تجاوز إلى المحتوى

من «الحلة السيراء» لابن الأبار (ت ٦٥٨هـ)

الْمِائَة الثَّانِيَة

الصفحة ١ من ٢

أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ ابْن عبد الله بن الْعَبَّاس

دخل إفريقية فِي أَيَّام بني أُميَّة وَهُوَ إِذْ ذَاك سوقة فِرَارًا مِنْهُم وملكها فِي خِلَافَته بعد أَخِيه أبي الْعَبَّاس السفاح وخلع فِيهَا وقتا ثمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ وولاها الْأَغْلَب بن سَالم التَّمِيمِي جد الأغالبة المتداولين ملكهَا إِلَى أَن غلبهم عَلَيْهَا عبيد الله الشيعي فأنقرضوا بِهِ

وَكَانَ يُقَال لأبي جَعْفَر فِي صغره مِقْلَاص لقب بذلك تَشْبِيها بالمقلاص من الْإِبِل وَهِي النَّاقة الَّتِي تسمن فِي الصَّيف وتهزل فِي الشتَاء وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو جَعْفَر حكى ذَلِك أَبُو الْوَلِيد الوقشي قَالَ وَهُوَ مقلوب الْعَادة وَلَيْسَ فِي خلفاء بني الْعَبَّاس أعلم من أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَعبد الله الْمَأْمُون ثمَّ بعدهمَا الرشيد والواثق وَمن متأخريهم المسترشد بن المستظهر وأشعرهم أَبُو الْعَبَّاس الراضي بن المقتدر

وَأَبُو جَعْفَر مَعْدُود فِي الكملة من الْمُلُوك وَكَانَ يفرط فِي دَعْوَاهُ الِاطِّلَاع ويقرط بتقريظ نَفسه الأسماع فَمن قَوْله فِي بعض خطبه الْمُلُوك أَرْبَعَة مُعَاوِيَة وَكَفاهُ زياده وَعبد الْملك وَكَفاهُ حجاجه وَهِشَام وَكَفاهُ موَالِيه وَأَنا وَلَا كافى لي وَلما عزم على الفتك بِأبي مُسلم صَاحب دولتهم والقائم بدعوتهم وَقد حذر من عَاقِبَة ذَلِك كتب إِلَيْهِ عِيسَى بن مُوسَى بن على ابْن عبد الله بن الْعَبَّاس مُشِيرا عَلَيْهِ بالأناة وَكَانَ قد شاوره فِيهِ

إِذا كنت ذَا رَأْي فَكُن ذَا تدثرفَإِن فَسَاد الرَّأْي أَن يتعجلا

فَقَالَ الْمَنْصُور يجِيبه

إِذا كنت ذَا رَأْي فَكُن ذَا عَزِيمَةفَإِن فَسَاد الرَّأْي أَن يترددا
وَلَا تهمل الْأَعْدَاء يَوْمًا بقدرةوبادرهم أَن يملكُوا مثلهَا غَدا

وَينظر إِلَى هَذَا قَول عبد الله بن المعتز

وَإِن فرْصَة أمكنت فِي العدافَلَا تبد فعلك إِلَّا بهَا
فَإِن لم تلج بَابهَا مسرعاأَتَاك عَدوك من بَابهَا
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ألا من لعين وتسكابها»
وَإِيَّاك من نَدم بعْدهَاوتأميل أُخْرَى وَأَنِّي بهَا

وَقَالَ الْمَنْصُور

تقسمني أَمْرَانِ لم أفتتحهمابحزم وَلم تعرك قواى الْكَرَاكِر
وَمَا ساور الأحشاء مثل دفينةمن الْهم ردتها عَلَيْك المصادر
وَقد علمت أَبنَاء عدنان أننيلَدَى مَا عرا مقدامة متجاسر

وَقَالَ أَيْضا يُخَاطب مُحَمَّدًا وَإِبْرَاهِيم ابْني عبد الله بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب رضى الله عَنْهُم حِين خرجا عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَة

بنى عمنَا لَا نصر عنْدكُمْ لناوَلَكِنَّكُمْ فِينَا سيوف قواطع
فلولا دفاعي عَنْكُم إِذْ عجزتموَبِاللَّهِ أحمى عَنْكُم وأدافع
لكنتم ذنابى آل مَرْوَان مِثْلَمَاعهدناكم وَالله معط ومانع

عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان

الدَّاخِل إِلَى الأندلس وَيُقَال لَهُ صقر قُرَيْش سَمَّاهُ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور بذلك وكنيته أَبُو الْمطرف وَهُوَ الْأَشْهر فِي كنيته وَقيل أَبُو زيد وَقيل أَبُو سُلَيْمَان

هرب فِي أول دولة بنى الْعَبَّاس إِلَى الْمغرب وَتردد بنواحي إفريقية وَأقَام دهر فِي أَخْوَاله نفزة من قبائل البربر وَكَانَت أمه مِنْهُم رَاح ثمَّ لحق بالأندلس فِي غرَّة شهر ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَهزمَ أميرها يُوسُف ابْن عبد الرَّحْمَن الفِهري فِي يَوْم الْخَمِيس لتسْع خلون من ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة وأستوسقت لَهُ الْخلَافَة ليَوْم آخر يَوْم الْجُمُعَة يَوْم الْأَضْحَى وَهُوَ ابْن سِتّ وَعشْرين سنة

ودعا لنَفسِهِ عِنْد استغلاظ أمره وأستيلائه على دَار الْإِمَارَة قرطبة وَيُقَال إِنَّه أَقَامَ أشهراً دون السّنة يَدْعُو لأبي جَعْفَر الْمَنْصُور متقيلا فِي ذَلِك يُوسُف

الفِهري الْوَالِي قبله إِلَى أَن أفرد نَفسه بِالدُّعَاءِ وَيُقَال إِن عبد الْملك بن عمر ابْن مَرْوَان بن الحكم أَشَارَ عَلَيْهِ بذلك عِنْد خلوصه إِلَيْهِ فَقبله إِلَّا أَنه لم يعد أسم الْإِمَارَة وسلك الْأُمَرَاء من وَلَده سنته فِي ذَلِك إِلَى أَبى عهد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد النَّاصِر لدين الله فَهُوَ الَّذِي تسمى بالخلافة بعد سِنِين من سُلْطَانه ودعى بأمير الْمُؤمنِينَ لما أستفحل أمره وأستبان لَهُ ضعف ولد الْعَبَّاس وأنتثار سلطانهم بالمشرق وَذَلِكَ فِي آخر خلَافَة المقتدر بِاللَّه جَعْفَر بن أَحْمد المعتضد مِنْهُم ذكر ذَلِك أَبُو مَرْوَان حَيَّان بن خلف بن حَيَّان صَاحب تَارِيخ الأندلس

وَمن شعر عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة يتشوق معاهده بِالشَّام أنْشدهُ الْحميدِي فِي تَارِيخه

أَيهَا الرَّاكِب الميمم أرضيأقرّ من بَعْضِي السَّلَام لبَعض
إِن جسمي كَمَا علمت بِأَرْضوفؤادي ومالكيه بِأَرْض
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
قدر الْبَين بَيْننَا فأفترقناوطوى الْبَين عَن جفوني غمضي
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
قد قضى الله بالفراق علينافَعَسَى بإجتماعنا سَوف يقْضى
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة

وَقَالَ أَيْضا فِي حَيْوَة بن ملامس الْحَضْرَمِيّ من جند حمص النازلين إشبيلية وَكَانَت لَهُ مِنْهُ منزلَة لَطِيفَة فِي أول ملكه

فَلَا خير فِي الدنياا وَلَا فِي نعيمهاإِذا غَابَ عَنْهَا حَيْوَة بن ملامس
أَخُو السَّيْف قارى الضَّيْف حقايراهماعَلَيْهِ ونافى الضيم عَن كل بائس

وَحكى عِيسَى بن أَحْمد الرَّازِيّ أَن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة أول نُزُوله منية الرصافة بقرطبة وأتخاذه لَهَا نظر إِلَى نَخْلَة مُفْردَة فهاجت شجنه وتذكر بلد الْمشرق فَقَالَ بديهاً

تبدت لنا وسط الرصافة نَخْلَةتناءت بِأَرْض الغرب عَن بلد النّخل
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
فَقلت شبيهي فِي التغرب والنوىوَطول التنائي عَن بني وَعَن أَهلِي
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
نشأت بِأَرْض أَنْت فِيهَا غَرِيبَةفمثلك فِي الإقصاء والمنتأى مثلي
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
سقتك غوادي المزن من صوبها الَّذِييسح ويستمري السماكين بالوبل
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة

وَقَالَ أَيْضا فِيهَا

يَا نخل أَنْت غَرِيبَة مثليفِي الغرب نائية عَن الأَصْل
فأبكى وَهل تبْكي مكبسةعجماء لم تطبع على خبل
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
لَو أَنَّهَا تبكى إِذا لبكتمَاء الْفُرَات ومنبت النّخل
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
لَكِنَّهَا ذهلت وأذهلنيبغضي بني الْعَبَّاس عَن أَهلِي
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة

وَقد قيل إِن الأبيات الْأَرْبَعَة الأول لعبد الْملك بن بشر بن عبد الْملك بن بشر بن مَرْوَان بن الحكم قَالَهَا عِنْد دُخُوله الأندلس فِرَارًا من بني الْعَبَّاس فِي صدر أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَقيل فِي الأبيات الْأَخِيرَة إِنَّهَا لعبد الْملك

ابْن عمر بن مَرْوَان بن الحكم وَقد اجتاز فِي قَصده قرطبة حَضْرَة الْأَمِير عبد الرحمن بن مُعَاوِيَة على مَا حكى الْحَافِظ بِمَدِينَة إشبيلية فَرَأى فِي مَوضِع مِنْهَا يعرف ب النخيل إِلَى الْيَوْم نَخْلَة مُفْردَة فلحقته رقة عِنْد النّظر إِلَيْهَا وَقَالَ بديهاً الأبيات الْمَذْكُورَة

وَمِمَّا يرد هَذَا القَوْل ويقوى نسبتها أَعنِي الأبيات الْأَخِيرَة لعبد الرَّحْمَن ابْن مُعَاوِيَة مَا حكى الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم خلف بن عبد الْملك بن بشكوال فِي تَارِيخه وقرأته على القَاضِي أبي الْخطاب أَحْمد بن مُحَمَّد بن وَاجِب الْقَيْسِي بِمَدِينَة بلنسية عَنهُ قِرَاءَة عَلَيْهِ بِحَضْرَة قرطبة قَالَ قَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن مُوسَى بن فتح يعرف بِابْن الْغُرَاب دخلت يَوْمًا على أبي عُثْمَان بن الْقَزاز وَهُوَ يعلق فَقلت لَهُ رَأَيْت السَّاعَة فِي تَوَجُّهِي إِلَيْك القَاضِي والوزراء والحكام والعدول قد نهضوا بِجَمْعِهِمْ إِلَى حِيَازَة الْجنَّة الْمَعْرُوفَة ب ربنالش وَهبهَا هِشَام للمظفر بن أبي عَامر قَالَ فَقَالَ لي ابْن الْقَزاز إِن هشاماً لضعيف هَذِه الْجنَّة الْمَذْكُورَة

هِيَ أول أصل أتخذه عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَكَانَ فِيهَا نَخْلَة أدركتها بسنى وَمِنْهَا توالدت كل نَخْلَة بالأندلس قَالَ وَفِي ذَلِك يَقُول عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة وَقد تنزه إليهاا فَرَأى تِلْكَ النَّخْلَة فحن يَا نخل أَنْت غَرِيبَة مثلي وَذكر الأبيات إِلَى آخرهَا

وَحكى أَبُو عمر أَحْمد بن مُحَمَّد بن فرج صَاحب كتاب الحدائق الْمُؤلف للْحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه من أشعار الأندلسيين قَالَ بَلغنِي أَن بعض الْوُفُود من قُرَيْش كتب إِلَى الإِمَام عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة ﵀ يستعظم حَقه عَلَيْهِ بالرحم ويستقل حَظه مِنْهُ بالمسطمع فَوَقع فِي ظهر كِتَابه

شتان من قَامَ ذَا أمتعاضمنتضى الشفرتين نصلا
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
فجاب قفراً وشق بحرامساميا لجة ومحلا
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
فشادمجدا وبز ملكاومنبراً للخطاب فصلا
وجند الْجند حِين أودىومصر الْمصر حِين أخلى
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
ثمَّ دَعَا أَهله جَمِيعًاحَيْثُ أنتأوا أَن هَلُمَّ أَهلا
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
فجَاء هَذَا طريد جوعشريد سيف أياد قتلا
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
فنال أمنا ونال شبعاًوَحَازَ مَالا وَضم شملا
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
ألم يكن حق ذَا على ذَاأعظم من منعم وَمولى
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة

وَبَعض هَذَا الشّعْر عَن ابْن حَيَّان وأوله عِنْده

شتان من قَامَ ذَا امتعاضفشال مَا قل وأضمحلا
وَمن غَدا مُصْلِتًا لعزممُجَردا للعداة نصلا

فجاب قفراً الْبَيْت

وَبعده

(فبز ملكا وشاد عزا ...)

إِلَّا أَن ابْن حَيَّان ذكر عَن مُعَاوِيَة بن هِشَام الشبينسي أَن جلساء عبد الرَّحْمَن القادمين عَلَيْهِ من فل أَهله بِالشَّام حدثوه يَوْمًا مَا كَانَ من

الْغمر بن يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان ابْن عَمه أَيَّام محنتهم وَكَلَامه للْعَبَّاس الساطى بهم وَنسب ذَلِك إِلَى عبد الله بن عَليّ وَفِي الأوراق للصولى أَن السفاح عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ تولى قتل الْغمر وَقد فَخر فِي مَجْلِسه بمناقب قومه وَكثر الْقَوْم فِي وصف ذَلِك وعجوا بِهِ فَكَأَن الْأَمِير عبد الرَّحْمَن أحتقر ذَلِك فِي جنب مَا كَانَ مِنْهُ هُوَ فِي الذّهاب بِنَفسِهِ لأقتطاع قِطْعَة من مملكة الْإِسْلَام عَن عدوه وَقَامَ من مَجْلِسه فصاغ هَذِه الأبيات بديهة

قَالَ ابْن الْفرج وَأَتَاهُ فِي بعض غَزَوَاته آتٍ مِمَّن كَانَ يعرف كلفه بالصيد فَأخْبرهُ عَن غرانيق وَاقعَة فِي جَانب من مُضْطَرب الْعَسْكَر وحركه إِلَى اصطيادها فَقَالَ

دَعْنِي وصيد وَقع الغرانقفَإِن همي فِي أصطياد المارق
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
فِي نفق إِن كَانَ أَو فِي حالقإِذا التظت لوافح الضوائق
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
كَانَ لفاعي ظلّ بند خافقغنيت عَن روض وَقصر شَاهِق
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
بالقفر والإيطان بالسرادقفَقل لمن نَام على النمارق
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة
إِن الْعلَا شدت بهم طَارقفأركب إِلَيْهَا ثبج المضائق
للشاعر عبد الرحمن الداخل، اقرأ القصيدة

(أَولا فَأَنت أرذل الْخَلَائق ...

ابْنه هِشَام بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة

ولى الْخلَافَة بالأندلس بعد أَبِيه يَوْم الْأَحَد غرَّة جُمَادَى الأولى من سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَكَانَت وَفَاة أَبِيه وَهُوَ بماردة يَوْم الثُّلَاثَاء لست بَقينَ من ربيع الآخر وبقرطبة ولد لَهُ هِشَام هَذَا لأَرْبَع خلون من شَوَّال سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة وَيعرف ب الرِّضَا لعدله وفضله ويكنى أَبَا الْوَلِيد وأستوزره أَبوهُ عبد الرَّحْمَن وأخاه كبيره سُلَيْمَان الْمَوْلُود بِالشَّام تنويهاً بحالهما وَأَخذهمَا بالركوب إِلَى الْقصر ومشاهدة مجَالِس مشورته وَكَانَا يركبان متداولين ومتناوبين لَا يَجْتَمِعَانِ فَإِذا كَانَ يَوْم هِشَام تأهب حاضرو الْمجْلس من كبار أهل المملكة والإفاضة فِي الحَدِيث إِلَى إنشاد شعر أَو ضرب مثل أَو ذكر يَوْم من أَيَّام الْعَرَب أَو ذكر حَرْب أَو أجتلاب حِيلَة أَو حِكَايَة تَدْبِير أَو إحماد سيرة وَإِذا كَانَ يَوْم سُلَيْمَان خلا من ذَلِك كُله وانبسط الْحَاضِرُونَ فِي غث الْأَحَادِيث وَأخذُوا فِي الدعابة

ويروى أَن رجلا يعرف بالهوارى دخل على هِشَام فِي حَيَاة أَبِيه عبد الرَّحْمَن ابْن مُعَاوِيَة وَهُوَ مرشح للخلافة فَقَالَ لَهُ إِن فلَانا مَاتَ عَن ضَيْعَة تعود بِكَذَا وَكَذَا من الْغلَّة وَأَنَّهَا تبَاع فِي دين أَو عَن وَصِيَّة وَهِي ناعمة مثمرة وطيبة الأَرْض مخصبة وحضه على اشترائها فَقَالَ لَهُ أَنا أُرِيد أمرا إِن بلغته

غنيت عَنْهَا وَإِن قطع بِي دونه خسرتها ولأصطناع رجل أحب إِلَيّ من أكتساب ضَيْعَة فَقَالَ لَهُ الهوارى فأصطنعني بهَا تَجِد أكْرم مصطنع فَأمر بأبتياعها فَأَشَارَ بعض من حضر إِلَى أَن الأستعداد بِالْمَالِ أعون على دَرك الآمال فَأَطْرَقَ عَنهُ ثمَّ قَالَ

الْبَذْل لَا الْجمع فطْرَة الْكَرمفَلَا ترد بِي مالم ترد شيمي
مَا أَنا من ضَيْعَة وَإِن نعمتحسبي أصطناع الْأَحْرَار بِالنعَم
ملك الورى والعباد قاطبةلاملك بعض الضّيَاع من هممي
تفيض كفى فِي السّلم بَحر ندىوَفِي سِجَال الحروب بَحر دم
تزل عَن راحتي البدور وَمَاتمسك غير الحسام والقلم

لم أجد لهَذَا الْملك الأمجد مَعَ نشدان ضَالَّة كَلَامه غير هَذَا المنشد وَإِن كَانَ قَلِيلا فَكفى دَلِيلا على سرف الحباء وَشرف الحوباء حَتَّى كَأَن أعشى هَمدَان سمع بِطُولِهِ فأعتمده بقوله

رَأَيْتُك أمس خير بني لؤَيوَأَنت الْيَوْم خير مِنْك أمس
وَأَنت غَدا تزيد الْخَيْر ضعفاكَذَاك تزيد سادة عبد شمس

ابْنه الحكم بن هِشَام الْمَعْرُوف بالربضى أَبُو العاصى

ولي بعد أَبِيه يَوْم الْجُمُعَة لأَرْبَع عشرَة خلت من صفر سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة وَكَانَ شجاعاً باسلاً أديباً مفتناً خَطِيبًا مفوهاً وشاعراً مجوداً تحذر صولاته وتستندر أبياته

وَهُوَ الَّذِي أوقع بِأَهْل الربض فنسب إِلَيْهِ وَأمر بهدمه وتعطيله وصير ذَلِك وَصِيَّة فِيمَن خَلفه وعهداً على بنيه مَا كَانَ لَهُم سُلْطَان بالأندلس فَلم يعمر وَلَا أختطت فِيهِ دَار إِلَى آخر دولتهم ثمَّ بعْدهَا إِلَى أَن ملك الرّوم قرطبة يَوْم الْأَحَد الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَأقَام على ذَلِك نَحوا من أَرْبَعمِائَة سنة وَثَلَاثِينَ سنة وَلَا أعلمهُ إِلَّا كَذَلِك إِلَى الْيَوْم

وَكَانَت وقْعَة الربض الشنعاء يَوْم الْأَرْبَعَاء النحسة لثلاث عشرَة خلت من شهر رَمَضَان سنة أثنتين وَمِائَتَيْنِ فِي آخر خلَافَة الحكم وَيَوْم الْخَمِيس بعده أَمر بهدم الربض القبلي الَّذِي مِنْهُ نشأت الْفِتْنَة فأعيد بطحاء مزرعة بعد أَن قتل من أَهله مقتلة عَظِيمَة وَأسر خلقا جماً صلب مِنْهُم نَحْو ثلثمِائة صفوا من إزاء بَاب القنطرة إِلَى آخر المصادة مَعَ ضفة النَّهر لم ير فِيمَا سلف ممثلون أَكثر مِنْهُم عددا وَلَا أهول منْظرًا وَتَمَادَى الْقَتْل والنهب لمنازلهم والتتبع لمستخفيهم ثَلَاثَة أَيَّام لم تقل لمن عثر عَلَيْهِ مِنْهُم عَثْرَة وَجَرت عَلَيْهِم خلالها محن لَا تضبطها الصّفة وكف الحكم عَن الْحرم ووصى بِهن فأجمل فِي ذَلِك مَا شَاءَ

وَلما انْقَضتْ الْأَيَّام الثَّلَاثَة أَمر بِرَفْع الْقَتْل وتأمين الفل على أَن يخرجُوا من حَضرته قرطبة فَسَارُوا عَن أوطانهم كل بِحَسب مَا أمكنه وأستمروا ظاعنين على الصعب والذلول فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لعشر بَقينَ من شهر رَمَضَان المؤرخ مُتَفَرّقين فِي قصى الكور وأطراف الثغور وَلحق جمهورهم بطليطلة لمُخَالفَة أَهلهَا الحكم ولجأ آخَرُونَ إِلَى سواحل بِلَاد البربر وأصعدت مِنْهُم طَائِفَة عَظِيمَة نَحْو الْخَمْسَة عشر ألفا فِي الْبَحْر نَحْو الْمشرق حَتَّى أنتهوا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَذَلِكَ فِي أول ولَايَة عبد الله الْمَأْمُون بن الرشيد فعازهم أَهلهَا وذهبوا إِلَى إذلالهم فَأَبَوا الضيم وثاروا بهم فغلبوهم وبذلوا السَّيْف فيهم وَقتلُوا كثيرا مِنْهُم وسطوا بهم سطوة مُنكرَة وملكوا الْإسْكَنْدَريَّة مديدة إِلَى أَن ورد عبد الله بن طَاهِر أَمِيرا على مصر من قبل الْمَأْمُون فَصَالحهُمْ على التخلى عَنْهَا على مَال بذله لَهُم وَخَيرهمْ فِي النُّزُول بِحَيْثُ شَاءُوا من جزائر الْبَحْر فأختاروا جَزِيرَة إقريطش من الْبَحْر الرومى وَكَانَت يَوْمئِذٍ خَالِيَة من الرّوم فأحتملوا إِلَيْهَا بفتنتهم ونزلوها فأعتمروها وجاءهم النَّاس من كل مَكَان فأوطنوها مَعَهم

وَحكى ابْن حَيَّان عَن أبي بكر بن الْقُوطِيَّة وَغَيره أَن الحكم غرب فِي بأساء حربه هَذِه عِنْدَمَا حمى وطيسها وأعضل خطبهَا بنادرة من نَوَادِر الصَّبْر والتوطين على الْمَوْت مَا سمع لأحد من الْمُلُوك مثلهَا وَذَلِكَ أَنه فِي مقَامه بالسطح وَعند بَصَره بأشتداد الْحَرْب وجثوم الكرب وسماعه قعقعة السِّلَاح وأنتماء الْأَبْطَال دَعَا بقارورة غَالِيَة لتدني مِنْهُ فتوانى بهَا عَنهُ

خادمه الْمُسَمّى يزنت ظنا مِنْهُ أَنه لهج فِي مَنْطِقه فصاح بِهِ وزجره وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فَكَأَن الْخَادِم شكّ فِي طلبته واتهم سَمعه فتوقف عَن المضى لأَمره فصاح بِهِ الحكم أَنطلق يَا ابْن اللخناء فَعجل فَجَاءَهُ بالقارورة فأفرغها على رَأسه ولحيته وَلم يملك الْخَادِم نَفسه أَن قَالَ لَهُ وأية سَاعَة طيب هَذِه يَا مولَايَ فتستعمله وَقد ترى مَا نَحن فِيهِ فَقَالَ لَهُ أسكت لَا أم لَك من أَيْن يعرف قَاتل الحكم رَأسه من رَأس غَيره إِذا هُوَ مذه إِن لم يفرق الطّيب بَينهمَا ثمَّ أستلأم للحرب وَأمر بتفريق السِّلَاح وَالْخَيْل على أجناده وأنهضهم لقِتَال من جاش بِهِ بعد أَن كتبهمْ كتائب قَود عَلَيْهَا كبارًا من قواده وَأهل بَيته فأنهزمت الْعَامَّة بعد قتال شَدِيد وَلم تكن لأحد مِنْهُم كرة وَكَانُوا كالدبا كَثْرَة

قَالَ وَلم ينل الحكم بعد وقيعة الربض حلاوة الْعَيْش وأمتحن بعلة صعبة طاولته أَرْبَعَة أَعْوَام قلت غربه وأطالت ضناه وأحتجب فِيهَا آخر مدَّته وأستناب وَلَده عبد الرَّحْمَن فِي تَدْبِير ملكه فَمَاتَ على تَوْبَة من ذنُوبه وَنَدم على

مَا اقْتَرَف مِنْهَا بَين صَلَاتي الظّهْر وَالْعصر من يَوْم الْخَمِيس لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ

وَمن شعره فِي ذَلِك يعْذر نَفسه بالدفاع عَن ملكه والحماية لسلطانه وَهُوَ من أحسن شعر قيل فِي مَعْنَاهُ

رأبت صدوع الأَرْض بِالسَّيْفِ راقعاًوقدماً لأمت الشّعب مذ كنت يافعاً
فسائل ثغوري هَل بهَا الْيَوْم ثغرةأبادرها مستنضى السَّيْف دارعا
وشافه على الأَرْض الفضاء جماجماًكأقحاف شريان الهبيد لوامعا
تنبئك أَنِّي لم أكن فِي قراعهمبوان وقدماً كنت بِالسَّيْفِ قارعا
وَإِنِّي إِذا حادوا حذاراً عَن الردىفلست أَخا حيد عَن الْمَوْت جازعا
حميت ذماري فاتهكت ذمارهموَمن لَا يحامى ظلّ خزيان ضارعا
وَلما تسقينا سِجَال حروبناسقيتهم سجلاً من الْمَوْت ناقعا
وَهل زِدْت أَن وفيتهم صَاع قرضهمفلاقوا منايا قدرت ومصارعا
فهاك بلادي إِنَّنِي قد تركتهَامهاداً وَلم أترك عَلَيْهَا منازعا

قَالَ عُثْمَان بن الْمثنى النَّحْوِيّ الْمُؤَدب قدم بعد الْوَقْعَة علينا عَبَّاس بن نَاصح قرطبة أَيَّام الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بن الحكم فأستنشدني شعر الْأَمِير الحكم فِي الهيج فَأَنْشَدته إِيَّاه فَلَمَّا بلغت إِلَى قَوْله

وَهل زِدْت أَن وفيتهم صَاع قرضهمفلاقوا منايا قدرت ومصارعا

قَالَ عَبَّاس لَو أَن الحكم يخْشَى للخصومة بَينه وَبَين أهل الربض لقام بِعُذْرِهِ فيهم هَذَا الْبَيْت وَفِي رِوَايَة إِذا كَانَت الْخُصُومَة بَينه وَبَين أهل الربض أجبرته فَإِن هَذَا الْبَيْت ليحاجج عَنهُ يَوْم الْقِيَامَة

وَله أَيْضا فِي ذَلِك

غناء صليل الْبيض أشهى إِلَى الْأذنمن اللّحن فِي الأوتار وَاللَّهْو والردن
إِذا أختلفت زرق الأسنة والقناأرتك نجوماً يطلعن من الطعْن
بهَا يهتدى السارى وتنكشف الدجىوتستشعر الدُّنْيَا لباساً من الْأَمْن
شققت غمار الْمَوْت تخطي مهجتيسِهَام ردى قبلي أَصَابَت ذَوي الْجُبْن
إذاا لفحت ريح الظهائر لم يكنلفاعى فِيهَا غير فَيْء القنا اللدن
وَإِن لم يجد حصناً سوى الفر مقدمفَمَالِي غير السَّيْف وَالرمْح من حصن
قذفت بهم من فَوق بهماء فاتروتلَهُ الأَرْض وأستولى على السهل والحزن
فَسَار يرْوى كل صديان حائموسح كَمَا سحت عزال من المزن
وَإِن عَن للتيار من سيلانهذرى شَاهِق أضحى كمنتفش العهن
هنأت بِهِ حرباتقشع بحرهابِحمْل هناء لَيْسَ يصلح للبدن

وَله فِي النسيب

ظلّ من فرط حبه مَمْلُوكاوَلَقَد كَانَ قبلذاك مليكا
إِن بَكَى أَو شكا الْهوى زيد ظلماوبعاداً يدنى حَماما وشيكا
تركته جآذر الْقصر صبامستهاماً على الصَّعِيد تريكا
يَجْعَل الخد وَاضِعا فَوق تربللَّذي يَجْعَل الْحَرِير أريكا
هَكَذَا يحسن التذلل فِي الْحبّإِذا كَانَ فِي الْهوى مَمْلُوكا

وَله فِي خمس جوَار من حظاياه كن مصطحبات فتغاضبن عَلَيْهِ وقتا فِي طَرِيق الْغيرَة وهجرته

قضب من البان ماست فَوق كُثْبَانولين عني وَقد أزمعن هجراني
ناشدتهن بحقي فأعتزمن على الْعِصْيَانحَتَّى حلا مِنْهُنَّ عصياني
ملكتني ملك من ذلت عَزَائِمهللحب ذل أَسِير موثق عان
من لي بمغتصبات الرّوح من بدنييغصبنني فِي الْهوى عذي وسلطاني

إِدْرِيس بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن ابْن عَليّ بن أبي طَالب

ولد لعبد الله بن حسن وَكَانَ شيخ بني هَاشم فِي وقته إِدْرِيس الْأَكْبَر وَأمه هِنْد بنت أبي عُبَيْدَة المطلبية وَإِدْرِيس الْأَصْغَر هَذَا أمه عَاتِكَة بنت عبد الْملك بن الْحَارِث المخزومية وأخواه مِنْهَا عِيسَى وَسليمَان حكى ذَلِك أَبُو عَليّ حُسَيْن بن أبي سعيد عبد الرَّحْمَن بن عبيد القيرواني الْمَعْرُوف بالوكيل فِي كِتَابه المعرب عَن أَخْبَار الْمغرب وأختصرته مِنْهُ وَذكر أَن إِسْحَاق

ابْن عِيسَى كَانَ على الْمَدِينَة فَلَمَّا مَاتَ الْمهْدي وَولى مُوسَى الهادى شخص وافداً عَلَيْهِ وأستخلف على الْمَدِينَة عمر بن عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن عمر بن الْخطاب فَخرج عَلَيْهِ بهَا الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْحسن بن الْحسن الْعلوِي وأستخفى الْعمريّ حَتَّى خرج الْحُسَيْن إِلَى مَكَّة فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة

وَكَانَ قد حج فِي تِلْكَ السّنة رجال من بني الْعَبَّاس مِنْهُم مُحَمَّد بن سُلَيْمَان ابْن عَليّ وَالْعَبَّاس بن مُحَمَّد ومُوسَى بن عِيسَى وعَلى الْمَوْسِم سُلَيْمَان بن أبي جَعْفَر فَكتب الْهَادِي إِلَى مُحَمَّد بن سُلَيْمَان يوليه الْحَرْب فَالْتَقوا بفخ وخلعوا عبيد الله ابْن قثم بِمَكَّة للْقِيَام بأمرها وَكَانَت الْوَقْعَة يَوْم السبت يَوْم التَّرويَة فَقتل الْحُسَيْن الْقَائِم وَسليمَان بن عبد الله وأنهزم النَّاس فنودى فيهم بالأمان وَلم يتبع هارب وحزت الرؤوس فَكَانَت مائَة ونيفاً

وَكَانَ فِيمَن هرب يحيى وَإِدْرِيس ابْنا عبد الله بن حسن فَأَما إِدْرِيس فلحق بالمغرب ولجأ إِلَى أَهله فأعظموه وَلم يزل عِنْدهم إِلَى أَن أحتيل عَلَيْهِ وَخلف ابْنه إِدْرِيس بن إِدْرِيس فملكوا تِلْكَ النَّاحِيَة وأنقطعت عَنْهُم الْبعُوث

وَأما يحيى فَصَارَ إِلَى جبل الديلم فَأَقَامَ عِنْد صَاحبه إِلَى أَن شخص إِلَيْهِ الْفضل بن يحيى بن خَالِد فِي أَيَّام الرشيد فَأَمنهُ وَحمله إِلَيْهِ

وَقد قيل إِن إِدْرِيس هرب إِلَى الْمغرب فِي أَيَّام أبي جَعْفَر الْمَنْصُور عِنْد قتل أَخَوَيْهِ مُحَمَّد وَإِبْرَاهِيم القائمين عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَة وَأَن أَبَا جَعْفَر بعث إِلَيْهِ من سمه وَالصَّحِيح أَن ذَلِك كَانَ فِي خلَافَة الهادى بالعراق وَبعد عشرَة أشهر وَأَيَّام مِنْهَا وَفِي آخر خلَافَة عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بالأندلس وَقبل وَفَاته بعامين وَأشهر وَأَن إِدْرِيس وَقع إِلَى مصر وعَلى بريدها وَاضح مولى صَالح بن الْمَنْصُور

وَكَانَ رَافِضِيًّا فَحَمله على الْبَرِيد إِلَى أَرض الْمغرب حَتَّى انْتهى إِلَى مَدِينَة وليلى من أَرض طنجة فأستجاب لَهُ من بهَا وبأعراضها من البربر فَلَمَّا ولى الرشيد علم بذلك فَضرب عنق وَاضح وصلبه ودس إِلَى إِدْرِيس من أنس بِهِ وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَكتب لَهُ كتابا إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عَامله على إفريقية فاحتال حَتَّى سمه

وأختلف فِيمَن سم إِدْرِيس وَمَا سم فِيهِ فَقيل الشماخ المشماسي مولى الْمهْدي سمه فِي سنُون سَقَطت مِنْهُ أَسْنَانه لما أستعمله وَمَات من وقته وَسَيَأْتِي خَبره بعد إِن شَاءَ الله وَقيل بل سُلَيْمَان بن جرير الرقى كَانَ سَبَب سمه وَكَانَ إِدْرِيس بِهِ واثقاً فَأتى من قبله وهرب مَعَ الرُّسُل الَّذين أَتَوا فِي ذَلِك وَطلب ففات

وَيُقَال إِن سُلَيْمَان هَذَا وَكَانَ يَقُول بإمامة زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن نَاظر إِدْرِيس يَوْمًا فِي شَيْء فخالفه ثمَّ دخل الْحمام فَلَمَّا خرج بعث إِلَيْهِ سُلَيْمَان بِسَمَكَةٍ مشوية أنكر نَفسه عِنْد أكله مِنْهَا فَشَكا بَطْنه وَقَالَ أدركوا

سُلَيْمَان فَأدْرك وَقيل لَهُ أجب فأمتنع فَضرب على وَجهه بِسيف وَضرب أُخْرَى على يَده فأنقطعت أُصْبُعه وأفلت وَقيل سم فِي طيب تطيب بِهِ وَولده وَأهل بَيته يَقُولُونَ إِنَّمَا سم فِي بطيخة وهم وَإِن أختلفوا فِي الشَّيْء الَّذِي سم بِهِ فهم مجمعون على أَنه مَاتَ مسموما وَمن شعره

أَلَيْسَ أَبونَا هَاشم شدّ أزرهوَأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
للشاعر أبو طالب، من قصيدة «ألا أبلغا عني على ذات بيننا»
فلسنا نمل الْحَرْب حَتَّى تملناوَلَا نتشكى مَا يهول من النكب

ابْنه إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله أَبُو دَاوُود

النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع