من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
وممن أجاز القاضي أبا عياض ولم يلقه
الشيخ الأستاذ أبو بكر محمّد بن الوليد الطرطوشي الطائر الصيت الشهير الذكر وقد تقدم ذكر وفاته.
وهو محمّد بن الوليد بن محمّد بن خلف بن سليمان بن أيوب القرشي الفهري الطرطوشي بضم الطاءين المهملتين وقد تفتح الطاء الأولى أصله من طرطوشة بلاد الأندلس ويعرف بابن أبي رندقة براء مهملة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة ثم قاف كنيته أبو بكر وهو المعنى بقول ابن الحاجب في مختصره الفقهي في باب العتق: " وقال الأستاذ: ومقتضاه إذا باعه قبل التقويم أنْ يقوم ".
صحب القاضي أبا الوليد الباجي بسر قسطة وأخذ عنه مسائل الخلاف وسمع منه وأجازه وقرأ الفرائض والحساب بوطنة قرأ الأدب على أبي محمّد ابن حزم بمدينة إشبيلية.
ثم رحل إلى المشرق سنة ست وسبعين وأربع مائة وحج ودخل بغداد والبصرة فتفقه عند أبي بكر الشاشي وأبي أحمد الجرجاني وسمع في البصرة من أبي عليّ التستري وسكن الشام مدة ودرس بها وكان إماما عالما عاملا زاهدا متواضعا دينا ورعا متقشفا متقللا من الدنيا راضيا منها بالسير.
ومن كلامه ﵁: إذا عرض لك أمران: أمر دنيا وأمر أخرى فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى.
وله عدة تآليف منها مختصر تفسير الثعالبي والكتاب الكبير في مسائل الخلاف وكتاب في تحريم جبن الروم وكتاب سراج الملوك وهو من أنفع الكتب في بابه وأشهرها وكتاب بدع الأمور ومحدثاتها وكتاب شرح رسالة ابن أبي زيد.
ولد سنة إحدى وخمسين وأربع مائة تقريبا وتوفي في ثلث الليل الأخير من ليلة السبت لأربع بقين من جماد الأولى وقال ابن بشكوال في الصلة: في شعبان سنة عشرين وخمس مائة كما تقدم بثغر الإسكندرية وصلى عليه ولده محمّد ودفن قبلي الباب الأخضر. ﵀ ورضي عنه.
وقال ابن خلكان في حقه ما نصه: محمّد بن الوليد بن محمّد بن خلف ابن سليمان بن أيوب القريشي الفهري الأندلسي الطرطوشي المالكي المعروف بابن أبي رندقة بالراء المهملة المفتوحة وتسكين النون
إمام ورع وأديب متقلل. وكان يقول: إذا عرض لك أمران: أمر أخرى وأمر دنيا فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى.
وله طريقة في الخلاف وله أشعار منها:
إذا كنت في حاجة مرسلاوأنت بأنجازها مغرم
فأرسل بأبلة خلابةبه صمم أغطش أبكم
ودع عنك كل رسول سلوىرسول يقال له الدرهم
قال الطرطوشي: كنت ليلة نائما في البيت المقدس إذ سمعت في الليل صوتا حزينا ينشد:
أخوف ونوم ذا لعجيبثكلتك من قلب فأنت كذوب
أما وجلال الله لو كنت صادقالمّا كان للإغماض فيك نصيب
قال: فأيقظ النوم وأبكى العيون.
وكان الطرطوشي ينشد:
إنَّ لله عبادا فطناطلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
فكروا فيها فلما علمواأنها ليست لحي وطنا
جعلوا لجة وأتخذواصالح الأعمال فيها سفنا
ودخل الطرطوشي على الأفضل بن أمير الجيوش فوعظه وقال: إنَّ الأمر الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك وهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة فإنَّ
الله ﷿ سائلك عن النقير والقطمير والفتيل وأعلم أنَّ الله ﷿ آتي سليمان بن داود ملك الدنيا بحذافيرها فسخر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحش والبهائم وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ورفع عنه حساب ذلك أجمع فقال عز من قائل:) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (فما عد ذلك نعمة كما عدد تموها ولا حسبها كرامة كما حسبتموها بل خاف أنْ يكون استدراجا من الله ﷿ فقال:) هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر (فافتح الباب وسهل الحجاب وانصر المظلوم وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني فأنشده:
يا ذا الذي طاعته قربةوحقه مفترض واجب
إنَّ الذي شرفت من أجلهيزعم هذا أنه كاذب
وأشار إلى ذلك النصراني فأقام الأفضل من موضعه.
وتوفي الطرطوشي سنة عشرين وخمس مائة بالإسكندرية.
انتهى كلام ابن خلكان. وذكرته برمته وإنْ كان بعضه قد تقدم تكميلا للغرض وقد يقع لي مثل هذا في هذا الموضع كثيرا والقصد به التقوية لمّا تكرر معه أو غير ذلك كارتباط الكلام بعضه ببعض وعلى الله قصد السبيل.
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع