوس صنعت من السّبح، ورصّعت بعاج من البلح، على عينين ساحرتين، بالعقل ساخرتين، بهما تصاب الكبود، وتشقّ القلوب قبل الجلود، إلى فم كأنّه ختام مسك، على نظام سلك، سقاه الحسن رحيقه، فأنبتت درره وعقيقه، وجيد في الحسن وحيد على صدر كأنه من مرمر، فيه حقّتا عاج طوّقتا بعنبر، قد خلقتا للعضّ، في جسم غضّ، له خصر مدمج، وردفه يتموّج، وأطراف كالعنم، رقمت رقم القلم، من اللائي شهدن ابن المؤمّل، وقال في مثلها الأول، إن هي تاهت فمثلها تاها، أو هي باهت فمثلها باها، من أين للغصن مثل قامتها أو أين للبدر مثل مرآها، ما فعلت في العقول صابية ما فعلت في العقول عيناها، تملكني بالهوى وأملكها، فهأنا عبدها ومولاها، فأيّهما لست بذلت فيه الجهد، وأرقيت للمجد والودّ إن شاء الله تعالى.
وأنا فيما عرض لسيدي، حفظه الله، على ما يحبّ، أعذره ولا أعذله، وأنصره ولا أخذله، لكني أقول كما قال بعض الحكماء: لا ينبغي لمن قلبه رقيق، أن يدخل سوق الرّقيق، إلّا أن يكون قد جمع بين المال، والجمال يتنافس في العالي،
ويسترخص بالثمن الغالي، ولا يبالي بما قال الأئمة، إذا وجد من يلائمه، كما قال الشاعر:
ما انتفاع المحبّ بالمال إذ لميتوصّل به لوصل الحبيب
إنما ينبغي بحكم الهوى أنينفق المال في صلاح القلوب
والسلام على سيدي، ما كانت الفكاهة من شأن الوفاء، والمداعبة من شيم الظّرفاء، ورحمة الله وبركاته.
مولده: ولد في محرم سنة إحدى وستمائة.
وفاته: توفي في عام أربعة وثمانين وستمائة.
نقلت من خط صاحبنا الفقيه المؤرخ أبي الحسن بن الحسن، قال: أنشدني الشيخ الرّاوية الأديب القاضي الفاضل أبو الحجاج يوسف بن موسى بن سليمان المنتشافري، قال: أنشدني القاضي الفاضل أبو القاسم ابن الوزير أبي الحجاج ابن الحقالة، قال: أنشدني الأديب أبو الطيب صالح بن أبي خالد يزيد بن صالح بن شريف الرّندي لنفسه، ليكتب على قبره:
خليليّ، بالودّ الذي بيننا اجعلاإذا متّ قبري عرضة للتّرحّم
عسى مسلم يدنو فيدعو برحمةفإني محتاج لدعوة مسلم
حرف العين من ترجمة الملوك والأمراء
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع