تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

عبد الله بن يوسف بن رضوان بن يوسف ابن رضوان النّجاري

يكنى أبا القاسم، ويعرف باسم جدّه، من أهل مالقة، وصاحب القلم الأعلى لهذا العهد بالمغرب.

حاله: هذا الفاضل نسيج وحده، فهما وانطباعا، ولوذعيّة، مع الدّين والصّون، معمّ، مخول في الخير، مستول على خصال حميدة، من خطّ وأدب وحفظ، مشارك في معارف جملة. كتب ببلده عدلا رضى، وأنشد السلطان عند حلوله ببلده. ورحل عن بلده إلى المغرب، فارتسم في كتابة الإنشاء بالباب السلطاني، ثم بان فضله، ونبه قدره، ولطف محلّه، وعاد إلى الأندلس، لما جرت على سلطانه الهزيمة بالقيروان، ولم ينتشله الدهر بعدها مع جملة من خواصّه. فلمّا استأثر الله بالسلطان المذكور، موسوم التّمحيص، وصيّر أمره إلى ولده بعده، جنح إليه، ولحق ببابه، مقترن الوفادة، بيمن الطّائر، وسعادة النّصبة، مظنّة الاصطناع، فحصل على الحظوة، وأصبح في الأمد القريب، محلا للبثّ وجليسا في الخلوة، ومؤتمنا على خطّة العلامة، من رجل ناهض بالكلّ، جلد على العمل، حذر من الذّكر، متقلّص ذيل الجاه، متهيّب، غزير المشاركة، مطفّف في حقوق الدّول عند انخفاض الأسعار، جالب لسوق الملك ما ينفق فيها، حارّ النّادرة، مليح التّندير، حلو الفكاهة، غزل مع العفة، حافظ للعيون، مقدّم في باب التّحسين والتنقيح، لم ينشب الملك أن أنس منه بهذه الحال، فشدّ عليه يد الغبطة، وأنشب فيه براثن الأثرة، ورمى إليه بمقاليد الخدمة، فسما مكانه، وعلا كعبه، ونما عشّه. وهو الآن بحاله الموصوفة، من مفاخر قطره، ومناقب وطنه، كثّر الله مثله.

مشيخته: قرأ ببلده على المقرئ أبي محمد بن أيوب، والمقرئ الصالح أبي عبد الله المهندس، والأستاذ أبي عبد الله بن أبي الجيش، والقاضي أبي جعفر بن عبد الحق. وروى عن الخطيب المحدّث أبي جعفر الطّنجالي، والقاضي أبي

بكر بن منظور. وبغرناطة عن جلّة؛ منهم شيخنا رئيس الكتاب أبو الحسن ابن الجيّاب، وقاضي الجماعة أبو القاسم بن أحمد الحسني، ولازم بالمغرب الرئيس أبا محمد عبد المهيمن الحضرمي، والقاضي أبا إسحاق إبراهيم بن أبي يحيى، وأبا العباس بن يربوع السّبتي. وبتلمسان عن أبي عبد الله الآبلي، وأبي عبد الله بن النّجار، وغيرهما. وبتونس عن قاضي الجماعة أبي عبد الله بن عبد السلام، وعن جماعة غيرهم.

شعره: ونظمه ونثره متجاريان لهذا العهد في ميدان الإجادة. أما شعره، فمتناسب الوضع، سهل المأخذ، ظاهر الرّواء، محكم الإمرة للتّنقيح. وأما نثره، فطريف السّجع، كثير الدّالة، مطيع لدعوة البديهة، وربما استعمل الكلام المرسل، فجرى يراعه في ميدانه ملء عنانه.

وجرى ذكره في «التاج» أيام لم يفهق حوضه، ولا أزهر روضه، ولا تباينت سماؤه ولا أرضه، بما نصه: أديب أحسن ما شاء، وفتح قليبه فملأ الدّلو وبلّ الرّشاء، وعانى على حداثته الشعر والإنشاء، وله ببلده بيت معمور بفضل وأمانة، ومجد وديانة. ونشأ هذا الفاضل على أتمّ العفاف والصّون، فما مال إلى فساد بعد الكون. وله خطّ بارع، وفهم إلى الغوامض مسارع. وقد أثبتّ من كلامه، ونفثات أقلامه، كلّ محكم العقود، زاريا بنت العنقود. فمن ذلك قصيدة أنشدها للسلطان أمير المسلمين، مهنّئا بهلاك الأسطول الحربي بالزّقاق الغربي، أجاد أغراضها، وسبك المعاني وراضها، وهي قوله:

لعلّكما أن ترعيا لي وسائلافبالله عوجا بالرّكاب وسائلا
بأوطان أوطار قفا ومآربيوبالحبّ خصّا بالسّلام المنازلا
ألا فانشدا بين القباب من الحمىفؤاد شج أضحى عن الجسم راحلا
وبثّا صبّا بات هنالك واشرحالهم من أحاديثي عريضا وطائلا
رعى الله مثواكم على القرب والنّوىولا زال هامي السّحب في الرّبع هاملا
وهل لزمان باللّوى قد سقى اللّوىمآرب فما ألقى مدى الدّهر حائلا؟
فحظّي بعيد الدّار منه بقربهويورد فيه من مناه مناهلا
لقد جار دهري أن نأى بمطالبيوظلّ بما أبقى من القرب ماطلا
وحمّلني من صرفه ما يؤدنيومكّن منّي الخطوب شواغلا
عتبت عليه فاغتدى لي عاتباوقال: أصخ لي لا تكن لي عاذلا
أتعتبني إذ قد أفدتك موقفالدى أعظم الأملاك حلما ونائلا؟
مليك حباه الله بالخلق الرّضاوأعلى له في المكرمات المنازلا
مليك علا فوق السّماك فطرفهغدا كهلال الأفق يبصرنا علا
إذا ما دجا ليل الخطوب فبشرهصباح وبدر لا يرى الدهر آفلا
نماه من الأنصار غرّ أكابرلهم شيم ملء الفضاء فضائلا
تلوا سور النّعماء في حزبهم كماجلوا صور الأيام غرّا جلائلا
تسامت لهم في المعلوات مراتبيرى زحل دون المراتب زاحلا
عصابة نصر الله طابت أواخراكما قد زكت أصلا وطابت أوائلا
لقد كان ربع المجد من قبل خالياومن آل نصر عاد يبصر آهلا
إذا يوسف منهم تلوح يمينهتقول سحاب الجود والبأس هاطلا
كتائبه في الفتح تكتب أسطراتبين من الأنفال فيها المسائلا
عوامله بالحذف تحكم في العداكما حكموا في حذف جزم عواملا
يبدّد جمع الكفر رعبا وهيبةكما بدّدت منه اليمين النّوافلا

ومنها في وصفه الأسطول واللقاء:

ولمّا استقامت بالزّقاق أساطيل ثم استقلّت للسّعود محافلا
رآها عدوّ الله فانفضّ جمعهوأبصر أمواج البحار أساطلا
ومن دهش ظنّ السّواحل أبحراومن رعب خال البحار سواحلا
ومن جندكم هبّت عليه عواصفتدمّر أدناها الصّلاب الجنادلا
تفرّقهم أيدي سبا وتبيدهمفقد خلّفت فيهم حساما وذابلا
وعهدي بمرّ الريح للنار موقدافقد أطفأت تلك الحروب المشاعلا
وكان لهم برد العذاب ولم يكنسلاما وما كادوه قد عاد باطلا
حداهم هواهم للإسار وللفنافما أفلتوا من ذا وذاك حبائلا
فهم بين عان في القيود مصفّدوفان عليه السّيف أصبح صائلا
ستهلك ما بالبرّ منهم جنودكمكما أهلكت من كان بالبحر عاجلا

وقال أيضا يمدحه:

نشرت لواء النّصر واليمن والسّعدوأطلعت وجه اليسر والأمن والرّفد
أعدت لنا الدّنيا نعيما ولذّةألا للمعالي ما تعيد وما تبدي
بنوركم والله يكلأ نوركمتبدّت لنا سبل السعادة والرّشد
تحلّى لكم بالملك نحر ولبّةفراق كذاك الجيد يزدان بالعقد
مآثركم قد سطّرتها يد العلاعلى صفحات الفخر أو مفرق الحمد
بمدحكم القرآن أثنى منزّلاوقد حزتم مجدا بجدّكم سعد
كفاكم فخارا أنه لكم أبومن فخره إن أنت تدعوه بالجدّ
ثناؤكم هذا أم المسك نافح؟وذكركم أم عاطر العنبر الورد؟
أجل ذكركم أزكى وأذكى لناشقكما أنكم أجلى وأعلى لمشهد
طلعت على الآفاق نورا وبهجةفما أنت إلّا البدر في طالع السّعد
وفي جملة الأملاك عزّ ورفعةودم في خلود الملك والنصر والسعد
ولو أنني فقت سحبان وائلوأربيت في شعري على الشاعر الكندي
لما قمت بالمعشار من بعض ما لكممن الجود والأفضال والبذل والرّفد

وقال في شيخه أبي بكر بن منظور، ﵀:

جلالك أولى بالعلا للمخلّدوذكرك أعلى الذّكر في كلّ مشهد
لمجدك كان العزّ يذخر والعلىوأنّك للأولى بأرفع سؤدد
أبى الله إلّا أن تكون مشرّفابمقعد خير العالمين محمد
فهنّئت بالفخر السّنيّ محلّهوهنّئت بالمجد الرّفيع المجدّد
شهدت بما أوليتني من عوارفوخوّلت من نعمى وأسديت من يد
وما حزت من مجد كريم نجارهوما لك من مجد ورفعة محتد
لقد نبّأتني بالرّواح لعزّكممخايل إسعاد تروح وتغتدي
تحدّثني نفسي وإنّي لصادقبأن سوف تلقى كاملا كلّ مقصد
دليلي بهذا أنّك الماجد الذيتسامى علوّا فوق كلّ ممجّد
ليفخر أولو الفخر المنيف بأنّكملهم علم أعلى، به الكلّ مقتدي
إمام علوم معتلي القدر لم يزلرداء المعالي والعوارف يرتدي
وقاض إذا الأحكام أشكل أمرهاجلا لي برأي الحقيقة مرشدي
إذا الحقّ أبدى نوره عند حكمهرأيت له حدّ الحسام المهنّد
وإنّ جميع الخلق في الحقّ عندهسواسية ما بين دان وسيّد
هنيّا لنا بل للقضاء وفضلهبقاض حليم في القضاء مسدّد
أمات به الرحمن كلّ ضلالةوأحيا بما أولاه شرعة أحمد
وكائن تراه لا يزال ملازمالأمر بعرف أو لزام بمسجد
وما زال قدما للحقيقة حامياوللشّرعة البيضاء يهدى ويهتدي
ويمنح أفضالا ويولي أيادياوإحسانه للمعتفين بمرصد
يقيّد أحرارا بمنطق جودهفما إن يني عن مطلق أو مقيّد
نعم إن يكن للفضل شخص فإنمابشيمته الغرّاء في الفضل يبتدي
أيا ناثرا أسنى المعارف والغناويا طارقا يطوي السّرى كلّ فدفد
ألا الق عصا التّسيار واعش لنارهتجد خير نار عندها خير موقد

ومن مقطوعاته قوله:

تبرّأت من حولي إليك وأيقنتبرحماك آمالي فصحّ يقيني
فلا أرهب الأيام إذ كنت ملجأيوحسبي يقيني باليقين يقيني

ومن شعره لهذا العهد منقولا من خطّه، قال مما نظمه فلان، يعني نفسه في كتاب الشّفا، نفع الله به:

سل بالعلى وسنى المعارف يبهرهل زانها إلّا الأئمّة معشر؟
وهل المفاخر غير ما شهدت بهآي الكتاب وخارتها الأعصر؟
هم ما هم شرفا ونيل مراتبيوم القيام إذا يهول المحشر
ورثوا الهدى عن خير مبعوث بهفخرا هديّهم النعيم الأكبر
وعياض الأعلى قداحا في العلىمنهم وحوّله الفخار الأظهر
بشفائه تشفى الصدور وإنهلرشاد نار بالشّهاب النّيّر
هو للتّوالف روح صورتها وقلهو تاج مفرقها البهيّ الأنور
أفنت محاسنه المدائح مثل مالمعيده بعد الثناء الأعطر
وله اليد البيضاء في تأليفهعند الجميع ففضلها لا ينكر
هو مورد الهيم العطاش هفتبهم أشواقهم فاعتاض منه المصدر
فبه ننال من الرضى ما نبتغيوبكونه فينا نغاث ونمطر
انظر إليه تميمة من كل ماتخشى من الخطب المهول وتحذر
لكأنّني بك يا عياض مهنأبالفوز والملأ العليّ مبشّر
لكأنّني بك يا عياض منعّمابجوار أحمد يعتلي بك مظهر
لكأنّني بك يا عياض متوّجاتاج الكرامة عند ربّك تخبر
لكأنّني بك راويا من حوضهإذ لا صدى ترويه إلّا الكوثر
فعلى محبّته طويت ضمائراوضحت شواهدها بكتبك تؤثر
ها إنّهن لشرعة الهادي الرّضاصدف يصان بهن منها جوهر
فجزاك ربّ العالمين تحيةيهب النعيم سريرها والمنبر
وسقى هزيم الودق مضجعك الذيما زال بالرّحمى يؤمّ ويعمر

وقال في محمل الكتب:

أنا الحبر في حمل العلوم وإن تقلبأني حليّ عن حلاهنّ تعدل
أقيّد ضروب العلم ما دمت قائماوإن لم أقم فالعلم عنّي بمعزل
خدمت بتقوى الله خير خليفةفبوّأني من قربه خير منزل
أبا سالم لا زال في الدهر سالمايسوّغ من شرب المنى كلّ منهل

وكان قد رأى ليلة الاثنين الثانية لجمادى الأولى عام ستين وسبعمائة في النوم، كأنّ الوزير أبا علي بن عمر بن يخلف بن عمران الفدودي، يأمره أن يجيب عن كلام من كتب إليه، فأجاب عنه بأبيات نظمها في النوم، ولم يحفظ منها غير هذين البيتين:

وإني لأجزي بما قد أتاهصديقي احتمالا لفعل الحفاء
بتمكين ودّ وإثبات عهدوإجزال حمد وبذل حياء

ومن نظمه في التورية:

وبخيل لمّا دعوه لسكنىمنزل بالجنان ضنّ بذلك
قال لي مخزن بداري فيهجلّ مالي فلست للدار تارك
لا تعرّج على الجنان بسكنىولتكن ساكنا بمخزن مالك

ومن ذلك أيضا:

يا ربّ منشأة عجبت لشأنهاوقد احتوت في البحر أعجب شان
سكنت بجنبيها عصابة شدّةحلّت محلّ الروح في الجثمان
فتحرّكت بإرادة مع أنهافي جنسها ليست من الحيوان
وجرت كما قد شاءه سكّانهافعلمت أنّ السّر في السّكان

ومن ذلك أيضا قوله:

وذي خدع دعوه لاشتغالوما عرفوه غثّا من سمين
فأظهر زهده وغنى بمالوجيش الحرص منه في كمين
وأقسم لا فعلت يمين خبّفيا عجبا لحلاف مهين
يقدّ بسيره ويمين حلفليأكل باليسار وباليمين

شيء من نثره خاطبته من مدينة سلا بما نصه، حسبما يظهر من غرضه:

مرضت فأيّامي لذاك مريضةوبرؤك مقرون ببرئي اعتلالها
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «مرضت فأيامي لذاك مريضة»
فما راع ذاك الذّات للضّرّ رائعولا وسمت بالسّقم غرّ خلالها

وينظر باقي الرسالة في خبر التّعريف بمؤلّف الكتاب.

فراجعني عن ذلك بما نصّه:

متى شئت ألقى من علائك كل ماينيل من الآمال خير منالها
كبر اعتلال من دعائك زارنيوعادات برّ لم ترم عن وصالها

أبقى الله ذلك الجلال الأعلى متطوّلا بتأكيد البرّ، متفضّلا بموجبات الحمد والشكر. وردتني سمات سيدي المشتملة على معهود تشريفه، وفضله الغنيّ عن تعريفه، متحفّيا في السؤال عن شرح الحال، ومعلنا ما تحلّى به من كرم الخلال، والشّرف العال، والمعظّم على ما يسرّ ذلك الجلال، الوزاري، الرئاسي، أجراه الله على أفضل ما عوّده، كما أعلى في كل مكرمة يده، ذلك ببركة دعائه الصالح، وحبّه

المخيّم بين الجوانح. والله سبحانه المحمود على نعمه، ومواهب لطفه وكرمه، وهو سبحانه المسؤول أن يسنى لسيدي قرار الخاطر، على ما يسرّه في الباطن والظاهر، بمنّ الله وفضله، والسلام على جلاله الأعلى ورحمة الله وبركاته. كتبه المعظّم الشاكر، الداعي المحبّ، ابن رضوان وفّقه الله.

ومما خاطبني به، وقد جرت بيني وبين المتغلب على دولتهم، رقاع، فيها سلم وإيقاع، ما نصه:

يا سيدي الذي علا مجده قدرا وخطرا، وسما ذكره في الأندية الحافلة ثناء وشكرا، وسما فخره في المراتب الدينيّة والدنيوية حمدا وأجرا، أبقاك الله جميل السّعي، أصيل الرأي، سديد الرمي، رشيد الأمر والنّهي، ممدوحا من بلغاء زمانك، بما يقصر بالنّوابغ والعشي، مفتوحا لك باب القبول، عند الواحد الحقّ. وصلني كتابك الذي هو للإعجاز آية، وللإحسان غاية، ولشاهد الحسن تبريز، ولثوب الأدب تطريز، وفي النّقد إبريز، وقفت منه على ما لا تفي العبارة بعجائبه، ولا يحيد الفضل كله عن مذاهبه، من كل أسلوب طار في الجو إعرابا وإغرابا، وملك من سحر البيان خطابا، وحمد ثناه مطالا وحديثا مطابا، شأن من قصر عن شأو البلغاء، بعد الإغياء، ووقف دون سباق البديع بعد الإعياء، فلم يشقّ غباره، ولا اقتفيت إلّا بالوهم آثاره، فلله من سيدي إتحاف سرّ ما شاء، وأحكم الإنشاء، وبرّ الأكابر والإنشاء، فما شئت من إفصاح وكتابة، وبرّ ورعاية، وفهم وإفهام، وتخصيص وإبهام، وكبح لطرف النّفس وقمع، وحفض في الجواب ورفع، وتحرّج وتورّع، وترقّص وتوسّع، وجماع وأصحاب، وعتب وإعتاب، وإدلال على أحباب، إلى غير ذلك من أنواع الأغراض، والمقاصد السّالمة جواهرها من الأعراض، جملة جمعت المحاسن، وأمتعت السامع والمعاين، وحلّت من امتناعها مع السهولة الحرم، إلّا من زاد الله تلك المعارف ظهورا، وجعلها في شرع المكارم هدى ونورا. وأما شكر الجناب الوزاري، أسماه الله، بحكم النّيابة عن جلالكم، فقد أبلغت فيه حمدي، وبذلت ما عندي، وودّي لكم ودي، ووردي لكم من المخالصة لكم وردي، وكل حالات ذلك الكمال، مجمع على تفضيله، معتمد من الثناء العاطر بإجماله وتفصيله. وأما مؤدّيه إليكم أخي وسيدي الفقيه المعظم، قاضي الحضرة وخطيبها، أبو الحسن، أدام الله عزّته، وحفظ أخوّته، فقد قرّر من أوصاف كمالاتكم، ما لا تفي بتقريره الأمثلة من أولي العلم بتلك السّجايا الغرّ، والشّيم الزّهر، وما تحلّيتم به من التقوى والبرّ، والعدل والفضل، والصبر والشكر، ولحمل المتاعب في أمور الجهاد، وترك الملاذ والدّعة في مرضاة

ربّ العباد، والإعراض عن الفانية، والإقبال على الباقية، فيا لها من صفات خلعت السعادة عليكم مطارفها، وأجزلت عوارفها، وجمعت لكم تالدها وطارفها، زكّى الله ثوابها وجدّد أثوابها، ووصل بالقبول أسبابها. وذكر لي أيضا من حسناتكم، المنقبة الكبيرة، والقربة الأثيرة، في إقامة المارستان بالحضرة، والتّسبّب في إنشاء تلك المكرمة المبتكرة، التي هي من مهمّات المسلمين بالمحلّ الأعلى، ومن ضروريات الدين بالمزيّة الفضلى، وما ذخره القدر لكم من الأجر في ذلك السعي المشكور، والعمل المبرور، فسرّني لتلك المجادة إحراز ذلك الفضل العظيم، والفوز بثوابه الكريم، وفخره العميم. ومعلوم، أبقاكم الله، ما تقدّم من ضياع الغرباء والضعفاء من المضي فيما سلف هنالك، وقبل ما قدّر لهم من المرتفق العظيم وبذلك، حتى أن من حفظ قول عمر، ﵁، والله لو ضاعت نخلة بشاطئ الفرات لخفت أن يسأل الله عنها عمر. لا شك في أن من تقدّم من أهل الأمر هنالكم، لا بدّ من سؤاله عمّن ضاع لعدم القيام بهذا الواجب المغفل. والحمد لله على ما خصّكم به من مزية قوله ﷺ: إذا أراد الله بخليفة خيرا، جعل له وزيرا صالحا، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه.

وأما «كتاب المحبة»، فقد وقف المعظّم على ما وجّهتهم منه، وقوفا ظهر بمزية التّأمل، وعلم منه ما ترك للآخر الأول، ولم يشكّ في أنّ الفضل للحاكي، وشتّان بين الباكي والمتباكي. حقّا لقد فاق التأليف جمعا وترتيبا، وذهب في الطّرق الصوفية مذهبا عجيبا. ولقد بهرت معانيه كالعرائس المجلوّة حسنا ونضارة، وبرعت بدائعه وروائعه سنى وإنارة، وألفاظا مختارة، وكؤوسا مدارة، وغيوثا من البركات مدرارة، أحسن بما أدّته تلك الغرر السّافرة، والأمثال السائرة، والخمائل النّاظرة، واللآلئ المفاخرة، والنجوم الزّاهرة. أما إنه لكتاب تضمّن زبدة العلوم، وثمرة الفهوم، وإن موضوعه للباب اللّباب، وخلاصة الألباب، وفذلكة الحساب، وفتح الملك الوهّاب، سنى الله لكم ولنا كماله، وبلّغ الجميع منّا آماله، وجعل السّعي فيه

خالصا لوجهه، وكفيلا بمعرفته بمنّه وكرمه، وهو سبحانه يبقي بركتكم، ويكلأ ذاتكم الكريمة وحوزتكم، بفضله وطوله وقوته، والسلام الكريم يخصّكم به كثيرا أثيرا، معظّم مقداركم، وملتزم إجلالكم وإكباركم، ابن رضوان، وفّقه الله، وكتب في الثامن والعشرين لرجب من عام سبعة وستين وسبعمائة.

وهو الآن بحاله الموصوفة، أعانه الله. وله تردّد إلى حضرة غرناطة، واجتياز وإلمام.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.