تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مالك المعافري

وتكرر مالك في نسبه.

أوليته: قالوا: من ولد عقبة بن نعيم الداخل إلى الأندلس، من جند دمشق، نزيل قرية شكنب من إقليم تاجرة الجمل من عمل بلدنا لوشة، غرناطي، يكنى أبا محمد.

حاله: كان أبو محمد هذا أحد وزراء الأندلس، كثير الصّنائع، جزل المواهب، عظيم المكارم، على سنن عظماء الملوك، وأخلاق السادة الكرام. لم ير بعده مثله في رجال الأندلس، ذاكرا للفقه والحديث، بارعا في الأدب، شاعرا مجيدا وكاتبا بليغا، حلو الكتابة والشعر، هشّا مع وقار، ليّنا على مضاء، عالي الهمّة، كثير الخدم والأهل.

من آثاره الماثلة إلى اليوم الحمّام، بجوفيّ الجامع الأعظم من غرناطة. بدأ بناءه أول يوم من جمادى الأولى سنة تسع وخمسمائة. وشرع في الزّيادة في سقف

الجامع من صحنه سنة ست عشرة، وعوّض أرجل قسيّه أعمدة الرخام، وجلب الرّءوس والموائد من قرطبة، وفرش صحنه بكذّان الصّخيرة. ومن مكارمه أنه لمّا ولّي مستخلص غرناطة وإشبيلية، وجّهه أميره علي بن يوسف بن تاشفين إلى طرطوشة برسم بنائها، وإصلاح خللها، فلمّا استوفى الغاية فيها قلّده، واستصحب جملة من ماله لمؤنته المختصّة به، فلما احتلّها سأل قاضيها، فكتب إليه جملة من أهلها ممن ضعف حاله وقلّ تصرفه من ذوي البيوتات، فاستعملهم أمناء في كل وجه جميل، ووسّع أرزاقهم، حتى كمل له ما أراد من عمله. ومن عجز أن يستعمله وصله من ماله. وصدر عنها وقد أنعش خلقا كثيرا.

شعره: من قوله في مجلس أطربه سماعه، وبسطه احتشاد الأنس فيه واجتماعه:

لا تلمني إذا طربت لشجويبعث الأنس فالكريم طروب
ليس شقّ الجيوب حقّا عليناإنما الحقّ أن تشقّ القلوب

وقال، وقد قطف غلام من غلمانه نوّارة، ومدّ بها يده إلى أبي نصر الفتح بن عبيد الله، فقال أبو نصر:

وبدر بدا والطّرف مطلع حسنهوفي كفّه من رائق النّور كوكب
يروح لتعذيب النفوس ويغتديويطلع في أفق الجمال ويغرب

فقال أبو محمد بن مالك:

ويحسد منه الغصن أيّ مهفهفيجيء على مثل الكئيب ويذهب

نثره: قال أبو نصر: كتبت إليه مودّعا، فكتب إليّ مستدعيا، وأخبرني رسوله أنه لما قرأ الكتاب وضعه، وما سوّى ولا فكّر ولا روى:

يا سيدي، جرت الأيام بجمع افتراقك، وكان الله جارك في انطلاقك، فغيرك روّع بالظّعن، وأوقد للوداع جاحم الشّجن، فأنت من أبناء هذا الزمن، خليفة الخضر لا يستقرّ على وطن، كأنّك والله يختار لك ما تأتيه وما تدعه، موكّل بفضاء الأرض تذرعه، فحسب من نوى بعشرتك الاستمتاع، أن يعدّك من العواري السّريعة الارتجاع، فلا يأسف على قلّة الثّوا، وينشد:

وفارقت حتى ما أبالي من النّوى

وفاته: اعتلّ بإشبيلية فانتقل إلى غرناطة، فزادت علّته بها، وتوفي، ﵀، بها في غرّة شعبان سنة ثماني عشرة وخمسمائة، ودفن إثر صلاة الظهر من يوم الجمعة المذكورة بمقبرة باب إلبيرة، وحضر جنازته الخاصة والعامة.

من رثاه: رثاه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن أبي الخصال، ﵀، فقال:

إن كنت تشفق من نزوح نواهفهناك مقبرة وذا مثواه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
قسّم زمانك عبرة أو عبرةوأحل تشوّقه على ذكراه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وأعدده ما امتدّت حياتك غائباأو عاتبا إن لم تزر زرناه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أو نائما غلبت عليه رقدةلمسهد لم تغتمض عيناه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أو كوكبا سرت الرّكاب بنورهفمضى وبلّغنا المحلّ سناه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فمتى تبعد والنفوس تزورهومتى تغيب والقلوب تراه
يا واحدا عدل الجميع وأصلحتدنيا الجميع ودينهم دنياه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
طالت أذاتك بالحياء كرامةوالله يكرم عبده بأذاه
لشهادة التّوحيد بين لسانهوجنانه نور يرى مسراه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وبوجهه سيما أغرّ محجّلمهما بدا لم تلتبس سيماه
وكأنما هو في الحياة سكينةلولا اهتزاز في النّدى يغشاه
وكأنّه لحظ العفاة توجّعافتلازمت فوق الفؤاد يداه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أبدى رضى الرحمن عنك ثناؤهمإنّ الثّناء علامة لرضاه
يا ذا الذي شغف القلوب بهوذا لا ترتجيه وذاك لا تخشاه
ما ذاك إلّا أنه فرع زكاوسع الجميع بظلّه وحناه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
فاليوم أودى كلّ من أحببتهونعى إلى النفس من ينعاه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
ماذا يؤمل في دمشق مسهدقد كنت ناظره وكنت تراه؟
يعتاد قبرك للبكا أسفا بماقد كان أضحكه الذي أبكاه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
يا تربة حلّ الوزير ضريحهاسقاك بل صلّى عليك الله
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
وسرى إليك ومنك ذكر ساطعكالمسك عاطرة به الأفواه
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.