من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
صفوان بن إدريس بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى ابن إدريس التّجيبي
من أهل مرسية، يكنى أبا بجر.
حاله: كان أديبا، حسيبا جليلا، أصيلا، ممتعا من الظّرف، ريّان من الأدب، حافظا، حسن الخطّ، سريع البديهة، ترف النّشأة، على تصاون وعفاف، جميلا سريّا، سمحا ذكيا، مليح العشرة، طيّب النفس، ممّن تساوى حظّه في النظم والنثر، على تباين الناس في ذلك.
مشيخته: روى عن أبيه وخاله، ابن عمّ أبيه القاضي أبي القاسم بن إدريس، وأبي بكر بن مغاور، وأبي الحسن بن القاسم، وأبي رجال بن غلبون، وأبي عبد الله بن حميد، وأبي العباس بن مضاء، وأبي القاسم بن حبيش، وأبي محمد الحجري، وابن حوط الله، وأبي الوليد بن رشد، وأجاز له أبو القاسم بن بشكوال.
من روى عنه: أبو إسحاق اليابري، وأبو الربيع بن سالم، وأبو عبد الله بن أبي البقاء، وأبو عمرو بن سالم، ومحمد بن محمد بن عيشون.
تواليفه: له تواليف أدبيّة منها، «زاد المسافر»، وكتاب «الرحلة»، وكتاب «العجالة» سفران يتضمنان من نظمه ونثره أدبا لا كفاء له. وانفرد من تأبين الحسين، ﵁، وبكاء أهل البيت، بما ظهرت عليه بركته في حكايات كثيرة.
شعره: ثبتّ من ذلك في العجالة قوله:
جاد الزمان بأنّة الجرعاءتوقان من دمعي وغيث سماء
فالدّمع يقضي عندها حقّ الهوىوالغيم حقّ البانة الغيناء
خلت الصّدور من القلوب كما خلتتلك المقاصر من مها وظباء
ولقد أقول لصاحبيّ وإنماذخر الصّديق لأمجد الأشياء
يا صاحبيّ، ولا أقلّ إذا أناناديت من أن تصغيا لندائي
عوجا بحار الغيم في سقي الحماحتى ترى كيف انسكاب الماء
ونسنّ في سقي المنازل سنّةنمضي بها حكما على الظّرفاء
يا منزلا نشطت إليه عبرتيحتى تبسّم زهره لبكائي
ما كنت قبل مزار ربعك عالماأنّ المدامع أصدق الأنواء
يا ليت شعري والزّمان تنقّلوالدّهر ناسخ شدّة برخاء
هل نلتقي في روضة موشيّةخفّاقة الأغصان والأفياء؟
وننال فيها من تألّفنا ولوما فيه سخنَة أعين الرّقباء؟
في حيث أتلعت الغصون سوالفاقد قلّدت بلآلئ الأنداء
وجرت ثغور الياسمين فقبّلتعنيّ عذار الآسة الميساء
والورد في شطّ الخليج كأنّهرمد ألمّ بمقلة زرقاء
وكأنّ غصن الزّهر في خضر الرّبىزهر النجوم تلوح بالخضراء
وكأنما جاء النّسيم مبشّراللرّوض يخبره بطول بقاء
فكساه خلعة طيبه ورمى لهبدراهم الأزهار رمي سخاء
وكأنّما احتقر الصّنيع فبادرتبالعذر عنه نغمة الورقاء
والغصن يرقص في حلى أوراقهكالخود في موشيّة خضراء
وافترّ ثغر الأقحوان بما رأىطربا وقهقه منه جري الماء
أفديه من أنس تصرّم فانقضىفكأنّه قد كان في الإغفاء
لم يبق منه غير ذكر أو منىوكلاهما سبب لطول عناء
أو رقعة من صاحب هي تحفةإنّ الرّقاع لتحفة النّبهاء
كبطاقة الوسميّ إذ حيّا بهاإنّ الكتاب تحيّة الظّرفاء
وهي طويلة. وقال مراجعا عن كتاب أيضا:
ألا سمح الزمان به كتاباذرى بوروده أنسي قبابا
فلا أدري أكانا تحت وعددعا بهما لبرئي فاستجابا؟
وقد ظفرت يدي بالغنم منهفليت الدهر سنّى لي إيابا
فلو لم أستفد شيئا سواهقنعت بمثله علقا لبابا
إذا أحرزت هذا في اغترابيفدعني أقطع العمر اغترابا
رجمت بأنسه شيطان همّيفهل وجّهت طرسا أم شهابا؟
رشفت به رضاب الودّ عذبايذكّرني شمائلك العذابا
وكدت أجرّ أذيالي نشاطاولكن خلت قولهم تصابا
فضضت ختامه عنّي كأنيفتحت بفضّه للروض بابا
فكدت أبثّه في جفن عينيلكي أستودع الزّهر السّحابا
وكنت أصونه في القلب لكنخشيت عليه أن يفنى التهابا
ولو أنّ الليالي سامحتنيلكنت على كتابكم الجوابا
فأبلي عندكم بالشّكر عذراوأجزل من ثنائكم الثّوابا
ولكنّ الليالي قيّدتنيوقيّد عدّتي إلّا الخطابا
فما تلقاني الأحباب إلّاسلاما أو مناما أو كتابا
لأمر ما يقصّ الدهر ريشيلأنّ السّهم مهما ريش صابا
وعاذلة تقول ولست أصغيولو أصغيت لم أرفع جوابا
تخوّفني الدّواهي وهي عنديأقل من أن أضيق بها جنابا
إذا طرقت أعدّ لها قراهاوقارا واحتسابا واصطبارا
وما مثلي يخوّف بالدواهيعرين اللّيث لا يخشى الذّبابا
تعاتبني فلا يرتدّ طرفيوهل تسترقص الرّيح الهضابا؟
ولو أنّ العتاب يفيد شيئاملأت مسامع الدّنيا عتابا
وقد وصّيتها بالصّمت عنّيفما صمتت ولا قالت صوابا
تعنّفني على تركي بلاداعهدت بها القرارة والشّبابا
تقول: وهل يضرّ السّيف إلّاإذا ما فارق السيف القرابا
فقلت: وهل يضرّ السيف فلّإذا قطّ الجماجم والرّقابا؟
بخوض الهول تكتسب المعالييحلّ السّهل من ركب الصّعابا
فليث الغاب يفترس الأناسيوليث البيت يفترس الذّبابا
ولو كان انقضاض الطّير سهلالكانت كلّ طائرة عقابا
دعيني والنهار أسير فيهأسير عزائم تفري الصّلابا
أغازل من غزالته فتاةتبيّض فودها هرما وشابا
إذا شاءت مواصلتي تجلّتوإن ملّت توارت لي احتجابا
وأسري اللّيل لا ألوي عناناولو نيل الأماني ما أصابا
أطارح من كواكبه كماماوأزجر من دجنّته غرابا
وأركب أشهبا غبرا كباعيوخضرا مثل خاطري انسيابا
وآخذ من بنات الدّهر حقّيجهاز البيت استلب استلابا
ولست أذيل بالمدح القوافيولا أرضى بخطّتها اكتسابا
أأمدح من به أهجو مديحيإذا طيّبت بالمسك الكلاما
سأخزنها عن الأسماع حتىأردّ الصّمت بينهما حجابا
فلست بمادح ما عشت إلّاسيوفا أو جيادا أو صحابا
أبا موسى، وإنّي ذو ودادأناجي لو سمعت إذا أجابا
ولكن دون ذلك مهمه لوطوته الريح لم ترج الإيابا
أخي، برّ المودّة كلّ برّإذا برّ الأشقّا الانتسابا
بعثت إليك من نظمي بدرّشققت عليه من فكري عبابا
عداني الدهر أن يلقاك شخصيفأغنى الشّعر عن شخصي ونابا
وقال في الغرض الذي نظم فيه الرّصافي من وصف بلده، وذكر إخوانه ومعاهده، مساجلا في العروض والرّوي، عقب رسالة سماها «رسالة طراد الجياد في الميدان، وتنازع اللّدان والإخوان، في تنفيق مرسية على غيرها من البلدان»:
لعلّ رسول البرق يغتنم الأجرافينثر عنّي ماء عبرته نثرا!
معاملة أربو بها غير مذنبفأقضيه دمع العين من نقطة بحرا
ليسقي من تدمير قطرا محبّبايقرّ بعين القطر أن تشرب القطرا
ويقرضه ذوب اللّجين وإنماتوفّيه عيني من مدامعها تبرا
وما ذاك تقصيرا بها غير أنهسجيّة ماء البحر أن يذوي الزّهرا
خليليّ، قوما فاحبسا طرق الصّبامخافة أن تحمي بزفرتي الحرّى
فإنّ الصّبا ريح عليّ كريمةبآية ما تسري من الجنّة الصّغرى
خليليّ، أعني أرض مرسية المنىولولا توخّي الصّدق سمّيتها الكبرى
محلّي بل جوّي الذي عبقت بهنواسم آدابي معطّرة نشرا
ووكري الذي منه درجت فليتنيفجعت بريش العزم كي ألزم الوكرا
وما روضة الخضراء قد مثلت بهامجرّتها نهرا وأنجمها زهرا
بأبهج منها والخليج مجرّةوقد فضحت أزهار ساحتها الزّهرا
وقد أسكرت أزهار أغصانها الصّباوما كنت أعتدّ الصّبا قبلها خمرا
هنالك بين الغصن والقطر والصّباوزهر الرّبى ولّدت آدابي الغرّا
إذا نظم الغصن الحيا قال خاطريتعلّم نظام النّثر من ههنا شعرا
وإن نثرت ريح الصّبا زهر الرّبىتعلّمت حلّ الشّعر أسبكه نثرا
فوائد أسحار هناك اقتبستهاولم أر روضا غيره يقرئ السّحرا
كأنّ هزيز الريح يمدح روضهافتملأ فاه من أزاهر ها درّا
أيا زنقات الحسن، هل فيك نظرةمن الجرف الأعلى إلى السّكّة الغرّا؟
فأنظر من هذي لتلك كأنماأغيّر إذ غازلتها أختها الأخرى
هي الكاعب الحسناء تمّم حسنهاوقدّت لها أوراقها حللا خضرا
إذا خطبت أعطت دراهم زهرهاوما عادة الحسناء أن تنقد المهرا
وقامت بعرس الأنس قينة أيكةأغاريدها تسترقص الغصن النّضرا
فقل في خليج يلبس الحوت درعهولكنه لا يستطيع بها قصرا
إذا ما بدا فيها الهلال رأيتهكصفحة سيف وسمها قبعة صفرا
وإن لاح فيها البدر شبّهت متنهبسطر لجين ضمّ من ذهب عشرا
وفي جرفي روض هناك تجافيالنهر يودّ الأفق لو زاره فجرا
كأنهما خلّا صفاء تعاتباوقد بكيا من رقّة ذلك النّهرا
وكم لي بالباب الجديد عشيّةمن الأنس ما فيه سوى أنّه مرّا
عشايا كأنّ الدّهر غصّ بحسنهافأجلت سياط البرق أفراسها الشّقرا
عليهنّ أجري خيل دمعي بوجنتيإذا ركبت حمرا ميادينها الصفرا
أعهدي بالغرس المنعّم دوحهسقتك دموعي إنها مزنة شكرى
فكم فيك من يوم أغرّ محجّلتقضّت أمانيه فخلّدتها ذكرا
على مذنّب كالنحر من فرط حسنهتودّ الثّريّا أن تكون له نحرا
سقت أدمعي والقطر أيهما انبرىنقا الرّملة البيضاء فالنّهر فالجسرا
وإخوان صدق لو قضيت حقوقهملما فارقت عيني وجوههم الزّهرا
ولو كنت أقضي حقّ نفسي ولم أكنلما بتّ أستحلي فراقهم المرّا
وما اخترت هذا البعد إلّا ضرورَةوهل تستجير العين أن تفقد الشّفرا؟
قضى الله أن ينأى بي الدهر عنهمأراد بذاك الله أن أعتب الدهرا
وو الله لو نلت المنى ما حمدتهاوما عادة المشغوف أن يحمد الهجرا
أيأنس باللّذات قلبي ودونهممرام يجدّ الرّكب في طيّها شهرا؟
ويصحب هادي الليل راء وحرفةوصادا ونونا قد تقوّس واصفرّا
فديتهم بانوا وضنّوا بكتبهمفلا خبرا منهم لقيت ولا خبرا
ولولا علا همّاتهم لعتبتهمولكن عراب الخيل لا تحمل الزّجرا
ضربت غبار البيد في مهرق السّرىبحيث جعلت الليل في ضربه حبرا
وحقّقت ذاك الضّرب جمعا وعدّةوطرحا وتجميلا فأخرج لي صفرا
كأنّ زماني حاسب متعسّفيطارحني كسرا، أما يحسن الجبرا؟
فكم عارف بي وهو يحسب رتبتيفيمدحني سرّا ويشتمني جهرا
لذلك ما أعطيت نفسي حقّهاوقلت لسرب الشّعر: لا ترم الفكرا
فما برحت فكري عذارى قصائديومن خلق العذراء أن تألف الخدرا
ولست وإن طاشت سهامي بآيسفإنّ مع العذر الذي يتّقى يسرا
ومن مقطوعاته:
يا قمرا مطلعه أضلعيله سواد القلب منها غسق
وربّما استوقد نار الهوىفناب فيها لونها عن شفق
ملّكتني في دولة من صباوصدتني في شرك من حدق
عندي من حبّك ما لو سرتفي البحر منه شعلة لاحترق
ومن مقطوعاته أيضا:
قد كان لي قلب فلمّا فارقواسوّى جناحا للغرام وطارا
وجرت سحاب بالدموع فأوقدتبين الجوانح لوعة وأوارا
ومن العجائب أنّ فيض مدامعيماء ويثمر في ضلوعي نارا
وشعره الرّمل والقطر كثرة، فلنختم له المقطوعات بقوله:
قالوا وقد طال بي مدى خطئيولم أزل في تجرّمي ساهي
أعددت شيئا ترجو النجاة به؟فقلت: أعددت رحمة الله
نثره: كتب يهنّئ قاضي الجماعة أبا القاسم بن بقيّ من رسالة: لأن قدره دام عمره، وامتثل نهيه الشرعي وأمره، أعلى رتبة وأكرم محلّا، من أن
يتحلّى بخطّة هي به تتحلّى. كيف يهنأ بالقعود لسماع دعوة الباطل، ولمعاناة الإنصاف الممطول من الماطل، والتّعب في المعادلة، بين ذوي المجادلة. أما لو علم المتشوّقون إلى خطّة الأحكام، المستشرفون إلى ما لها من التّبسّط والاحتكام، ما يجب لها من اللّوازم، والشروط الجوازم، كبسط الكنف، ورفع الجنف، والمساواة بين العدوّ وذي الذّنب، والصاحب بالجنب، وتقديم ابن السّبيل، على ذي الرّحم والقبيل، وإيثار الغريب، على القريب، والتوسّع في الأخلاق، حتى لمن ليس له من خلاق، إلى غير ذلك ممّا علم قاضي الجماعة أحصاه، واستعمل لخلقه الفاضل أدناه وأقصاه، لجعلوا خمولهم مأمولهم، وأضربوا عن ظهورهم، فنبذوه وراء ظهورهم، اللهمّ إلّا من أوتي بسطة في العلم، ورسا طودا في ساحة الحلم، وتساوى ميزانه في الحرب والسّلم، وكان كقاضي الجماعة، في المماثلة بين أجناس الناس، فقصاراه أن يتقلّد الأحكام للأجر، لا للتّعسف والزّجر، ويتولّاها للثواب، لا للغلظة في ردّ الجواب، ويأخذها لحسن الجزاء، لا لقبح الاستهزاء، ويلتزمها لجزيل الذّخر، لا للإزراء والسّخر. فإذا كان كذلك، وسلك المتوليّ هذا السّالك، وكان كقاضي الجماعة ولا مثل له، ونفع الحقّ به علله، ونقع غلله، فيومئذ تهنأ به خطّة القضاء، ويعرف ما لله عليه من اليد البيضاء.
ومحاسنه في النثر أيضا جمّة.
ومن أخباره أنه رحل إلى مرّاكش متسبّبا في جهاز بنت بلغت التّزويج، وقصد دار الإمارة مادحا، فما تيسّر له شيء من أمله، ففكّر في خيبة قصده، وقال:
لو كنت تأمّلت جهة الله، ومدحت المصطفى ﷺ، وآل بيته الطاهرين، لبلغت أملي بمحمود عملي. ثم استغفر الله في توجّهه الأول، وعلم أن ليس على غير
الثاني من معوّل، فلم يكن إلّا أن صوّب نحو هذا القصد سهمه، وأمضى فيه عزمه، وإذا به قد وجّه عنه، وأدخل على الخليفة، فسأله عن مقصده، فأخبره مفصحا به، فأنفذه وزاده عليه، وأخبره أنّ ذلك لرؤيا رسول الله ﷺ، في النّوم يأمره بقضاء حاجته. فانفصل موفّى الأغراض، واستمرّ في مدح أهل البيت حتى اشتهر في ذلك.
وفاته: سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وسنّه دون الأربعين سنة، وصلّى عليه أبوه، فإنه كان بمكان من الدّين والفضل، رحمة الله عليه، وتلقيت من جهات أنه دخل غرناطة، لما امتدح القائد أبا عبد الله بن صناديد بمدينة جيّان، حسبما يظهر من عجالته، من غير تحقيق لذلك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع