من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
ابن زمرك (٢)
الصفحة ١ من ٢
ثم قال: ومن قصائده التي يود الصباح سناها، والنسيم اللدن رقه معناها يهني مولانا الجد ﵁، عند وصول خالصة مقامه، وكبير خدامه، القائد خالد، رحمه الله تعالى، من تلمسان بالهداية، وتجديد المقاصد للوديه، ووفاق استئناف راحة من الذات العليه، ومن فروع دوحتها الزكيه:
أدرها ثلاثا من لحاظك وأحبسفقد غال منها الشكر أبناء مجلس
إذا ما نهاني في الشيب عن أكؤس الطلاتدير عليَّ الخمر منها بأكؤس
عذيري من لحظ ضعيف وقد غدايحكم منا في جسوم وانفس
وروض شباب ماس قوامهوفتح فيه للحظ أزهار نرجس
وما زال ورد الخد وهو مضعفيعير أقاح الثغر طيب تنفس
وكم جال طرف في روض حسنهيقيده فيه العذار بسندس
أما وليالي الوصل الصباومألف أحبابي وعهد تأنسي
لئن نسيت تلك العهود أحبتيفقلبي عهود العامرية ما نسي
وحاشا لنفسي بعد ما أفتر فودهامن الشيب عن صبح به متنفس
وألبسها ثوب الوقار خليفةبه لبس الإسلام أشرف ملبس
وجدد للفتح المبين مواسماأقام بها الإيمان أفراح معرس
وأورثته العلياء كل خليفةٍنماه إلى الأنصار كل مقدس
فيا زاجر الأظعان وهي ضوامربغير الفلا والوحش لم تتأنس
إذا جئت من دار الغنى بربةمناخ العلا والعز فانزل وعرس
فإنَّ شئت من بحر السماحة فاغترفوإنَّ شئت من نور الهداية فاقبس
أمولاي والي السهد منك ولايةأنارت بها الأكوان جذوة مقبس
إذا شئت إنَّ ترمي القضى من المنىتدور لك الأفلاك مرفوعة القسى
فترمى بسهم من سعودك صائبسديدً لأغراض الأماني مقرطس
أهنيك بالأبلال ممن شفاؤهشفاؤك فاسكر من تلاقي وقدس
ودعني أرد يمناك فهي غمامةتبخل صوب المعارض المتبجس
أقبل منها راحة إثر راحةٍأتتك بها الركبان من بيت مقدس
ومن نسب الفتح المبين ولادةإليه بغير الفخر لم يتأسس
فيأيها المولى الذي بكمالهخلائف ذلك العصر في الفخر تأتسي
لآمنت موسى من عوادي سميةولولاك لم يبرح بخفية موجس
بعثت بميمون النقيبة، في اسمهخلود لعز ثابت متأسس
فجاءك بالمال العريض هديةبها الدين أثواب المسرة يكتسي
وشفعها بالصافنات كأنهاوقد راق مرآها جآذر مكنس
تنص من الإشراف جيد غزالةوترنو من الإيجاس عن لحظ أشوس
لك الخير، موسى كلاهمابغير شعار الود لم يتلبس
فلا زلت في ظل النعيم وكل منيعاديك لا ينفعك يشقي بأبؤس
عليك سلام مثل حمدك عاطراتنفس وجه الصبح عنه بمعطس
ثم قال بعد ذكر كثير من نظمه وبعض ميلاداته: وأنشد في مولد عام خمسة وستين:
لعل الصبا إنَّ صافحت روض نعمانتؤدى أمان القلب عن ظبية ألبان
وماذا على الأرواح وهي طليقةلو احتملت أنفاسها حاجة العاني
وما حال من يستودع الريح سرهويطلبها وهي النموم بكتمان
وكالطيف استقريه في سنة الكرىوهل تنقح الأحلام غلة ظمآن
أسائل عن نجد ومرمى صبابتيملاعب غزلان الصريم بنعمان
وأبدى إذا ريح الشمال تنفستشمائل مرتاح المعاطف نشوان
عرفت بهذا الحب لم أدر سلوةوإني لمسلوب الفؤاد بسلوان
فيا صاحبي نجواي والحب غايةفمن سابق جلى مداه ومن واني
وراءكم ما اللوم يثني مقادتيفإني عن شأن الملامة في شأن
وإني وإنَّ كنت الأبي قيادهليأمرني حب الحسان وينهاني
ولا زلت أرعى العهد فيمن يضيعهوأذكر إلفي ما حييت وينساني
فلا تنكر ما سامني مضض الهوىقمن قبل قد أود بقيس وغيلان
لي الله إما أومض البرق في الدجىأقلب تحت الليل مقلة وسنان
وإنَّ من غمد الغمام حسامهبري كبدي الشوق الملم وأضناني
تراءى بأعلام الثنية باسماًفأذكرني العهد القديم وأبكاني
أسامر نجم الأفق حتى كأنناوقد سدل الليل الرواق حليفان
ومما أناجي الأفق أعديه بالجوىفأرعى له سرح النجوم ويرعاني
ويرسل صوب القطر من فيض أدمعيويقدح البرق من نار أشجاني
وضاعف وجدي رسم دار عهدتهامطالع شهب أو مراتع غزلان
على حين شرب الوصل غير مصردوصفوف الليالي لم يكدر بهجران
لئن كدرت عيني الطلول فإنهاتمت إلى قلبي بذكر وعرفان
ولم أر مثل الدمع في عرصاتهاسقى تربها حين استهل وأظماني
ومما شجاني أنَّ سرى الركب موهناًتقاد به هوج الرياح بأرسان
غوارب في بحر السراب تخالهاوقد سبحت فيه مواخر غربان
على كل نضو مثله فكأنمارمى منهما صدر المفازة سهمان
ومن زاجر كوماء مخطفة الحشىتوسد منها فوق عوجاء مرنان
نشاوي غرام يستميل رءوسهممن النوم والشوق المبرح سكران
أجابوا نداء البين طوع غرامهموقد تبلغ الأوطار فوقة أوطان
يؤمنون من قبر الشفيع مثابةتطلع منها جنة ذات أفنان
إذا نزلوا من طيبة بجوارهفأكرم مولى ضم أكرم ضيفان
بحيث علا الإيمان وامتد ظلهوزان حلي التوحيد تعطيل أوثان
مطالع آيات مثابة رحمةٍمعاهد أملاك مظاهر إيمان
هنالك تصفو للقبول موارديسقون منها فضل عفو وغفران
هناك تؤدي للسلام أمانةيحيهم عنها بروح وريحان
يناجون عن قربٍ شفيعهم الذييؤمله القاصي من الخلق والداني
لئن بلغوا دوني وخلفت أنّهقضاء جرى من مالك الأمر ديان
وكم عزمةٍ منيت نفسي صرفهاوقد عرفت مني مواعد ليان
إلى الله نشكوها نفوسا أبيةتحيد عن الباقي وتغتر بالفاني
ألا ليت شعري هل تساعدني المنىفأترك أهلي في رضاه وجيراني
وأقضي لبنات الفؤاد بأن أرىأعفر خدي في ثراه وأجفاني
إليك رسول الله دعوة نازحٍخفوق الحشى رهن المطامع هيمان
غريب بأقصى الغرب قيد خطوهشباب تقضى في مراح وخسران
يجد اشتياقا للعقيق وبانهويصبو إليها ما استجد الجديدان
وإنَّ أومض البرق الحجازي موهنايردد في الظلماء أنّه لهفان
فيا مولي الرحمي ويا مذهب العمىويا منجد الفرقي ويا منقذ العاني
بسط يد المحتاج يا خير راحموذنبي ألجأني إلى موقف الجاني
وسيلتي العظمى شفاعتك التييلوذ بها عيسى وموسى بن عمران
فأنت حبيب الله خاتم رسلهوأكرم مخصوص بزلفي ورضوان
وحسبك أنَّ سماك أسماءه العلاوذاك كمال لا يشاب بنقصان
وأنت لهذا الكون علة كونهولولاك ما امتاز الوجود بأكوان
ولولاك للأفلاك لم تجل نيراًولا قلدت لباتهن بشهبان
خلاصة صفو المجد من آل هاشمونكته سر الفخر من آل عدنان
وسيد هذا الخلق من نسل آدمٍوأكرم مبعوث إلى الإنس والجان
وكم آية أطلعت في أفق الهدىيبين صباح الرشد فيها ليقظان
وما الشمس بحلوها النهار لمبصربأجلى ظهوراً أو بأوضح برهان
وأكرم بآيات تحديتها بهاولا مثل آيات لمحكم فرقان
وماذا عسى يثني وقد أتىثناؤك في وحي قديم وقرآن
فصلى عليك الله ما انسكب الحياوما سجعت ورقاء في غصن ألبان
وأيد مولانا أبن نصر فإنهلأشرف من ينمي لملك وسلطان
أقام كما يرضيك مولدك الذيبه سفر الإسلام عن وجه جذلان
سمي رسول الله ناصر دينهمعظمه في حال سر وإعلان
ووارث سر المجد آل خزرجوأكرم من تنمي قبائل قحطان
ومراسلها ملء الفضاء كتائباًتدين لها الملوك بإذعان
حدائق خضر والدروع غدائروما أنبت إلاّ ذوابل مران
تجاوب فيها الصاهلات وترتميجوانبها بالأسد من فوق عقبان
فمن كل خوار العنان قد أرتمى به كل مظعام العشيات مطعان
ومورد ظمآي الكعوب ذوبلاومصدرها من كل أملد ريان
ولله منها والربوع مواحلغمام ندى كفت به المحل كفان
إذا أخلفت الناس الغمام وأمحلوافإن نداه والغمام لسيان
إمام أعاد الملك بعد ذهابهإعادة لأنابي الحسام ولا واني
فغادر أطلال الضلال دوارساًوجدد للإسلام ارفع بنيان
وشيدها والمجد يشهد دولةًمحافلها تزهى بيمن وإيمان
وراق من الثغر الغريب ابتسامةوهز له الإسلام أعطاف مزدان
لك الخير ما أسنى شمائله التييقصر عن إدراكها كل إنسان
ذكاء إياس في سماحة حاتموإقدام عمرو في بلاغة سبحان
أمولاي ما أنسى مناقبك التيهي الشهب لا تحصى بعد وسبحان
فلا زلت يا غوث البلاد وأهلهامبلغ أوطار ممهد أوطان
ثم قال بعد سرد ميلادية، وانشد ذلك في مولد سنة سبع وستين وسبع مائة وألم في أخرياتها بوصف المشور الأسنى، الرفيع المبنى:
زار الحيال بأيمن الزوراءفجلا سناه غياهب الظلماء
وسرى مع النسمات يحسب ذيلهفأتت تنم بعنبر وكباء
هذا وما شيء ألذ من المنىإلاّ زيارته مع الإعفاء
بتنا خيالين التحقا بالضنىما نخشى من الرقباء
حتى أفاق الصبح من غمراتهوتجاذبت أيدي النسيم ردائي
يا سائلي عن سر من أحببتهالسر عندي ميت الأحياء
تالله ما أشكو المحبة والهوىلسوى الأحبة أو أموت بدائي
يا زين قلبي لست أبرح عانياًأرضى بسقمي في الهوى وعنائي
أبكى وما غير النجيع مدامعيأذكى ولا ضرم سوى أحشائي
أهفو إذا تهفو البروق وأنثنيلسرى النواسم من ربا تيماء
بالله يا نفس الحمى رفقا بمنأغريته يتنفس الصعداء
عجبا له يندى على كبدي وقدأذكى بقلبي جمرة البرحاء
يا ساكني البطحاء أي لبانةٍلي عندكم يا ساكني البطحاء
أترى النوى يوما تخيب قداحهاويفوز منكم بلقاء
في حيكم قمر فؤادي أفقهتفديه نفسي من قريب نائي
لم تنسني الأيام يوم وداعهوالركب قد أوفى على الزوار
أبكى ويبسم والمحاسن تنجليفعلقت بين تبسم وبكاء
يا نظرة جادت بها أيدي النوىحتى استهلت ادمعي بدماء
من لي بثانية تنادي بالأسى:" قدك اتئد أسرفت في الغلواء "
ولرب ليل بالوصال قطعهأجلو دجاء بأوجه الندماء
أنسيت فيه القلب عادة حلمهوحثثت فيه أكوس السراء
وجريت في طلق التصابي جامحالا أنثني لمقادة النصحاء
أطوبي شبابي للمشيب مراحلابرواحل الإصباح والإمساء
يا ليت شعري هل أرى أطوي إلىقبر الرسول صحائف البيداء
فتطيب في تلك الربوع مدائحيويطول في ذلك المقام ثوائي
حيث النبوة نورها متألقكالشمس تزهى في سنى وسناء
حيث الرسالة في ثنية قدسهارَفعت لهدى الخلق خير لواء
حيث الضريح أكرم مرسلفخر الجود وشافع الشفعاء
المصطفى والمرتضى والمجتبيوالمتقي من عنصر العلياء
خير البرية مجتباها ذخرهاظل الإله الوارف الأفياء
تاج الرسالة ختمها وقوامهاوعمادها السامي على النظراء
لولاه للأفلاك ما لاحت بهاشهب تنير دياجي الظلماء
ذو المعجزات الغر والآي التيأكبرن عن عدٍ وعن إحصاء
وكفاك رد الشمس بعد غروبهاوكفاك ما قد جاء في الإسراء
والبدر شق له وكم من آيةٍكأنامل جادت ينبع الماء
وبليلة الميلاد كم من رحمةنشر الإله بها ون نعماء
قد بشر الرسل الكرام ببعثهوتقدم الكهان بالأنباء
أكرم بها بشرى على قدرٍ سرتفي الكون كالأرواح في الأعضاء
أمسى بها الإسلام يشرق نورهوالكفر أصبح فاحم الأرجاء
هو آيه الله التي نورهاتجلو ظلام الشك أي جلاء
والشمس لا تخفي مزية فضلهاإلاّ على ذي المقله العمياء
يا مصطفى والكون لم تعلق بهمن بعد أيدي الخلق والإنشاء
يا مظهر الحق الجلى ومطلع النور السنى السافر الأضواء
يا ملجأ الخلق المشفع فيهميا رحمة الأموات والأحياء
يا آسي المرضى ومنتجع الرضاومؤاسي الأيتام والضعفاء
أشكو إليك وأنت خير مؤملداء الذنوب وفي يديك دوائي
إني مددت يدي إليك تضرعاحاشى وكلا أنَّ يخيب رجائي
إنَّ كنت لم أخلص إليك فإنماخلصت إليك محبتي وندائي
وبسعد مولاي الإمام محمّدتعد الأماني أنَّ يتاح لقائي
ظل الإله على البلاد وأهلهافخر الملوك السادة الخلفاء
غوث العباد وليث مشتجر القنايوم الطعان وفارج الغماء
كالدهر في سطواته وسماحهتجري صباه يزعزع ورخاء
رقيت سجاياه وراقت مجتلىكالنهر وسط الروضة الفيحاء
كالزهر في إيراقه والبدر فيإشراقه والزهر في اللألاء
يا أبن الآلي إجمالهم وجمالهمفلق الصباح وواكف الأنواء
أنصار دين الله حزب رسولهوالسابقين بحلبة العلياء
يا بن الخلائف من بني نصر ومن حاطوا ذمار الملة السمحاء
من كل من تقف الملوك ببابهيستمطرون سحائب النعماء
قوم إذا قادوا الجيوش إلى الوغىفالرعب رائدهم إلى الأعداء
العز مجلوب بكل كتيبةوالنصر معقود بكل لواء
يا وارثا عنها مناقبها التيتسمو مراقيها على الجوزاء
يا فخر أندلس وعصمة أهلهايجزيك عنها الله خير جزاء
كم خضت طوع صلاحها من مهمةلا تهتدي فيه القطا للماء
تهدي بها حادي السرى بعزائمتهدي نجوم الأفق فضل ضياء
يا رافع لواء الفخر غير مدافعواسحب ذيول العزة القسعاء
يا هنا بمبناك السعيد فإنهكهف ليوم مشورة وعطاء
منه هالة قد أصبحتحرم العفاة ومصرع الأعداء
تقاتبها طير الرجاء فتجتنيثمر المنى من دوحة الآلاء
منه قبة مرفوعةدون السماء تفوت لحظ الرائي
راقت بدائع وشيها فكأنهاوشى الربيع بمسقط الأنداء
علمت ميلاد النبي محمّدوشفعته بالليلة الغراء
أحييت ليلك ساهرا فأفدتناقوت القلوب بذلك الإحياء
يا أيها الملك الهمام المجتبىفاتت علاك مدارك العقلاء
من لي بأن أحصي مناقبك التيضاقت بهن مذاهب الفصحاء
وإليك مني روضة مطلولةأرجت أزهارها بطيب ثناء
فافسح لها أكناف صفحك إنهابكر أتت تمشي على استحياء
قال: وأنشد من ذلك في مولد عام ثمانية وستين وقد كان مولانا ﵁ أبي أن يرسل العنان في مدح مقامه مبالغة في توقير جانب المصطفى ﷺ وإعظامه فلهذا القصد الأدبي الكريم أتى من المدح السلطاني في آخرها الملتمح القريب واكتفى من القلادة بما أحاط بالترتيب ومدّ القول في ذكر الرسول وعجائب مجده حسبما اقتضاه الاختيار من مولانا كافأ الله جميل قصده آمين:
هذا الصباح صباح الشيب قد وضحاسرعان ما كان ليلا فاستنار ضحى
للدهر لونان من نور ومن غسقهذا يعاقب هذا كلما برحا
ونلك صبغته أعدى بينه بهاإذا تراخى مجال العمر وانفسحا
ما ينكر المرء من نور جلا غسقاما لم يكن لأماني النفس مطرحا
إذا رأيت بروق الشيب قد بسمتبمفرق فمحيا العيش قد كلحا
يلقى المشيب بإجلال وتكرمةمن قد أعد من الأعمال ما صلحا
أما ومثلي لم يبرح بعللهمن النسيم عليل كلما نفحا
والبرق ما لاح في الظلماء مبتسمامن جانب السفح إلاّ دمعه سفحا
فما له بقريب الشيب من قبلمن بعد ما لام في شأن الهوى ولحا
يأبى وفائي أن أصغي للأئمةوأن أطيع عذولي غش أو نصحا
يأهل نجد سقي الوسمي ربعكمغيثا ينيل غليل الترب ما اقترحا
ما للفؤاد إذا هبت يمانيةتهديه أنفاسها الأشجان والبرحا
يا حبذا نسمة من أرضكم نفحتوحبذا ربرب من جوكم سنحا
يا جيرة تعرف الأحياء جودهمما ضر من ضن بالإحسان لو سمحا
ما شملت بارقة من جو كاظمةإلاّ وبت لزند الشوق مقتدحا
في ذمة الله قلبي ما أعللهبالقرب إلاّ وعاد القرب منتزحا
كم ليلة والدجى راعت جوانبهاقلب الجبان فما ينفك مطرحا
سريتها ونجوم الأفق فيه طفتجواهرا وعباب الليل قد طفحا
بسابح اهتدى ليلا بغرتهوالبدر في لجو الظلماء قد سبحا
والسحب تنثر در الدمع من فرقوالجو يخلع من برق الدجى وشحا
ما طالبت همتي دهري بمعلوةإلاّ بلغت من الأيام مقترحا
ولا أدرت كئوس العزم مغتبقاإلاّ أدرت كئوس العز مصطبحا
هذا وكل الذي نلت من أملمثل الخيال تراءى ثمت انتزحا
كم يكدح المرء لا يدري منيتهأليس كان امرئ يجزى بما كدحا
وارحمتا أيامنا ضاع أطيبهفما فرحت به قد عاد لي ترعا
أليس أيامنا اللائى سلفنا لنامنزلا أعلمت فيها الخطا مرحا
إنا إلى الله ما أولى المتاب بنالو أن قلبا إلى التوفيق قد جنحا
الحق أبلج والمنجاة عن كئبوالأمر لله والعقبى لمن صلحا
يا ويح نفس توانت عن مراشدهاوطرفها في عنان الغي قد جمحا
نرجو الخلاص ولم تنهج مسالكهامن باع رشدا بغي قلما ريحا
يا رب صفحك يرجو كل مقترففأنت أكرم من يغفو ومن صفحا
يا رب لا سبب أرجو الخلاص بهإلاّ الرسول ولطفا منك إن نفحا
فما لجأت له في دفع معضلةإلاّ وجدت جناب اللطف منفسحا
ولا تضايق أمر فاستجرت بهإلاّ تفرج باب الضيق وافتحا
يا هل تبلغني مثواه ناجيةتطوي بي القفر مهما امتد وانفسحا
حيث الربوع بنور الوحي آهلةمن حلها احتسب الآمال مقترحا
حيث الرسالة تجلو من عجائبهامن الجمال بنور الله متضحا
حيث النبوة تتلو من غرائبهاذكر يغادر صدر الدين منشرحا
حيث الضريح بما قد ضم من كرمقد بذلك في الفجر من ساد ومن نجحا
يا حبذا بلدة كان النبي بهايلقي الملائك فيها آية سرحا
يا دار هجرته يا أفق مطلعهلي فيك بدر بغير الفكر ما لمحا
من هاشم في سماء العز مطلعةأكرم به نسبا بالعز متشحا
من آل عدنان في الأشراف من مضرمن محتد تطمح العلياء إن طمحا
من عهد آدم ما زالت أوامرهتسام بالمجد من آبائه الصرحا
عناية سبقت قبل الوجود لهوالله لو ووزنت بالكون ما رجحا
يا مصطفى وكمام الكون ما فتقتيا محبتي وزناد النور ما قدحا
لولاك ما أشرقة شمس ولا قمرلولاك ما راقت الأفلاك ملتمحا
صدعت بالنور تجلو كل داجيةحتى نهج الحق واتضحا
يا فاتح الرسل لو يا خاتمها شرفابوركت مختتما قدست مفتتحا
دنوت للخلق بالألطاف تمنحاوالقلب في العالم العلوي ما برحا
كالشمس في الأفق الأعلى مجرتهاوالنور إلى الأبصار قد وضحا
كم آية لرول الله معجزةنكل عن منتهاها ألسن لفصحا
إن ردت الشمس من بعد الغروب لهقد ظللته غمام الجو حيث نحا
يا نعمة عظمت في الخلق منهاورحمة تشمل الغادرين والروحا
الله أعطاك ما لم يؤته أحدوالله أكرم من أعطى ومن منحا
حبيبه مصطفاه مجتباه وفيهذا بلاغ لمن حلاك ممتدحا
أثنى عليك كتاب الله ممتدحافأين يبلغ في علياك من مدحا
قد أبعدتني ذنوبي عنك يا أمليفجهدي اليوم أن أهدي لك المدحا
لعل رحماك والأقدار سابقةتدنى محبا بأقصى الغرب منتزحا
نفس شعاع وقلب خان أضلعهمما يعاني من الأشواق قد برحا
إذا البروق أضاءت والغمام همتفزفرتي إذ كيت أو مدمعي سفحا
لم لا أحن وهذا الجذع حن لهلمّا تباعد عن لقياه وانتزحا
كم ذا التعلل والأيام تمطلناكأنها لم تجد عنك منتدحا
ما أقدر الله أن يدنى على شحطوأن يقرب بعد البين من نزحا
يا سيد الرسل يا نعم الشفيع إذاطال الوقوف وحر الشمس قد لفحا
أنت المشفع الأبصار شاخصةأنت الغياث وهو الخطب قد فدحا
جاش العلا وجميل الظن يشفع ليأن يخفق السعي مني يعد ما نجحا
غساك يا خير من ترجى وسائلهتنجي غريقا ببحر الذنب قد سبحا
ما زال معترفا بالذنب معتذرالمل حبك يمحو كل ما اجترحا
عسى البشر غداء الروح يسمعنيبشرى تعود لي البؤسى بها فرحا
لا تيأسن فإن الله ذو كرموحبك العاقب الماحي الذنوب محا
صلى الإله على المختار صفوتهما العارض انهل أو ما البارق التمحا
وأيد الله مولانا بعصمتهبأي باب إلى العلياء قد فتحا
وهنأ الدين والدنيا على ملكلسعده الطائر الميمون قد سنحا
أنا الضمين لمكحول بغرتهألا ترى عينه بؤسا ولا ترحا
مولاي خذها كما شاءت بلاغتهاغراء لم تعدم الأحجال والقزحا
كأن سرب قوافيها إذا سنحتطير على فنن الإحسان قد صدحا
قال: ومن إعذارياته المحكمة نسقا ورصفا المتناهية في كل فن حسن تحلية غريبة وصفا حسبما اقتضاه ملاحظة النسبة الرفيعة لصناع مولانا ﵀ واحتفاله المناسب لعز ملكه من تعميم الخلق بالجفلى في دعواهم واستدعاء أشرف الأمم من أهل المغرب وسواهم تقننا في مكارم متعدد أيامها على أصالة المجد معربة وإغراء لهم الملك بما يتم الأمن من أوضاع مغربة ومباهاة بعرض الجيوش للعدو الكافر ومكاثر من مماليك دولته
بالعدد الوافر مما ألجم اللسن الذكي عيا وغادر الإعذار الذنوني منسيا كافأ الله أبوته المولوية عنا وعن آبائنا وتلقى بالقبول الكفيل بتحديد الرضوان ما نصل إليه من خالص دعائنا أنّه منعم جواد قوله في الصنيع المخلص من ذلك بمولانا الوالد قدس الله روحه وذلك سنة أربع وستين وسبع مائة:
معاذ الهوى أن أصحب القلب سالياوأن يشغل اللوم بالعذل باليا
دعاني أعط الحب فضل مقادتييقضي على الوجد ما كان قاضيا
ودون الذي رام العواذل صبوةرمت بي في شعب الغرام المراميا
وقلب إذا ما البرق أومض موهناقدحت به زندا من الشوق واريا
خليلي إني اليوم طارقة النوىشقيت بمن لو شاء أنعم باليا
وبالخيف يوم النفر يا أم مالكتخلفت قلبي في حبالك عانيا
وذو أشر عذب المنايا مخصريسقي به ماء النعيم الأقاحيا
أحوم عليه مادجا الليل ساهراوأصبح دون الورد ظمآن صاديا
يمضي ظلام الليل ما بين أضلعيإذا البارق النجدي وهنا بدا ليا
أجيرتنا بالرمل والرمل منزلمضى العيش فيه بالشبيبة حاليا
ولم أر ربعا منه أقضى لبانةوأشجى حمامات وأحلى مجانيا
سقت ظله الغر الغوادي ونظمتمن القطر في جيد الغصون لآليا
أبثكم أي على النأي حافظذمام الهوى لو تحفظون ذماميا
أناشدكم والحر أوفى بعهدهولن يعدم الإحسان والخير جازيا
هل الود إلاّ ما تحاماه كاشحوأخفق في مسعاه من جاء واشيا
تأوبنى والليل يذكى عيونهويسحب من ذيل الدجنة ضافيا
وقد مثلت زهر النجوم بأفقهاحبابا على نهر المجرة طافيا
خيال على بعد المزار ألم بيفأدركني من لم أكن عنه ساليا
عجبت له كيف اهتدى نحو مضجعيولم يقول مني السقم والشوق باقيا
رفعت له نار الصبابة فاهتدىوخاض لها عرض الدجنة ساريا
ومما أجد الوجد سرب على النقيسوانح يصقلن الطلى والتراقيا
نزعن عن الألحاظ كل مسددفغادرن أفلاذ القلوب دواميا
ولمّا تراءى السرب قلت لصاحبيوأيقنت أنَّ الحب ما عشت دائيا
حذارك من سقم الجفون فإنهسيعدي بما يعيى الطبيب المداويا
وإنَّ أمير المسلمين محمّداليعدى نداه الساريات الهواميا
تضئ النجوم الزاهرات خلالهوينفث في روح الزمان المعاليا
معال إذا ما النجم صوب طالبامبالغها في العز خلف وانيا
يسابق علوي الرياح إلى الندىوتفضح جدوي راحتيه الغواديا
ويغضي عن العوراء إغضاء قادرويرجح في الحلم الجبال الرواسيا
هما يروع الأسد في حومة الوغىكما راعت الأسد الظباء الجوازيا
مناقب تسمو للفخار كأنماتجري إلى المجد النجوم الجواريا
إذا استبق الأملاك يوما لغايةابيت وذاك المجد إلاّ التناهيا
بهرت فأخفيت الملوك وذكرهمولا عجب فالشمس تخفى الدرايا
جلوت ظلام الظلم من كل معتدولا عرو أن تجلو البدور الدياجيا
هديت سبيل الله من ضل رشدهلا زلت مهديا إليها وهاديا
أفدت وحتى الملك مما أفدتهوطوقت أشراف الملوك الأياديا
وقد عرفت منها مرين سوابقاتقر لها بالفضل أخرى اللياليا
وكان أبو زيان جيدا معطلافزينته حتى اغتدى بك حاليا
لك الخير لم تقصد بما قد أفديتهجزاء ولكن همة هي ما هيا
فما تكبر الأملاك غيرك آمراولا ترهب الأشراف غيرك ناهيا
ولا تشكي الأيام من داء فتنةفقد عرفت منك الطبيب المداويا
أندلس أوليت ما أنت أهلهوأوريتها وردا من الأمن صافيا
تلافيت هذا الثغر وهو على شفىوأصبحت من داء الحوادث شافيا
ومن بعد ما ساءت ظنون بأهلهاوحاموا على ورد الأماني صواديا
فما يأملون العيش إلاّ تعللاولا يعرفون الأمن إلاّ أمانيا
عطفت على الأيام عطف راحموألبستها ثوب امتنانك ضافيا
فآنس من تلقائك الملك رشدهونال بك الإسلام ما كان راجيا
وقفت على الإسلام نفسا كريمةتصد عدوا عن حماه وعاديا
فرأى كما انشق الصباح وعزمةكما صقل القين الحسام اليمانيا
وكانت رماح الخط خمصا ذوابلافأنهلت منها في الدماء صواديا
وأوردت صفح السيف أبيض ناصعافأصدرته في الروع أحمر قانيا
لك العزم تستجلي الخطوب بهديهويلفى إذا تنبو الصوارم ماضيا
إذا أنت لم تفخر بما أنت أهلهفما الصبح وضاح المشارق عاليا
ويهنيك دون العيد شرعتهتبث به في الخالقين التهانيا
أقمت به من فطرة الدين سنةوجددت من رسم الهداية عافيا
صنيع تولى الله تشييد فخرهوكان لمّا أوليت فيه مجازيا
تود النجوم الزهر لو مثلت بهوقضت من الزلفى إليك الأمانيا
وما زال وجه اليوم بالشمس مشرقاسرورا به والليل بالشهب حاليا
على مثله فليعقد الفخر تاجهويسمو به فوق النجوم مراقيا
به يعمر الأنداء كل مفوهويحدو به من بات بالفقر ساريا
ويوسف فيه بالجمال مقنعكأن له من كل قلب مناجيا
وأقبل قد شاب الحيا مهابةويقلب وجه البدر أزهر باهيا
وأقدم لا هيابة الحفل واجماولا قاصرا فيه الخطا متوانيا
شمائل فيه من أبيه وجدهترى العز فيها مستكنا وباديا
فيا علقا أشجى القلوب لو أننافديناك بالأعلاق ما كنت غاليا
جريت فأجريت الدموع تعطفاوأطلعت فيها للسرور فواشيا
وكم من ولي ددون بابك مخلصيفديه بالنفس النفيسة واقيا
وصيد من الحيين أبناء قيلةتكف العوادي أو تبيد الأعاديا
بهاليل غر إن أعدوا لغارةأعادوا صباح الحي أظلم داجيا
فو الله لولا أن توخيت سنةرضيت بها أن كان ربك راضيا
لكانت بها للأعوجيات جولةتشيب من الغلب الشباب النواصيا
وتترك أوصال الوشيج مقصداوبيض الظبي حمر المتون دواميا
ولمّا قضى من سنة الله ما قضىوقد حسدت منه النجوم المساعيا
أفضنا نهنى منك أكرم منعمأبى لعيم الجود إلاّ تواليا
فيهني صفاح الهند والبأس والندىوسمر العوالي والعتاق المذاكيا
ويهني البنود الخافقات فإنهاسيعقدها في ذمة النصر غازيا
كأني به يشفى الصوارم والظبيويحطم في لأم الضلال العواليا
كأني به قد توج الملك يافعاوجمع أشتات المكارم ناشيا
وقضى حقوق الفخر في ميعة الصباوأحسن من دين الكمال التقاضيا
ما هو إلاّ السعد إن رمت مطلعاوسددت سهما كان ربك راميا
فلا زلت يا فخر الخلافة كافلاولا زلت يا خير الأئمة كافيا
ودمت قرير العين منه بغبطةوكان له رب البرية واقيا
نظمت له حر الكلام تمائماجعلت مكان الدر فيها القوافيا
لآل بها باهي الملوك نفاسةوجلت لعمري أن تكون لآليا
أرى المال يرميه الجديدان بالبلىوما إن أرى إلاّ المحامد باقيا
ثم قال: ومن ذلك ما أنشد في الصنيع الثاني المختص بعمينا السيدين الأمير بن سعد ونصر رحمة الله عليهما وأجاد في وصف الجند والجرد والطلبة وغرائب الأوضاع.
أللمحة من بارق مبتسمأرسلته دمعا تضرج بالدم
ولنفحة تهفو ببانات اللوىيهفو فؤادك عن جوانح مغرب
هي عادة عذرية من يوم أنخلق الهوى تعتاد كل متيم
قد كنت أعذل ذا الهوى من قبل أنأدري الهوى واليوم أعذل لومي
كم زفرة بين الجوانح ما اتقتحذر الرقيب ومدمع لم يسجم
إن كان اشي الدمع قد كتم الهوىهيهات واشي السقم لمّا يكتم
ولقد أجد هواى رسم دارسقد كاد يخفى عن خفي توهم
وذكرت عهدا في حماه قد انقضىفأطلت فيه ترددي وتلومي
ولربما أشجى فؤادي عندهورقاء تنفث شجوها بترسم
لا أخرب الله الطلول فطالماأشجى الفصيح بها بذكاء الأبكم
يا زاجر الأظعان يحفزها السرىقف بي عليها وقفة المتلوم
لترى دموع العاشقين برسمهاحمرا كحاشية الرداء المعلم
دمن عهدت بها الشبيبة والهوىسقيا لها ولعهدها المتقدم
وكتيبة للشوق قد جهزتهاأغزو بها السلوان غزو مصمم
ورفعت فيها القلب بندا خافقاوأريت للعشاق فضل تهمم
فأنا الذي شاب الحماسة بالهوىلكن من أهوى مضايق مقدمي
فطعنت من قد القوام بأسمرورميت غنج اللحاظ بأسهم
يا قاتل الله الجفون فإنهامهما رمت لم تخط كلة الرمي
ظلمت قتيل الحب ثم تبينتللسقم فيها فترة المتظلم
يا ظبية سنحت بأكناف الحمىسقى الحمى صوب الغمام المسجم
ما ضر إذ أرسلت نظرة فاتكأن لو عطفت بنظرة المترحم
فرأيت جسما قد أصيب فؤادهمن مقلتيك وأنت لم تتأثمي
ولقد خشيت بأن يقاد بجرحهفوهبت لحظك ما أحلك من دمي
كم خضت دونك من غمار مفازةلا تهتدي فيها الليوث لمجثم
والنجم يسري من دجاه بأدهمرحب المقلد بالثريا ملجم
والبدر في صفح السماء كأنهمرآة هند وسط لج ترتمي
والزهر زهر والسماء حديقةفتقت كمائم جنحها عن أنجم
والليل مربد الجوانح قد بدافيه الصباح كغزوة في أدهم
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع