من «الإحاطة في أخبار غرناطة» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
سليمان بن موسى بن سالم بن حسان بن أحمد ابن عبد السلام الحميري الكلاعي
بلنسي الأصل، يكنى أبا الربيع، ويعرف بابن سالم.
حاله: كان بقيّة الأكابر من أهل العلم بصقع الأندلس الشّرقي، حافظا للحديث، مبرّزا في نقده، تامّ المعرفة بطرقه، ضابطا لأحكام أسانيده، ذاكرا لرجاله، ريّان من الأدب، كاتبا بليغا. خطب بجامع بلنسية واستقضي، وعرف بالعدل والجلالة، وكان مع ذلك من أولي الحزم والبسالة، والإقدام والجزالة
والشهامة، يحضر الغزوات، ويباشر بنفسه القتال، ويبلى البلاء الحسن، آخرها الغزاة التي استشهد فيها.
مشيخته: روى عن أبي القاسم بن حبيش وأكثر عنه، وأبي محمد بن عبيد الله، وأبي عبد الله بن زرقون، وأبي عبد الله بن حميد، وأبي بكر بن الجدّ، وأبي محمد بن سيد بونة، وأبي بكر بن مغاور، وأبي محمد عبد المنعم بن عبد الرحيم بن الفرس، وأبي بكر بن أبي جمرة، وأبي الحسن بن كوثر، وأبي خالد بن رفاعة، وأبي جعفر بن حكم، وأبي عبد الله بن الفخار، وأبي الحجاج بن الشيخ، وأبي عبد الله بن نوح، وأبي الحجاج بن أبي محمد بن أيوب، وأبي بكر عتيق بن علي العبدري، وأبي محمد عبد الوهاب بن عبد الصمد بن عتّاب الصّدفي، وأبي العباس بن مضاء، وأبي القاسم بن سمحون، وأبي الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن ربيع الأشعري، وأبي زكريا الأصبهاني، وأبي بكر أسامة بن سليم، وأبي محمد عبد الحق الأزدي، وأبي محمد الشاذلي، وأبي الطاهر بن عوف، وأبي عبد الله الحضرمي، وجماعة غير هؤلاء من أهل المشرق والمغرب.
من روى عنه: روى عنه أبو بكر بن أبي جعفر بن عمر، وعبد الله بن حزب الله، وأبو جعفر بن علي، وابن غالب، وأبو زكريا بن العباس، وأبو الحسن طاهر بن علي، وأبو الحسين عبد الملك بن مفوز، وابن الأبّار، وابن الجنّان، وابن الموّاق، وأبو العباس بن هرقد، وابن الغمّاز، وأبو عمرو بن سالم، وأبو محمد بن برطلة، وأبو الحسن الرعيني، وأبو جعفر الطّنجالي، وأبو الحجاج بن حكم، وأبو علي بن الناظر.
تصانيفه: منها «مصباح الظّلم» في الحديث، و «الأربعون حديثا عن أربعين شيخا لأربعين من الصحابة »، و «الأربعون السباعية »، و «السباعيات من حديث الصدفي »، و «حلية الأمالي، في المراقبات العوالي»، و «تحفة الوداد، ونجعة
الرّوّاد »، و «المسلسلات والإنشادات »، و «كتاب الاكتفاء في»
مغازي رسول الله، ومغازي الثلاثة الخلفاء»، و «ميدان السابقين، وحلية الصّادقين المصدّقين» في غرض كتاب الاستيعاب، ولم يكمله، و «المعجم ممن وافقت كنيته زوجه من الصحابة»، و «الإعلام بأخبار البخاري الإمام»، و «المعجم في مشيخة أبي القاسم بن حبيش»، و «برنامج رواياته». و «جني الرطب في سني الخطب»، و «نكتة الأمثال ونفثة السّحر الحلال»، و «جهد النصيح، في معارضة المعرّي في خطبة الفصيح»، و «الامتثال لمثال المنبهج في ابتداع الحكم واختراع الأمثال»، و «مفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة أبي العلاء المعري في ملقى السبيل»، و «مجاز فتيا اللّحن للّاحن الممتحن»، يشتمل على مائة مسألة ملغّزة، و «نتيجة الحب الصميم وزكاة المنثور والمنظوم»، و «الصحف المنشرة، في القطع المعشّرة»، و «ديوان رسائله»، سفر متوسط، و «ديوان شعره»، سفر.
شعره: من شعره ما كتب به إلى أبي بحر صفوان بن إدريس، عقب انفصاله من بلنسية عام سبعة وثمانين وخمسمائة:
أحنّ إلى نجد ومن حلّ في نجدوماذا الذي يغني حنيني أو يجدي؟
وقد أوطنوها وادعين وخلّفوامحبّهم رهن الصّبابة والوجد
تبيّن بالبين اشتياقي إليهمووجدي فساوى ما أجنّ الذي يبدي
وضاقت على الأرض حتى كأنهاوشاح بخصر أو سوار على زند
إلى الله أشكو ما ألاقي من الجوىوبعض الذي لاقيته من جوى يردي
فراق أخلّاء وصدّ أحبّةكأنّ صروف الدهر كانت على وعد
فيا سرحتي نجد، نداء متيّمله أبدا شوق إلى سرحتي نجد
ظمئت، فهل طلّ يبرّد لوعتي؟ضحّيت، فهل ظلّ يسكّن من وجد؟
ويا زمنا قد مرّ غير مذمّملعلّ الأنس قد تصرّم من ردّ
ليالي نجني الأنس من شجر المنىونقطف زهر الوصل من شجر الصّدّ
وسقيا لإخوان بأكناف حائلكرام السّجايا لا يحولون عن عهد
وكم لي بنجد من سريّ ممجّدولا كابن إدريس، أخي البشر والجدّ
أخو همّة كالزّهر في بعد نيلهاوذو خلق كالزّهر غبّ الحيا العدّ
تجمّعت الأضداد فيه حميدةفمن خلق سبط ومن حسب جعد
أيا راحلا أودى بصبري رحيلهوفلّل من عزمي وثلّم من حدّي
أتعلم ما يلقى الفؤاد لبعدكم؟ألا مذ نأيتم لا يعيد ولا يبدي
فيا ليت شعري! هل تعود لنا المنى؟وعيش كما نمنمت حاشيتي برد؟
عسى الله أن يدني السرور بقربكمفيبدو بنا الشّمل منتظم العقد
ومن شعره في النسيب وفقد الشباب:
توالت ليال للغواية جونووافى صباح للرّشاد مبين
ركاب شباب أزمعت عنك رحلةوجيش مشيب جهّزته منون
ولا أكذب الرحمن فيما أجنّهوكيف وما يخفى عليه جنين؟
ومن لم يخل أنّ الرّياء يشينهفمن مذهبي أن الرّياء يشين
لقد ريع قلبي للشّباب وفقدهكما ريع بالعقد الفقيد ضنين
وآلمني وخط المشيب بلمّتيفخطّت بقلبي للشجون فنون
وليل شبابي كان أنضر منظراوآنق مهما لاحظته عيون
فآها على عيش تكدّر صفوهوأنس خلا منه صفا وحجون
ويا ويح فودي أو فؤادي كلّماتزيّد شيبي كيف بعد يكون؟
حرام على قلبي سكون بغرّةوكيف مع الشّيب الممضّ سكون؟
وقالوا: شباب المرء شعبة جنّةفما لي عراني للمشيب جنون؟
وقالوا شجاك الشيب حدثان ما أتىولم يعلموا أنّ الحديث شجون»
وقال في الاستعانة والتوكل عليه:
أمولى الموالي ليس غيرك لي مولىوما أحد يا ربّ منك بذا أولى
تبارك وجه وجّهت نحوه المنىفأوزعها شكرا وأوسعها طولا
وما هو إلّا وجهك الدائم الذيأقلّ حلى عليائه يخرس القولا
تبرّأت من حولي إليك وقوّتيفكن قوتي في مطلبي وكن الحولا
وهب لي الرضا مالي سوى ذاك مبتغىولا لقيت نفسي على نيله الهولا
وقال:
مضت لي سبع بعد عشرين حجّةولي حركات بعدها وسكون
فيا ليت شعري كيف أو أين أو متىيكون الذي لا بدّ أن سيكون؟
واستجاز المترجم به من يذكر بما نصه: المسؤول من السادة العلماء أئمة الدين، وهداة المسلمين، أن يجيزوا لمن ثبت اسمه في هذا الاستدعاء، وهم المولى الوزير العالم الفاضل الأشرف بهاء الدين أبو العباس أحمد ابن القاضي الأجل أبي عبد الرحمن بن علي البيساني، ولولديه أبي عبد الله، محمد، وأبي عبد الله الحسين وولده عبد الرحيم، ولأولاد ولده أبي الفتح حسن، وأبوي محمد عبد الرحمن ويوسف، ولمماليكه سنقر وأخيه الصغير وسنجر التركيون، وأفيد وأقسر الروميان، ولكمال بن يوسف بن نصر بن ساري الطباخ، وللوجيه أبي الفخر بن بركات بن ظافر بن عساكر. ولأبي الحسن بن عبد الوهاب بن وردان، ولأبي البقاء
خالد بن يوسف الشّاذلي ولولده محمد، ولمحمد بن يوسف بن محمد البزالي الإشبيلي ولولده، ولعبد العظيم بن عبد الله المندري ولولده أبي بكر، ولأبي الحسن بن عبد الله العطّار جميع ما يجوز لهم روايته من العلوم على اختلافها، وما لهم من نظم ونثر، وإن رأوا تعيين موالدهم ومشايخهم وإثبات أبيات يخفّ موقعها ثراه من الزلل، ومما يخالف الحق، فعلوا مأجورين. وكتب في العشر الأخر من شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين وستمائة.
فكتب مجيزا بما نصه: قال سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي، وكتب بيده تجاوز الله عنه، وأقام بالعفو من أوده: إني لمّا وقفت على هذا الاستدعاء، أجاب الله في مستدعيه المسمى فيه صالح الدعاء، اقتضى حق المسؤول له، الوزير الأجل، العالم الأشرف الأفضل بهاء الدين أبو العباس ابن القاضي الأجل، الفاضل العلم الأوحد، ندرة الزمان، ولسان الدهر، وقسّ البيان، أبو علي عبد الرحيم بن علي، أعلى الله قدره ورفعه، ووسم سلفه الكريم ونفعه، تأكيد الإسعاف، بحكم الإنصاف، له ولكل من سمي معه، فأطلقت الإذن لجميعهم، على تباعد أفكارهم وتدانيها، وتباين أقدارهم وتساويها، من أب سنيّ، وذرّية عريقة في النّسب العلي، ومماليك له تميّزوا بالنسب المولوي، وسمّين بعدهم، اعتلقوا من الرغبة في نقل العلم بالحبل المتين والسبب القوي. والله بالغ بجميعهم من تدارك الآمال أبعد الشّأو القصي، ويجريهم من مساعدة الإمكان، ومسالمة الزمان، على المنهج المرضي، والسنن السّوي، أن يحدّثوا بكل ما اشتملت عليه روايتي، ونظمته عنايتي، من مشهور الدواوين، ومنثور الأجزاء المنقولة عن ثقات الرّاوين، وغير ذلك من المجموعات في أي علم كان من علوم الدين، وكل ما يتعلق بها من قرب أو بعد مما يقع عليه التّعيين، وبما يصح عندهم نسبته إليّ من مجموع جمعته، ومنظوم نظمته، أو نثر صنعته. الإباحة العامة على ذلك آتية، ومقاصد الإسعاف لرغباتهم فيه مطاوعة وموافية، فليرووا عني من ذلك موفّقين، ما شاءوا أن يرووه، وليلتزموا في تحصيله أولا وأدائه ثانيا أوفى ما التزمه العلماء واشترطوه. ومن جلّه شيوخي وصدورهم الذين سمعت منهم، وأخذت بكل وجوه الأخذ عنهم، القاضي الإمام الخطيب العلّامة أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن يوسف بن حبيش، آخر أئمة المحدثين بالمغرب، ﵃. والإمام الحافظ الصدر الكبير أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن فرج بن الجدّ الفهري. والفقيه المشاور القاضي المسند أبو عبد الله محمد بن أبي الطيب.
والفقيه الحافظ أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي. والقاضي الخطيب النحوي أبو عبد الله محمد بن جعفر بن حميد. والأستاذ الحافظ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جمهور القيسي. والشيخ الراوية الثقة أبو محمد عبد الحق بن عبد الملك بن بونه بن سعيد بن عصام العبدري. والشيخ الصالح أبو جعفر أحمد بن حكم القيسي الحصّار الخطيب بجامع غرناطة. والفقيه القاضي الأجزل أبو العباس يحيى بن عبد الرحمن بن الحاج. والقاضي الفقيه الحسيب أبو بكر بن أبي جمرة.
والقاضي أبو بكر بن مغمور. والقاضي المسند أبو الحسين عبد الرحمن بن ربيع الأشعري. وسوى هؤلاء ممن سمعنا منه كثيرا، وكلهم أجازني روايته وما سمعه.
وقرأت على الخطيب أبي القاسم بن حبيش غير هذا وسمعت كثيرا، وتوفي، ﵀، بمرسية في الرابع عشر لصفر لسنة أربع وثمانين وخمسمائة. ومولده سنة أربع وخمسمائة، على ما أخبرني به، ﵀ ورضي عنه. ومما أخذته عن الحافظ أبي بكر بن الجدّ بإشبيلية بلده، موطّأ مالك، رواية يحيى بن يحيى القرطبي، أخبرني به عن أبي بحر سفيان بن العاصي الأسدي الحافظ، سماعا بأسانيده المعلومة. وتوفي الحافظ أبو بكر سنة ست وثمانين. وقرأت على الفقيه أبي عبد الله بن زرقون أيضا موطّأ مالك، وحدّثني به عن أبي عبد الله الخولاني إجازة، قال: سمعته على أبي عمرو عثمان بن أحمد بن يوسف اللخمي؛ عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، عن أبيه عبيد الله بن يحيى الليثي، عن أبيه عن مالك بن أنس، رضي الله عن جميعهم. ولا يوجد اليوم بأندلسنا ومغربنا بأعلى من هذه الأسانيد. وممن كتب لي بالإجازة من ثغر الإسكندرية الإمام الحافظ مفتي الديار المصرية ورئيسها أبو الطاهر بن عوف، والفقيه الحاكم أبو عبد الله بن الحضرمي، والفقيه المدرس أبو القاسم بن فيرّه، وغيرهم، نفعنا الله بهم، ووفقنا للاقتداء بصالح مذهبهم. وأما المولد الذي وقع السؤال عنه، فإني ولدت على ما أخبرني أبواي، رحمهما الله، بقاعدة مرسية، مستهل رمضان المعظم سنة خمس وستين وخمسمائة. ومما يليق أن يكتب في هذا الموضع ما أنشدني شيخنا الفقيه أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور، ﵀، في منزله بشاطبة سنة ست وثمانين وخمسمائة، وهو بقيّة مشيخة الكتّاب بالأندلس لنفسه، مما أعدّه ليكتب على قبره:
أيها الواقف اعتبارا بقبرياستمع فيه قول عظمي الرميم
أودعوني بطن الضريح وخافوامن ذنوب كلومها بأديم
قلت: لا تجزعوا عليّ فإنّيحسن الظّنّ بالرؤوف الرحيم
ودعوني بما اكتسبت رهيناغلق الرّهن عند مولى كريم
انتهى. وكتب هذا بخطه في مدينة بلنسية، حماها الله، سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي، في الموفي عشرين لجمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
والحمد لله رب العالمين.
وفاته: كان أبدا يقول: إن منتهى عمره سبعون سنة لرؤيا رآها في صغره، فكان كذلك، واستشهد في الكائنة على المسلمين بظاهر أنيشة على نحو سبعة أميال منها؛ لم يزل متقدما أمام الصفوف زحفا إلى الكفار، مقبلا على العدو، ينادي بالمنهزمين من الجند: أعن الجنّة تفرّون؟ حتى قتل صابرا محتسبا، غداة يوم الخميس لعشر بقين من ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة.
ورثاه أبو عبد الله بن الأبّار، ﵀، بقوله:
ألمّا بأشلاء العلى والمكارمتقدّ بأطراف القنا والصّوارم
وعوجا عليها مأربا وحفاوةمصارع غصّت بالطّلا والجماجم
نحيّي وجوها في الجنان وجيهةبما لقيت حمرا وجوه الملاحم
وأجساد إيمان كساها نجيعهامجاسد من نسج الظّبى واللهازم
مكرّمة حتى عن الدّفن في الثرىوما يكرم الرحمن غير الأكارم
هم القوم راحوا للشهادة فاغتدواوما لهم في فوزهم من مقاوم
تساقوا كؤوس الموت في حومة الوغىفمالت بهم ميل الغصون النّواعم
مضوا في سبيل الله قدما كأنمايطيرون من أقدامهم بقوادم
يرون جوار الله أكبر مغنمكذاك جوار الله أسنى المغانم
عظائم نالوها فخاضوا لنيلهاولا روع يثنيهم صدور العظائم
وهان عليهم أن تكون لحودهممتون الرّوابي أو بطون التّهائم
ألا بأبي تلك الوجوه سواهماوإن كنّ عند الله غير سواهم
عفا حسنها إلّا بقايا مباسميعزّ علينا وطؤها بالمناسم
وسؤر أسارير تنير طلاقةفتكسف أنوار النجوم العواتم
لئن وكفت فيها الدموع سحائبافعن بارقات لحن فيها لشائم
ويا بأبي تلك الجسوم نواحلابإجرائها نحو الأجور الجسائم
تغلغل فيها كلّ أسمر ذابلفجدّل منها كلّ أبيض ناعم
فلا يبعد الله الذين تقرّبواإليه بإهداء النفوس الكرائم
مواقف أبرار قضوا من جهادهمحقوقا عليهم كالفروض اللّوازم
أصيبوا وكانوا في العبادة أسوةشبابا وشيبا بالغواشي الغواشم
فعامل رمح دقّ في صدر عاملوقائم سيف قدّ في رأس قائم
ويا ربّ صوّام الهواجر واصلهنالك مصروم الحياة بصارم
ومنقذ عان في الأداهم راسفينوء برجلي راسف في الأداهم
أضاعهم يوم الخميس حفاظهموكرّهم في المأزق المتلاحم
سقى الله أشلاء بسفح أنيشةسوافح تزجيها ثقال الغمائم
وصلّى عليها أنفسا طاب ذكرهافطيّب أنفاس الرّياح النّواسم
لقد صبروا فيها كراما وصابروافلا غرو أن فازوا بصفو المكارم
وما بذلوا إلّا نفوسا كريمةتحنّ إلى الأخرى حنين الرّوائم
ولا فارقوا والموت يتلع جيدهفحيث التقى الجمعان صدق العزائم
بعيشك طارحني الحديث عن التيأراجع فيها بالدموع السّواجم
وما هي إلّا غاديات فجائعتعبّر عنها رائحات مآتم
جلائل دقّ الصّبر فيها فلم نطقسوى غضّ أجفان وغضّ أباهم
أبيت لها تحت الظلام كأنّنيرميّ نصال أو لديغ أراقم
أغازل من برح الأسى غير بارحوأزجر من سأم البكا غير سائم
وأعقد بالنجم المشرّق ناظريفيغرب عني ساهرا غير نائم
وأشكو إلى الأيام سوء صنيعهاولكنها شكوى إلى غير راحم
وهيهات هيهات العزاء ودونهقواصم شتّى أردفت بقواصم
ولو برّد السّلوان حرّ جوانحيلآثرت عن طوع سلوّ البهائم
ومن لي بسلوان يحلّ منفّرابجاث من الأرزاء حولي جاثم
وبين الثّنايا والمخارم رمّةسرى في الثّنايا طيبها والمخارم
بكتها المعالي والمعالم جهدهافمن للمعالي بعدها والمعالم؟
سعيد صعيد لم ترمه قرارةوأعظم بها وسط العظام الرّمائم
كأن دما أذكى أديم ترابهاوقد مازجته الرّيح مسك اللّطائم
يشقّ على الإسلام إسلام مثلهاإلى خامعات بالفلا وقشاعم
كأن لم تبت تغشى السّراة قبابهاويرعى حماها الصّيد رعي السّوائم
سفحت عليها الدّمع أحمر وارساكما تنثر الياقوت أيدي النّواظم
وسامرت فيها الباكيات نوادبايؤرّقن تحت الليل ورق الحمائم
وقاسمت في حمل الرّزيّة أهلهاوليس قسيم البرّ غير المقاسم
فوا أسفا للدّين أعضل داؤهوآيس من أسّ لمسراه حاسم
ويا أسفا للعلم أقوت ربوعهوأصبح مهدود الذّرى والدّعائم
قضى حامل الآثار من آل يعربوحامي هدى المختار من آل هاشم
خبا الكوكب الوقّاد إذ متع الضّحىليخبط في ليل من الجهل فاحم
وخانت مساعي السّامعين حديثهكما شاء يوم الحادث المتفاقم
فأيّ بهاء غار ليس بطالعوأيّ سناء غاب ليس بقادم
سلام على الدّنيا إذا لم يلح بهامحيّا سليمان بن موسى بن سالم
وهل في حياتي متعة بعد موتهوقد أسلمتني للدّواهي الدّواهم؟
فهأناذا في حرب دهر محاربوكنت به في أمن دهر مسالم
أخو العزّة القعساء كهلا ويافعاوأكفاؤه ما بين راض وراغم
تفرّد بالعلياء علما وسؤدداوحسبك من عال على الشّهب عالم
معرّسه فوق السّهى ومقيلهومورده قبل النّسور الجواثم
بعيد مداه لا يشقّ غبارهإذا فاه فاض السّحر ضربة لازم
يفوّض منه كلّ ناد ومنبرإلى ناجح مسعاه في كلّ ناجم
متى صادم الخطب الملمّ بخطبةكفى صادما منه بأكبر صادم
له منطق سهل النّواحي قريبهافإن رمته ألفيت صعب الشّكائم
وسحر بيان فات كلّ مفوّهفبات عليه قارعا سنّ نادم
وما الروض حلّاه بجوهره النّدىولا البرد وشّته أكفّ الرّواقم
بأبدع حسنا في صحائفه التيتسيّرها أقلامه في الأقالم
يمان كلاعيّ نماه إلى العلاتمام حواه قبل عقد التّمائم
يروق رواق الملك في كلّ مشهدويحسن وسما في وجوه المواسم
ويكثر أعلام البسيطة وحدهكمال مثال أو جمال مقاوم
لعا لزمان عاثر من خلالهبواق من الجلّى أصيب بواقم
مناد إلى دار السلام منادمبها الحور، واها للمنادي المنادم
أتاه رداه مقبلا غير مدبرليحظى بإقبال من الله دائم
إماما لدين أو قواما لدولةتولّى ولم تلحقه لومة لائم
فإن عابه حسّاده شرقا بهفلن تعدم الحسناء ذاما بذائم
فيا أيها المخدوم سامي محلّهفدى لك من ساداتنا كلّ خادم
ويا أيها المختوم بالفوز سعيهألا إنما الأعمال حسن الخواتم
هنيئا لك الحسنى من الله إنهالكلّ تقيّ خيمه، غير خائم
تبوّأت جنّات النعيم ولم تزلنزيل الثّريّا قبلها والنعائم
ولم تأل عيشا راضيا أو شهادةترى ما عداها في عداد المآتم
لعمري ما يبلى بلاؤك في العداوقد جرّت الأبطال ذيل الهزائم
وتالله لا ينسى مقامك في الوغىسوى جاحد نور الغزالة كاتم
لقيت الرّدى في الرّوع جذلان باسمافبوركت من جذلان في الرّوع باسم
وحمت على الفردوس حتى وردتهففزت بأشتات المنى فوز غانم
أجدّك لا تثني عنانا لأوبةأداوي بها برح الغليل المداوم
ولا أنت بعد اليوم واعد هبّةمن النوم تحدوني إلى حال حالم
لسرعان ما قوّضت رحلك ظاعناوسرت على غير النواجي الرّواسم
وخلّفت من يرجو دفاعك يائسامن النّصر أثناء الخطوب الضّوائم
كأنّي للأشجان فوق هواجربما عادني من عاديات هواجم
عدمتك مفقودا يعزّ نظيرهفيا عزّ معدوم ويا هون عادم
ورمتك مطلوبا فأعيا منالهوكيف بما أعيا منالا لرائم؟
وإني لمحزون الفؤاد صديعهخلافا لسال قلبه منك سالم
وعندي إلى لقياك شوق مبرّحطواني من حامي الجوى فوق جاحم
وفي خلدي والله ثكلك خالدأليّة برّ لا أليّة آثم
ولو أنّ في قلبي مكانا لسلوةسلوت ولكن لا سلوّ لهائم
ظلمتك أن لم أقض نعماك حقّهاومثلي في أمثالها غير ظالم
يطالبني فيك الوفاء بغايةسموت لها حفظا لتلك المراسم
فأبكي لشلو بالعراء كما بكىزياد لقبر بين بصرى وجاسم
وأعبد أن يمتاز دوني عبدةبعلياء في تأبين قيس بن عاصم
وهذي المراثي قد وفيت برسمهامسهّمة جهد الوفيّ المساهم
فمدّ إليها رافعا يد قابلأكبّ عليها خافضا فم لاثم
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع