من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
عبد الرحيم بن إبراهيم بن عبد الرحيم الخزرجي
يكنى أبا القاسم، ويعرف بابن الفرس، ويلقّب بالمهر، من أعيان غرناطة.
حاله: كان فقيها جليل القدر، رفيع الذّكر، عارفا بالنحو واللغة والأدب، ماهر الكتابة، رائق الشعر، بديع التّوشيح، سريع البديهة، جاريا على أخلاق الملوك في مركبه وملبسه وزيّه. قال ابن مسعدة: وطىء من درجات العزّ والمجد أعلاها، وفرع من الأصالة منتماها. ثم علت همّته إلى طلب الرّئاسة والملك، فارتحل إلى بلاد العدوة، ودعا إلى نفسه، فأجابه إلى ذلك الخلق الكثير، والجمّ الغفير، ودعوه باسم الخليفة، وحيّوه بتحيّة الملك. ثم خانته الأقدار، والدهر بالإنسان غدّار، فأحاطت به جيوش الناصر بن المنصور، وهو في جيش عظيم من البربر، فقطع رأسه، وهزم جيشه، وسيق إلى باب الخليفة، فعلّق على باب مرّاكش، في شبكة حديد، وبقي به مدة من عشرين سنة.
قال أبو جعفر بن الزبير: كان أحد نبهاء وقته لولا حدّة كانت فيه أدّت به إلى ما حدّثني به بعض شيوخي من صحبه. قال: خرجنا معه يوما على باب من أبواب مراكش برسم الفرجة، فلمّا كان عند الرجوع نظرنا إلى رؤوس معلّقة، وتعوّذنا بالله من الشّرّ وأهله، وسألناه سبحانه العافية. قال: فأخذ يتعجب منّا، وقال: هذا خور طريقة وخساسة همّة، والله ما الشرف والهمّة إلّا في تلك، يعني في طلب الملك، وإن أدّى الاجتهاد فيه إلى الموت دونه على تلك الصّفة. قال: فما برحت الليالي والأيام، حتى شرع في ذلك، ورام الثورة، وسيق رأسه إلى مراكش، فعلق في جملة تلك الرءوس، وكتب عليه، أو قيل
فيه:
لقد طمّح المهر الجموح لغايةفقطّع أعناق الجياد السّوابق
جرى وجرت رجلاه لكنّ رأسهأتى سابقا والجسم ليس بسابق
وكانت ثورته ببعض جهات درعة من بلاد السّوس.
مشيخته: أخذ عن صهره القاضي أبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم، وعن غيره من أهل بلده، وتفقّه بهم، وبهر في العقليّات والعلوم القديمة، وقرأ على القاضي المحدّث أبي بكر بن أبي زمنين، وتلا على الأستاذ الخطيب أبي عبد الله بن عروس، والأدب والنحو على الأستاذ الوزير أبي يحيى بن مسعدة. وأجازه الأستاذ الخطيب أبو جعفر العطّار. ومن شعره في الثورة:
قولوا لأولاد عبد المؤمن بن عليتأهّبوا لوقوع الحادث الجلل
قد جاء فارس قحطان وسيّدهاووارث الملك والغلّاب للدول
ومن شعره القصيدة الشهيرة وهي:
الله حسبي لا أريد سواههل في الوجود الحق إلّا الله؟
ذات الإله بها تقوم دولتناهل كان يوجد غيره لولاه؟
يا من يلوذ بذاته أنت الذيلا تطمع الأبصار في مرآه
لا غرو أنّا قد رأيناه بهافالحقّ يظهر ذاته وتراه
يا من له وجب الكمال بذاتهفالكل غاية فوزهم لقياه
أنت الذي لمّا تعالى جدّهقصرت خطا الألباب دون حماه
أنت الذي امتلأ الوجود بحمدهلمّا غدا ملآن من نعماه
أنت الذي اخترع الوجود بأسرهما بين أعلاه إلى أدناه
أنت الذي خصّصتنا بوجودناأنت الذي عرّفتنا معناه
أنت الذي لو لم تلخ أنوارهلم تعرف الأضداد والأشباه
لم أفش ما أودعتنيه إنّهما صان سرّ الحقّ من أفشاه
عجز الأنام عن امتداحك إنهتتضاءل الأفكار دون مداه
من كان يعلم أنك الحقّ الذيبهر العقول فحسبه وكفاه
لم ينقطع أحد إليك محبّةإلّا وأصبح حامدا عقباه
وهي طويلة................ ................ .................
من أهل غرناطة، يكنى أبا ورد، ويعرف بابن القصجة.
عديم رواء الحسّ، قريب العهد بالنجعة، فارق وطنه وعيصه، واستقبل المغرب ... الوفادة، وقدم على الأندلس في أخريات دولة الثاني من الملوك النصريين، فمهد جانب البر له، وقرب مجلسه، ورعى وسيلته، وكان على عمل بر من صوم واعتكاف وجهاد.
نباهته: ووقف بي ولده الشريف أبو زيد عبد الرحيم، على رسالة كتب بها أمير مكة على عهده إلى سلطان الأندلس ثاني الملوك النصريين، ﵏، وعبّر فيها عن نفسه: من عبد الله، المؤيّد بالله، محمد بن سعد الحرسني، في غرض المواصلة والمودة والمراجعة عن بر صدر عن السلطان، ﵀، من فصولها: «ثم أنكم، رضي الله عنكم، بالغنم في الإحسان للسيد الشريف أبي القاسم الذي انتسب إلينا، وأويتموه من أجلنا، وأكرمتموه، ورفعتموه احتراما لبيته الشريف، جعل الله عملكم معه وسيلة بين يدي جدّنا ﵇». وهي طويلة وتحميدها ظريف، من شنشنة أحوال تلك البال بمكة المباركة.
وفاته: توفي شهيدا في الوقيعة بين المسلمين والنصارى بظاهر ألمرية عندما وقع الصريخ لإنجادها، ورفع العدو البرجلوني عنها في السادس والعشرين من شهر ربيع الأول عام عشرة وسبعمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع