من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن ابن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد ابن عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي
من ذرّية عثمان أخي كريب المذكور في نبهاء ثوار الأندلس. وينتسب سلفهم إلى وائل بن حجر، وحاله عند القدوم على رسول الله ﷺ، معروف.
أوليته: قد ذكر بعض منها. وانتقل سلفه من مدينة إشبيلية عن نباهة وتعيّن وشهرة عند الحادثة بها، أو قبل ذلك، واستقرّ بتونس منهم ثالث المحمدين؛ محمد بن الحسن، وتناسلوا على سراوة وحشمة ورسوم حسنة، وتصرّف جدّ المترجم به لملوكها في القيادة.
حاله: هذا الرجل الفاضل حسن الخلق، جمّ الفضائل باهر الخصل، رفيع القدر، ظاهر الحياء، أصيل المجد، وقور المجلس، خاصّيّ الزّيّ، عالي الهمّة، عزوف عن الضّيم، صعب المقادة، قوي الجأش، طامح لقنن الرئاسة، خاطب للحظّ، متقدّم في فنون عقلية ونقلية، متعدّد المزايا، سديد البحث، كثير الحفظ، صحيح التّصوّر، بارع الخطّ، مغرى بالتجلّة، جواد الكفّ، حسن العشرة، مبذول
المشاركة، مقيم لرسوم التّعين، عاكف على رعي خلال الأصالة، مفخرة من مفاخر التّخوم المغربية.
مشيخته: قرأ القرآن ببلده على المكتّب ابن برال، والعربية على المقرئ الزواوي، وابن العربي، وتأدّب بأبيه، وأخذ عن المحدّث أبي عبد الله بن جابر الوادي آشي. وحضر مجلس القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام، وروى عن الحافظ عبد الله السّطي، والرئيس أبي محمد عبد المهيمن الحضرمي، ولازم العالم الشهير أبا عبد الله الآبلي، وانتفع به.
توجّهه إلى المغرب: انصرف عن إفريقية منشئه، بعد أن تعلّق بالخدمة السلطانية على الحداثة وإقامته لرسم العلامة بحكم الاستنابة عام ثلاثة وخمسين وسبعمائة. وعرف فضله، وخطبه السلطان منفّق سوق العلم والأدب أبو عنان فارس بن علي بن عثمان، واستقدمه، واستحضره بمجلس المذاكرة، فعرف حقّه، وأوجب فضله، واستعمله في الكتابة أوائل عام ستة وخمسين، ثم عظم عليه حمل الخاصّة من طلبة الحضرة لبعده عن حسن التأنّي، وشفوفه بثقوب الفهم، وجودة الإدراك، فأغروا به السلطان إغراء عضّده ما جبل عليه عندئذ من إغفال التّحفّظ، ممّا يريب لديه، فأصابته شدّة تخلّصه منها أجله؛ كانت مغربة في جفاء ذلك الملك، وهناة جواره، وإحدى العواذل لأولي الهوى في القول بفضله، [واستأثر به الاعتقال باقي أيام دولته على سنن الأشراف من الصّبر] »
وعدم الخشوع، وإهمال التوسّل، وإبادة المكسوب في سبيل النّفقة، والإرضاخ على زمن المحنة، وجار المنزل الخشن، إلى أن أفضى الأمر إلى السّعيد ولده، فأعتبه قيّم الملك لحينه، وأعاده إلى رسمه. ودالت الدولة إلى السلطان أبي سالم، وكان له به الاتصال، قبل تسوّغ المحنة، بما أكد حظوته، فقلّده ديوان الإنشاء مطلق الجرايات، محرّر السّهام، نبيه الرّتبة، إلى آخر أيامه. ولمّا ألقت الدولة مقادها بعده إلى الوزير عمر بن عبد الله، مدبّر الأمر، وله إليه قبل ذلك وسيلة، وفي حليه شركة، وعنده حقّ، رابه تقصيره عمّا ارتمى إليه أمله، فساء ما بينهما إلى أن آل إلى انفصاله عن الباب المريني.
دخوله غرناطة: ورد على الأندلس في أوائل شهر ربيع الأول من عام أربعة وستين وسبعمائة، واهتزّ له السلطان، وأركب خاصّته لتلقّيه، وأكرم وفادته، وخلع عليه، وأجلسه بمجلسه الخاص، ولم يدّخر عنه برّا ومؤاكلة ومطايبة وفكاهة.
وخاطبني لما حلّ بظاهر الحضرة مخاطبة لم تحضرني الآن، فأجبته عنها بقولي:
حللت حلول الغيث في البلد المحلعلى الطائر الميمون والرّحب والسّهل
يمينا بمن تعنو الوجوه لوجههمن الشّيخ والطفل المهدّإ والكهل
لقد نشأت عندي للقياك غبطةتنسّي اغتباطي بالشّبيبة والأهل
أقسمت بمن حجّت قريش لبيته، وقبر صرفت أزمّة الأحياء لميته، [ونور ضربت الأمثال بمشكاته وزيته، لو خيّرت أيها الحبيب] الذي زيارته الأمنية السّنيّة، والعارفة الوارفة، واللطيفة المطيفة، بين رجع الشّباب يقطر ماء، ويرفّ نماء، ويغازل عيون الكواكب، فضلا عن الكواعب، إشارة وإيماء، بحيث لا الوخط يلمّ بسياج لمّته، أو يقدح ذبالة في ظلمته، أو يقوم حواريّه في ملّته، من الأحابش وأمّته، وزمانه روح وراح، ومغدى في النّعيم ومراح، وقصف صراح، [ورقّى وجراح،] وانتحاب واقتراح، وصدور ما بها إلّا انشراح، ومسرّات تردفها أفراح. وبين قدومك خليع الرّسن، ممتّعا والحمد
لله باليقظة والوسن، محكما في نسك الجنيد أو فتك الحسن، ممتعا بظرف المعارف، مالئا أكفّ الصّيارف، ماحيا بأنوار البراهين شبه الزّخارف- لما اخترت الشّباب وإن شاقني زمنه، وأعياني ثمنه، وأجرت سحاب دمعي دمنه. فالحمد لله الذي رقى جنون اغترابي، وملّكني أزمة آرابي، وغبّطني بمائي وترابي، [ومألف أترابي،] وقد أغصّني بلذيذ شرابي، ووقّع على سطوره المعتبرة إضرابي، وعجّلت هذه مغبّطة بمناخ المطيّة، ومنتهى الطّيّة، وملتقى السّعود غير البطيّة، وتهنّي الآمال الوثيرة الوطيّة، فما شئت من نفوس عاطشة إلى ريّك، متجمّلة بزيّك، عاقلة خطى مهريّك، ومولى مكارمه نشيدة أمثالك، ومظانّ مثالك، وسيصدق الخبر ما هنالك، ويسع فضل مجدك في التخلّف عن الإصحار، لا بل اللقاء من وراء البحار، والسّلام.
ولما استقرّ بالحضرة، جرت بيني وبينه مكاتبات أقطعها الظّرف جانبه، وأوضح الأدب فيها مذاهبه. فمن ذلك ما خاطبته به، وقد تسرّى جارية روميّة اسمها هند صبيحة الابتناء بها:
أوصيك بالشيخ أبي بكرهلا تأمنن في حالة مكره
واجتنب الشّكّ إذا جئتهجنّبك الرحمن ما تكره
سيدي، لا زلت تتّصف بالوالج، بين الخلاخل والدّمالج، وتركض فوقها ركض الهمالج أخبرني كيف كانت الحال، وهل حطّت بالقاع من خير البقاع الرّحال، وأحكم بمرود المراودة الاكتحال، وارتفع بالسّقيا الإمحال، وصحّ
الانتحال، وحصحص الحقّ وذهب المحال، وقد طولعت بكل بشرى وبشر، وزفّت هند منك إلى بشر، فلله من عشيّة تمتّعت من الربيع بفرش موشيّة، وابتذلت منها أي وساد وحشية، وقد أقبل ظبي الكناس، من الدّيماس، ومطوق الحمام، من الحمّام، وقد حسّنت الوجه الجميل التّطرية، وأزيلت عن الفرع الأثيث الإبرية، وصقلت الخدود فهي كأنها الأمرية، وسلّط الدّلك على الجلود، وأغريت النّورة بالشّعر المولود، وعادت الأعضاء يزلق عنها اللّمس، ولا تنالها البنان الخمس، والسّحنة يجول في صفحتها الفضّيّة ماء النعيم، والمسواك يلبّي من ثنيّة التّنعيم والقلب يرمي من الكفّ الرّقيم بالمقعد المقيم، وينظر إلى نجوم الوشوم، فيقول: إني سقيم. وقد تفتّح ورد الخفر، وحكم لزنجي الظّفيرة بالظّفر، واتّصف أمير الحسن بالصّدود المغتفر، ورشّ بماء الطّيب، ثم أعلق بباله دخان العود الرّطيب. وأقبلت الغادة، يهديها اليمن وتزقّها السعادة، فهي تمشي على استحياء وقد ذاع طيب الريّا، وراق حسن المحيّا، حتى إذا نزع الخفّ، وقبّلت الأكفّ، وصخب المزمار وتجاوب الدّف، وذاع الأرج، وارتفع الحرج، وتجوّز اللّوا والمنعرج، ونزل على بشر بزيارة هند الفرج، اهتزّت الأرض وربت، وعوصيت الطّباع البشرية فأبت. ولله درّ القائل:
ومرّت فقالت: متى نلتقي؟فهشّ اشتياقا إليها الخبيث
وكاد يمزّق سربالهفقلت: إليك يساق الحديث
فلمّا انسدل جنح الظلام، وانتصفت من غريم العشاء الأخيرة فريضة الإسلام، وخاطت خيوط المنام، عيون الأنام، تأتّى دنوّ الجلسة، ومسارقة الخلسة، ثم عضّة النهد، وقبلة الفم والخدّ، وإرسال اليد من النّجد إلى الوهد،
وكانت الإمالة القليلة قبل المدّ، ثم الإفاضة فيما يغبط ويرغب، ثم الإماطة لما يشوّش ويشغب، ثم إعمال المسير، إلى السّرير:
وصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامناورضت فذلّت صعبة أيّ إذلال
هذا بعد منازعة للأطواق يسيرة، يراها الغيد من حسن السيرة، ثم شرع في حلّ التّكة، ونزع الشّكة، وتهيئة الأرض العزاز عمل السّكة، ثم كان الوحي والاستعجال، وحمي الوطيس والمجال، وعلا الجزء الخفيف، وتضافرت الخصور الهيف، وتشاطر الطّبع العفيف، وتواتر التقبيل، وكان الأخذ الوبيل، وامتاز الأنوك من النّبيل، ومنها جائر وعلى الله قصد السّبيل، فيا لها من نعم متداركة، ونفوس في سبيل القحة متهالكة، ونفس يقطّع حروف الحلق، وسبحان الذي يزيد في الخلق، وعظمت الممانعة، وكثرت باليد المصانعة، وطال التّراوغ والتّزاور، وشكي التجاور، وهنالك تختلف الأحوال، وتعظم الأهوال، وتخسر أو تربح الأموال، فمن عصا تنقلب ثعبانا مبينا، ونونة تصير تنينا، وبطل لم يهله المعترك الهائل، والوهم الزائل، ولا حال بينه وبين قرّته الحائل، فتعدّى فتكة السّليك إلى فتكة البرّاض، وتقلّد مذهب الأزارقة من الخوارج في الاعتراض، ثم شقّ الصفّ، وقد خضّب الكفّ، بعد أن كاد يصيب البريّ بطعنته، ويبوء بمقت الله ولعنته:
طعنت ابن عبد الله طعنة ثائرلها نفذ لولا الشعاع أضاءها
وهناك هدأ القتال، وسكن الخبال، ووقع المتوقّع فاستراح البال، وتشوّف إلى مذهب الثنوية من لم يكن للتّوحيد بمبال، وكثر السؤال عن البال، بما بال، وجعل الجريح يقول: وقد نظر إلى دمه، يسيل على قدمه:
إنّي له عن دمي المسفوك معتذرأقول: حمّلته في سفكه تعبا
ومن سنان عاد عنانا، وشجاع صار هدانا جبانا، كلما شابته شائبة ريبة، أدخل يده في جيبه، فانجحرت الحيّة، وماتت الغريزة الحيّة، وهناك يزيغ البصر، ويخذل المنتصر، ويسلم الأسر، ويغلب الحصر، ويجفّ اللّباب، ويظهر العاب، ويخفق الفؤاد، ويكبو الجواد، ويسيل العرق، ويشتدّ الكرب والأرق، وينشأ في محلّ الأمن الفرق، ويدرك فرعون الغرق، ويقوى اللّجاج ويعظم الخرق. فلا تزيد الحال إلا شدّة، ولا تعرف تلك الجارحة المؤمنة إلّا ردّة:
إذا لم يكن عون من الله للفتىفأكثر ما يجني عليه اجتهاده
فكم مغرى بطول اللّبث، وهو من الخبث، يؤمل الكرّة، ليزيل المعرّة، ويستنصر الخيال، ويعمل باليد الاحتيال:
إنك لا تشكو إلى مصمّتفاصبر على الحمل الثّقيل أو مت
ومعتذر بمرض أصابه، جرّعه أوصابه، ووجع طرقه، جلب أرقه، وخطيب أرتج عليه أحيانا، فقال: سيحدث الله بعد عسر يسرا وبعد عيّ بيانا، اللهمّ إنّا نعوذ بك من فضائح الفروج إذا استغلقت أقفالها، ولم تسم بالنّجيع أغفالها، ومن معرّات الأقذار، والنكول عن الأبكار، ومن النّزول عن البطون والسّرر، والجوارح الحسنة الغرر، قبل ثقب الدّرر، ولا تجعلنا ممن يستحي من البكر بالغداة، وتعلم منه كلال الأداة، وهو مجال فضحت فيه رجال، وفراش شكيت فيه أوجال، وأعملت رويّة وارتجال. فمن قائل:
أرفعه طورا على إصبعيورأسه مضطرب أسفله
كالحنش المقتول يلقى علىعود لكي يطرح في مزبله
أو قائل:
عدمت من أيري قوى حسّهيا حسرة المرء على نفسه
تراه قد مال على أصلهكحائط خرّ على أسّه
وقائل:
أيحسدني إبليس داءين أصبحابرجلي ورأسي دمّلا وزكاما؟
فليتهما كانا به وأزيدهرخاوة أير لا يريد قياما
وقائل:
أقول لأيري وهو يرقب فتكةبه: خبت من أير وعالتك داهيه
إذا لم يك للأير بخت تعذّرتعليه وجوه النيك من كلّ ناحيه
وقائل:
تعقّف فوق الخصيتين كأنهرشاء إلى جنب الركيّة ملتفّ
كفرخ ابن ذي يومين يرفع رأسهإلى أبويه ثم يدركه الضّعف
وقائل:
تكرّش أيري بعدما كان أملساوكان غنيّا من قواه فأفلسا
وصار جوابي للمها أن مررن بي«مضى الوصل إلّا منية تبعث الأسى»
وقائل:
بنفسي من حيّيته فاستخفّ بيولم يخطر الهجران منه على بالي
وقابلني بالغور والنّجد بعدماحططت به رحلي وجرّدت سربالي
وما أرتجي من موسر فوق دكّةعرضت له شيئا من الحشف البالي
علل لا تزال تبكى، وعلل على الدهر تشكى، وأحاديث تقصّ وتحكى، فإن كنت أعزّك الله من النّمط الأول، ولم تقل:
وهل عند رسم دارس من معوّل
فقد جنيت الثّمر، واستطبت السّمر، فاستدع الأبواق من أقصى المدينة، واخرج على قومك في ثياب الزّينة، واستبشر بالوفود، وعرّف المسمع عازفة الجود، وتبجّح بصلابة العود، وإنجاز الوعود، واجن رمّان النّهود، من أغصان القدود، واقطف ببنان اللّثم أقاح الثّغور وورد الخدود، وإن كانت الأخرى، فأخف الكمد، وارض الثمد، وانتظر الأمد، وأكذب التوسّم، واستعمل التّبسّم، واستكتم النّسوة، وأفض فيهنّ الرّشوة، وتقلّد المغالطة وارتكب، وجىء على قميصك بدم كذب، واستنجد الرحمن، واستعن على أمورك بالكتمان:
لا تظهرنّ لعاذل أو عاذرحاليك في السّرّاء والضّرّاء
فلرحمة المتفجّعين حرارةفي القلب مثل شماتة الأعداء
وانتشق الأرج، وارتقب الفرج، فكم غمام طبّق وما همى، وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
، واملك بعدها عنان نفسك حتى تمكّنك الفرصة، وترفع إليك القصّة، ولا تشتره إلى عمل لا تفيء منه بتمام، وخذ عن إمام، ولله درّ عروة بن حزام:
الله يعلم ما تركت قتالهمحتى رموا مهري بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل دونهمأقتل ولم يضرر عدوّي مشهدي
ففررت منهم والأحبّة فيهمطمعا لهم بعقاب يوم مفسد
واللّبانات تلين وتجمح، والمآرب تدنو وتنزح، وتحرن ثم تسمح، وكم من شجاع خام، ويقظ نام، ودليل أخطأ الطريق، وأضلّ الفريق، والله ﷿ يجعلها خلّة موصولة، وشملا أكنافه بالخير مشمولة، وبنية أركانها لركاب اليمن مأمولة، حتى يكثر خدم سيدي وجواريه، وأسرته وسراريه، وتضفو عليه نعمة باريه، ما طورد قنيص، واقتحم عيص، وأدرك مرام عويص، وأعطي زاهد وحرم حريص، والسّلام.
تواليفه: شرح القصيدة المسماة بالبردة شرحا بديعا، دلّ فيه على انفساح ذرعه، وتفنّن إدراكه، وغزارة حفظه. ولخّص كثيرا من كتب ابن رشد.
وعلّق للسلطان أيام نظره في العلوم العقلية تقييدا مفيدا في المنطق، ولخّص محصّل الإمام فخر الدين ابن الخطيب الرازي. وبذلك داعبته أول لقية لقيته [ببعض منازل الأشراف، في سبيل المبرّة بمدينة فاس،] فقلت له:
لي عليك مطالبة، فإنك لخّصت «محصّلي». وألّف كتابا في الحساب. وشرع في هذه الأيام في شرح الرّجز الصادر عني في أصول الفقه، بشيء لا غاية وراءه في الكمال. وأمّا نثره وسلطانيّاته، مرسلها ومسجعها، فخلج بلاغة، ورياض فنون، ومعادن إبداع، يفرغ عنها يراعه الجريء، شبيهة البداءات بالخواتم، في نداوة الحروف، وقرب العهد بجرية المداد، ونفوذ أمر القريحة، واسترسال الطبع.
وأما نظمه، فنهض لهذا العهد قدما في ميدان الشّعر، وأغري نقده باعتبار أساليبه؛ فانثال عليه جوّه، وهان عليه صعبه، فأتى منه بكل غريبة. من ذلك قوله يخاطب السلطان ملك المغرب ليلة الميلاد الكريم عام اثنين وستين وسبعمائة
بقصيدة طويلة:
أسرفن في هجري وفي تعذيبيوأطلن موقف عبرتي ونحيبي
وأبين يوم البين موقف ساعةلوداع مشغوف الفؤاد كئيب
لله عهد الظّاعنين وغادرواقلبي رهين صبابة ووجيب
غربت ركائبهم ودمعي سافحفشرقت بعدهم بماء غروبي
يا ناقعا بالعتب غلّة شوقهمرحماك في عذلي وفي تأنيبي
يستعذب الصّبّ الملام وإننيماء الملام لديّ غير شريب
ما هاجني طرب ولا اعتاد الجوىلولا تذكّر منزل وحبيب
أهفو إلى الأطلال كانت مطلعاللبدر منهم أو كناس ربيب
عبثت بها أيدي البلى وتردّدتفي عطفها للدهر آي خطوب
تبلى معاهدها وإنّ عهودهاليجدّها وصفي وحسن نسيبي
وإذا الديار تعرّضت لمتيّمهزّته ذكراها إلى التّشبيب
إيه على الصّبر الجميل فإنهألوى بدين فؤادي المنهوب
لم أنسها والدهر يثني صرفهويغضّ طرفي حاسد ورقيب
والدار مونقة محاسنها بمالبست من الأيام كلّ قشيب
يا سائق الأظعان تعتسف الفلاوتواصل الإسآد بالتّأويب
متهافتا عن رحل كلّ مذلّلنشوان من أين ومسّ لغوب
تتجاذب النّفحات فضل ردائهفي ملتقاها من صبا وجنوب
إن هام من ظمإ الصّبابة صحبهنهلوا بمورد دمعه المسكوب
في كلّ شعب منية من دونهاهجر الأماني أو لقاء شعوب
هلّا عطفت صدورهنّ إلى التيفيها لبانة أعين وقلوب
فتؤمّ من أكناف يثرب مأمنايكفيك ما تخشاه من تثريب
حيث النبوّة آيها مجلوّةتتلو من الآثار كلّ غريب
سرّ غريب لم تحجّبه الثّرىما كان سرّ الله بالمحجوب
يا سيّد الرّسل الكرام ضراعةتقضي منى نفسي وتذهب حوبي
عاقت ذنوبي عن جنابك والمنىفيها تعلّلني بكل كذوب
لا كالألى صرفوا العزائم للتّقىفاستأثروا منها بخير نصيب
لم يخلصوا لله حتى فرّقوافي الله بين مضاجع وجنوب
هب لي شفاعتك التي أرجو بهاصفحا جميلا عن قبيح ذنوبي
إنّ النجاة وإن أتيحت لامرىءفبفضل جاهك ليس بالتّسبيب
إني دعوتك واثقا بإجابتييا خير مدعوّ وخير مجيب
قصّرت في مدحي فإن يك طيّبافبما لذكرك من أريج الطّيب
ماذا عسى يبغي المطيل وقد حوىفي مدحك القرآن كلّ مطيب
يا هل تبلّغني الليالي زورةتدني إليّ الفوز بالمرغوب؟
أمحو خطيئاتي بإخلاصي بهاوأحطّ أوزاري وإصر ذنوبي
في فتية هجروا المنى وتعوّدواإنضاء كلّ نجيبة ونجيب
يطوي صحائف ليلهم فوق الفلاما شئت من خبب ومن تقريب
إن رنّم الحادي بذكرك ردّدواأنفاس مشتاق إليك طروب
أو غرّد الرّكب الخليّ بطيبةحنّوا لمغناها حنين النّيب
ورثوا اعتساف البيد عن آبائهمإرث الخلافة في بني يعقوب
الطاعنون الخيل وهي عوابسيغشى مثار النّقع كلّ سبيب
والواهبون المقربات هواتنامن كلّ خوّار العنان لعوب
والمانعون الجار حتى عرضهمفي منتدى الأعداء غير معيب
تخشى بوادرهم ويرجى حلمهموالعزّ شيمة مرتجى ومهيب
ومنها بعد كثير:
سائل به طامي العباب وقد سرىتزجى بريح» العزم ذات هبوب
تهديه شهب أسنّة وعزائميصدعن ليل الحادث المرهوب
حتى انجلت ظلم الضّلال بسعيهوسطا الهدى بفريقها المغلوب
يا ابن الألى شادوا الخلافة بالتقىواستأثروك بتاجها المعصوب
جمعوا بحفظ الدين آي مناقبكرموا بها في مشهد ومغيب
لله مجدك طارفا أو تالدافلقد شهدنا منه كلّ عجيب
كم رهبة أو رغبة لك والعلاتقتاد بالتّرغيب والتّرهيب
لا زلت مسرورا بأشرف دولةيبدو الهدى من أفقها المرقوب
تحيي المعالي غاديا أو رائحاوجديد سعدك ضامن المطلوب
وقال من قصيدة خاطبه بها عند وصول هديّة ملك السودان، وفيها الحيوان الغريب المسمى بالزّرافة:
قدحت يد الأشواق من زنديوهفت بقلبي زفرة الوجد
ونبذت سلواني على ثقةبالقرب فاستبدلت بالبعد
ولربّ وصل كنت آملهفاعتضت منه مؤلم الصّدّ
لا عهد عند الصبر أطلبهإنّ الغرام أضاع من عهدي
يلحى العذول فما أعنّفهوأقول: ضلّ فأبتغي رشدي
وأعارض النّفحات أسألهابرد الجوى فتزيد في الوقد
يهدي الغرام إلى مسالكهالتعلّلي بضعيف ما تهدي
يا سائق الوجناء معتسفاطيّ الفلاة لطيّة الوجد
أرح الرّكاب ففي الصّبا نبأيغني عن المستنّة الجرد
وسل الرّبوع برامة خبراعن ساكني نجد وعن نجد
ما لي تلام على الهوى خلقيوهي التي تأبى سوى الحمد
لأبيت إلّا الرّشد مذ وضحتبالمستعين معالم الرّشد
نعم الخليفة في هدى وتقىوبناء عزّ شامخ الطّود
نجل السّراة الغرّ شأنهمكسب العلا بمواهب الوجد
ومنها في ذكر خلوصه إليه، وما ارتكبه فيه:
لله منّي إذ تأوّبنيذكراه وهو بشاهق فرد
شهم يفلّ بواترا قضباوجموع أقيال أولي أيد
أوريت زند العزم في طلبيوقضيت حقّ المجد من قصدي
ووردت عن ظمإ مناهلةفرويت من عزّ ومن رفد
هي جنّة المأوى لمن كلفتآماله بمطالب المجد
لو لم أعلّ بورد كوثرهاما قلت: هذي جنّة الخلد
من مبلغ قومي ودونهمقذف النّوى وتنوفة البعد
أني أنفت على رجائهموملكت عزّ جميعهم وحدي
ومنها:
ورقيمة الأعطاف حاليةموشيّة بوشائح البرد
وحشيّة الأنساب ما أنستفي موحش البيداء بالقود
تسمو بجيد بالغ صعداشرف الصّروح بغير ما جهد
طالت رؤوس الشامخات بهولربما قصرت عن الوهد
قطعت إليك تنائفا وصلتآسادها بالنّصّ والوخد
تخدي على استصعابها ذللاوتبيت طوع القنّ والقدّ
بسعودك اللائي ضمنّ لناطول الحياة بعيشة رغد
جاءتك في وفد الأحابش لايرجون غيرك مكرم الوفد
وافوك أنضاء تقلّبهمأيدي السّرى بالغور والنّجد
كالطّيف يستقري مضاجعهأو كالحسام يسلّ من غمد
يثنون بالحسنى التي سبقتمن غير إنكار ولا جحد
ويرون لحظك من وفادتهمفخرا على الأتراك والهند
يا مستعينا جلّ في شرفعن رتبة المنصور والمهدي
جازاك ربّك عن خليقتهخير الجزاء فنعم ما يسدي
وبقيت للدنيا وساكنهافي عزّة أبدا وفي سعد
وقال يخاطب صدر الدولة فيما يظهر من غرض المنظوم:
يا سيّد الفضلاء دعوة مشفقنادى لشكوى البثّ خير سميع
ما لي وللإقصاء بعد تعلّةبالقرب كنت لها أجلّ شفيع
وأرى الليالي رنّقت لي صافيامنها فأصبح في الأجاج شروعي
ولقد خلصت إليك بالقرب التيليس الزمان لشملها بصدوع
ووثقت منك بأيّ وعد صادقإني المصون وأنت غير مضيع
وسما بنفسي للخليفة طاعةدون الأنام هواك قبل نزوع
حتى انتحاني الكاشحون بسعيهمفصددتهم عني وكنت منيعي
رغمت نفوسهم بنجح وسائليوتقطّعت أنفاسهم بصنيعي
وبغوا بما نقموا عليّ خلائقيحسدا فراموني بكلّ شنيع
لا تطمعنّهم ببذل في التيقد صنتها عنهم بفضل قنوعي
أنّى أضام وفي يدي القلم الذيما كان طيّعه لهم بمطيع
ولي الخصائص ليس تأبى رتبةحسبي بعلمك ذاك من تفريعي
قسما بمجدك وهو خير أليّةأعتدّها لفؤادي المصدوع
إني لتصطحب الهموم بمضجعيفتحول ما بيني وبين هجوعي
عطفا عليّ بوحدتي عن معشرنفث الإباء صدودهم في روعي
أغدو إذا باكرتهم متجلّداوأروح أعثر في فضول دموعي
حيران أوجس عند نفسي خيفةفتسرّ في الأوهام كلّ مروع
أطوي على الزّفرات قلبا إدّهحمل الهموم تجول بين ضلوعي
ولقد أقول لصرف دهر رابنيبحوادث جاءت على تنويع
مهلا عليك فليس خطبك ضائريفلقد لبست له أجنّ دروع
إني ظفرت بعصمة من أوحدبذّ الجميع بفضله المجموع
وأنشد السلطان أمير المسلمين أبا عبد الله ابن أمير المسلمين أبا الحجاج، لأول قدومه ليلة الميلاد الكريم، من عام أربعة وستين وسبعمائة:
حيّ المعاهد كانت قبل تحيينيبواكف الدمع يرويها ويظميني
إنّ الألى نزحت داري ودارهمتحمّلوا القلب في آثارهم دوني
وقفت أنشد صبرا ضاع بعدهمفيهم وأسأل رسما لا يناجيني
أمثّل الرّبع من شوق وألثمهوكيف والفكر يدنيه ويقصيني
وينهب الوجد منّي كلّ لؤلؤةما زال جفني عليها غير مأمون
سقت جفوني مغاني الرّبع بعدهمفالدمع وقف على أطلاله الجون
قد كان للقلب عن داعي الهوى شغللو أنّ قلبي إلى السّلوان يدعوني
أحبابنا، هل لعهد الوصل مدّكرمنكم وهل نسمة منكم تحيّيني؟
ما لي وللطّيف لا يعتاد زائرهوللنسيم عليلا لا يداويني
يا أهل نجد، وما نجد وساكنهاحسنا سوى جنّة الفردوس والعين
أعندكم أنّني ما مرّ ذكركمإلّا انثنيت كأنّ الرّاح تثنيني
أصبو إلى البرق من أنحاء أرضكمشوقا، ولولاكم ما كان يصبيني
يا نازحا والمنى تدنيه من خلديحتى لأحسبه قربا يناجيني
أسلى هواك فؤادي عن سواك وماسواك يوما بحال عنك يسليني
ترى الليالي أنستك ادّكاري يامن لم يكن ذكره الأيام تنسيني
ومنها في ذكر التفريط:
أبعد مرّ الثلاثين التي ذهبتأولي الشّباب بإحساني وتحسيني
أضعت فيها نفيسا ما وردت بهإلّا سراب غرور ليس يروّيني
وا حسرتا من أمان كلّها خدعتريش غيّي ومرّ الدّهر يبريني
ومنها في وصف المشور المبتنى لهذا العهد:
يا مصنعا شيّدت منه السّعود حمىلا يطرق الدهر مبناه بتوهين
صرح يحار لديه الطّرف مفتتنافما يروقك من شكل وتلوين
بعدا لإيوان كسرى إنّ مشورك السّامي لأعظم من تلك الأواوين
ودع دمشق ومغناها فقصرك ذا«أشهى إلى القلب من أبواب جيرون»
ومنها في التعريض بالوزير الذي كان انصرافه من المغرب لأجله:
من مبلغ عنّي الصّحب الألى جهلواودّي وضاع حماهم إذ أضاعوني
أني أويت من العليا إلى حرمكادت مغانيه بالبشرى تحيّيني
وإنني ظاعن لم ألق بعدهمدهرا أشاكي ولا خصما يشاكيني
لا كالتي أخفرت عهدي ليالي إذأقلّب الطّرف بين الخوف والهون
سقيا ورعيا لأيامي التي ظفرتيداي منها بحظّ غير مغبون
أرتاد منها مليّا لا يماطلنيوعدا وأرجو كريما لا يعنّيني
وهاك منها قواف طيّها حكممثل الأزاهر في طيّ الرياحين
تلوح إن جليت درّا، وإن تليتتثني عليك بأنفاس البساتين
عانيت منها بجهدي كلّ شاردةلولا سعودك ما كانت تواتيني
يمانع الفكر عنها ما تقسّمهمن كلّ حزن بطيّ الصّدر مكنون
لكن بسعدك ذلّت لي شواردهافرضت منها بتحبير وتزيين
بقيت دهرك في أمن وفي دعةودام ملكك في نصر وتمكين
وهو الآن قد بدا له في التّحول طوع أمل ثاب له في الأمير أبي عبد الله ابن الأمير أبي زكريا بن أبي حفص، لما عاد إليه ملك بجاية، وطار إليه بجناح شراع تفيّأ ظلّه، وصكّ من لدنه رآه مستقرّا عنده، يدعّم ذلك بدعوى تقصير خفيّ أحسّ به، وجعله علّة منقلبة، وتجنّ سار منه في مذهبه وذلك في ... من عام ثمانية وستين وسبعمائة. ولما بلغ بجاية صدق رأيه، ونجحت مخيّلته، فاشتمل عليه أميرها، وولّاه
الحجابة بها. ولم ينشب أن ظهر عليه ابن عمّه الأمير أبو العباس صاحب قسنطينة، وتملّك البلدة بعد مهلكه، وأجرى المترجم به على رسمه بما طرق إليه الظّنّة بمداخلته في الواقع. ثم ساء ما بينه وبين الأمير أبي العباس، وانصرف عنه، واستوطن بسكرة، متحوّلا إلى جوار رئيسها أبي العباس بن مزنى، متعلّلا برفده إلى هذا العهد.
وخاطبته برسالة في هذه الأيام، تنظر في اسم المؤلّف في آخر الديوان.
مولده: بمدينة تونس بلده، حرسها الله، في شهر رمضان من عام اثنين وثلاثين وسبعمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع