تجاوز إلى المحتوى

من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

ومن ترجمة المقرئين والعلماء والطلبة النجباء من ترجمة الطارئين منهم

عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن أصبغ بن حسن بن سعدون بن رضوان بن فتّوح الخثعمي

مالقي، يكنى أبا زيد، وأبا القاسم، وأبا الحسين، وهي قليلة، شهر بالسّهيلي.

حاله: كان مقرئا مجوّدا، متحققا بمعرفة التفسير، غواصا على المعاني البديعة، ظريف التّهدّي إلى المقاصد الغريبة، محدّثا، واسع الرّواية، ضابطا لما يحدّث به، حافظا متقدما، ذاكرا للأدب والتواريخ والأشعار والأنساب، مبرّزا في الفهم، ذكيّا، أديبا، كاتبا بليغا، شاعرا مجيدا، نحويا، عارفا، بارعا، يقظا، يغلب عليه علم العربية والأدب. استدعي آخرا إلى التدريس بمرّاكش، فانتقل إليها من مالقة، محلّ إقرائه، ومتبوّأ إفادته، فأخذ بها الناس عنه، إلى حين وفاته.

مشيخته: تلا بالحرمين على خال أبيه الخطيب أبي الحسن بن عباس، وبالسّبع على أبي داود بن يحيى، وعلى أبي علي منصور بن علاء، وأبي العباس بن خلف بن رضي، وروى عن أبي بكر بن طاهر، وابن العربي، وابن قندلة، وأبي الحسن شريح، وابن عيسى، ويونس بن مغيث، وأبي الحسن بن الطّراوة، وأكثر عنه في علوم اللسان، وأبي عبد الله حفيد مكّي، وابن أخت غانم، وابن معمّر، وابن نجاح، وأبي العباس بن يوسف بن يمن الله، وأبوي القاسم ابن الأبرش، وابن الرّماك، وأبوي محمد بن رشد، والقاسم بن دحمان، وأبوي مروان بن بونة، وأبي عبد الله بن بحر. وناظر في «المدوّنة» على ابن هشام. وأجاز له ولم يلقه أبو العباس عبّاد بن سرحان، وأبو القاسم بن ورد.

من روى عنه: روى عنه أبو إسحاق الزّوالي، وأبو إسحاق الجاني، وأبو أمية بن عفير، وأبو بكر بن دحمان، وابن قنتوال، والمحمدون ابن طلحة، وابن عبد العزيز، وابن علي جو يحمات، وأبو جعفر بن عبد المجيد، والحفّار وسهل بن مالك، وابن العفّاص، وابن أبي العافية، وأبو الحسن السّراج، وأبو سليمان بن حوط الله، والسمائي، وابن عياش الأندرشي، وابن عطية، وابن يربوع، وابن رشيد، وابن ناجح، وابن جمهور، وأبو عبد الله بن عيّاش الكاتب، وابن الجذع، وأبو علي الشّلوبين، وسالم بن صالح، وأبو القاسم بن بقي، وأبو القاسم بن الطّيلسان، وعبد الرحيم بن الفرس، وابن الملجوم، وأبو الكرم جودي، وأبو محمد بن حوط الله، إلى جملة لا يحصرها الحدّ.

دخل غرناطة، وكان كثير التأميل والمدح لأبي الحسن بن أضحى، قاضيها وريّسها، وله في مدحه أشعار كثيرة، وذكر لي من أرّخ في الغرناطيين، وأخبرني بذلك صاحبنا القاضي أبو الحسن بن الحسن كتابة عمّن يثق به.

تواليفه: منها كتاب «الشّريف والإعلام، بما أبهم في القرآن من أسماء الأعلام». ومنها شرح آية الوصية، ومنها «الرّوض الآنف والمشرع الرّوا، فيما اشتمل عليه كتاب السيرة واحتوى». وابتدأ إملاءه في محرم سنة تسع وستين وخمسمائة، وفرغ منه في جمادى منها. ومنها «حلية النّبيل، في معارضة ما في السّبيل». إلى غير ذلك.

شعره: قال أبو عبد الله بن عبد الملك: أنشدني أبو محمد القطّان، قال:

أنشدني أبو علي الرّندي، قال: أنشدني أبو القاسم السّهيلي لنفسه:

أسائل عن جيرانه من لقيتهوأعرض عن ذكراه والحال تنطق
وما لي إلى جيرانه من صبابةولكنّ قلبي عن صبوح يوفّق

ونقلت من خطّ الفقيه القاضي أبي الحسن بن الحسن، من شعر أبي القاسم السّهيلي، مذيّلا بيت أبي العافية في قطعة لزوميّة:

ولمّا رأيت الدّهر تسطو خطوبهبكل جليد في الورى أو هداني»
ولم أر من حرز ألوذ بظلّهولا من له بالحادثات يداني
فزعت إلى من ملّك الدهر كفّهومن ليس ذو ملك له بمران
وأعرضت عن ذكر الورى متبرّماإلى الرّب من قاص هناك ودان
وناديته سرّا ليرحم عبرتيوقلت: رجائي قادني وهداني
ولم أدعه حتى تطاول مفضلاعليّ بإلهام الدّعاء وعان
وقلت: أرجّي عطفه متمثّلاببيت لعبد صائل بردان
تغطّيت من دهري بظلّ جناحهعسى أن ترى دهري وليس يراني
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «لمن طلل لم أشجه وشجاني»

قلت: وما ضرّه، غفر الله له، لو سلمت أبياته من «بردان»، ولكن أبت صناعة النحو إلّا أن تخرج أعناقها.

ومن شعره قوله:

تواضع إذا كنت تبغي العلاوكن راسيا عند صفو الغضب
فخفض الفتى نفسه رفعةله واعتبر برسوب الذّهب

وشعره كثير، وكتابته كذلك، وكلاهما من نمط يقصر عن الإجادة.

وقال ملغزا في محمل الكتب، وهو مما استحسن من مقاصده:

حامل للعلوم غير فقيهليس يرجو أمرا ولا يتّقيه
للشاعر أبو زيد السُهَيلي، اقرأ القصيدة
يحمل العلم فاتحا قدميهفإذا انضمّتا فلا علم فيه
للشاعر أبو زيد السُهَيلي، اقرأ القصيدة

ومن ذلك قوله في المجبنات:

شغف الفؤاد نواعم أبكاربردت فؤاد الصّبّ وهي حرار
أذكى من المسك الفتيق لناشقوألذّ من صهباء حين تدار
وكأنّ من صافي اللّجين بطونهاوكأنّما ألوانهنّ نضار
صفت البواطن والظواهر كلهالكن حكت ألوانها الأزهار
عجبا لها وهي النعيم تصوغهانار، وأين من النّعيم النار؟
للشاعر أبو زيد السُهَيلي، اقرأ القصيدة

ومن شعره وثبت في الصّلة:

إذا قلت يوما: سلام عليكففيها شفاء وفيها سقام
للشاعر أبو زيد السُهَيلي، اقرأ القصيدة
شفا إذ قلتها مقبلاوإن قلتها مدبرا فالحمام
فاعجب لحال اختلافيهماوهذا سلام وهذا سلام

مولده: عام سبعة أو ثمانية وخمسمائة.

وفاته: وتوفي في مرّاكش سحر ليلة الخامس والعشرين من شعبان أحد وثمانين وخمسمائة، ودفن لظهره بجبّانة الشيوخ خارج مراكش، وكان قد عمي سبعة عشر عاما من عمره.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإحاطة في أخبار غرناطة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.