من «أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
وممن أجاز القاضي عياض ولم يلقه
الصفحة ١ من ٢
الشيخ الإمام المجتهد أبو عبد الله المازري محمّد بن عليّ بن عمر بم محمّد التميمي المازري بفتح الزاي عند الأكثر وجوز كسرها جماعة نسبة إلى مازر بليدة بجزيرة صقلية أعادها ا. أخذ عن الشيخين أبي الحسن
اللخمي وأبي محمّد بن عبد الحميد القروي المعروف بالصائغ وكان إماما محدثا وهو أحد الأئمة الأعلام المشار إليهم في حفظ الحديث والكلام عليه عمدة النظار وتحفة الأمصار المشهور في الآفاق والأقطار حتى عد في المذهب إماما وملك من مسائله زماما. وله تآليف مفيدة عظيمة النفع منها كتاب المعلم بفوائد مسلم وكتاب التعليقة على المدونة وكتاب شرح التلقين وكتاب الرد على الإحياء للغزالي المسمى بكتاب الكشف والإنباء عن المترجم بالإحياء وكشف الغطا عن لمس الخطا وكتاب إيضاح المحصول من برهان الأصول وتعليقة على أحاديث الجوزقي وله أيضاً إملاء على شيء من رسائل إخوان الصفا سأله السلطان تميم عنه وكتاب النكت القطعية في الرد على الحشوية والذين بقدم الأصوات والحروف وفتاوى.
توفي ثامن عشر ربيع الأول سنة ست وثلاثين وخمس مائة وقيل يوم الاثنين ثامن الشهر المذكور بالمهدية وعمره ثلاث وثمانون سنة ﵀ ورضي عنه.
وحكى أنَّ بعض طلبة الأندلس ورد على المهدية وكان يحضر مجلس المازري ودخل شعاع الشمس من كوة فوقع على رجل الشيخ المازري فقال الشيخ: هذا شعاع منعكس فذيل الطالب المذكور حين رآه متزنا فقال:
هذا شعاع منعكسلعلة لا تلتبس
لمّا رآك عنصرامن كل علم ينبجس
أتى يمد ساعدامن نور علم يقتبس
وأظن أني رأيت هذه الحكاية في نظم الدر والعيقان للشيخ الحافظ
أبي عبد الله التلمساني فلتراجع ثم لأني نقلتها بالمعنى.
وممن أجاز القاضي عياض ولم يلقه:
الشيخ الحافظ إمام المحدثين أبو الطاهر السلفي أحمد بن محمّد بن أحمد بن محمّد بن إبراهيم سلفة الأصبهاني الملقب صدر الدين.
قال ابن خلكان: هو أحمد الحفاظ المكثرين. رحل في طلب الحديث ولقي أعيان المشايخ وكان شافعي المذهب. ورد بغداد واشتغل بها على الكيا أبي الحسن على الهراسي في الفقه وعلى الخطيب أبي زكريا يحيى بن عليّ التبريزي اللغوي باللغة وروى عن أبي محمّد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأماثل وجاب البلاد وطاف الآفاق ودخل الإسكندرية سنة إحدى عشرة وخمس مائة في ذي القعدة وكان قدومه إليها في البحر من مدينة صور وأقام بها وقصده الناس من الأماكن البعيدة وسمعوا عليه وانتفعوا به ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله. وبني له العادل أبو الحسن عليّ بن السلار وزير الظافر العبيدي صاحب مصر في سنة ست وأربعين وخمس مائة مدرسة بالثغر المذكور وفوضها إليه وهي معروفة به الآن. وأدركت جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية وسمعت عليهم وأجازوني وكان قد كتب الكثير ونفلت من خطة فوائد جمة ومن جملة ما نقلت من خطة لأبي عبد الله محمّد بن عبد الجبار الأندلسي في قصيدة:
لولا اشتغالي بالأمير ومدحهلأطلت في ذاك الغزال تغزلي
لكن أوصاف الجلال عذبن ليفتركت أوصاف الجمال بمعزل
ونقلت من خطه أيضاً لبثينة صاحبة جميل ترثيه:
وإنَّ سلوى عن جميل لساعةمن الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمرإذا مت بأساء الحياة ولينها
وكان كثيرا ما ينشد:
قالوا نفوس الدار ساكنهاوأنتم عندي نفوس النفوس
وأماليه وتعاليقه كثيرة والاختصار بالمختصر أولى.
وكانت ولادته اثنتين وسبعين وأربع مائة تقريبا بأصبهان وتوفي ضحوة نهار الجمعة وقيل ليلة الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمس مائة بثغر الإسكندرية. ودفن في وعلة وهي مقبرة داخل السور عند الباب الأخضر فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره وهي بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام ثم هاء. ويقال إنَّ هذه المقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن بن وعلة السبئي المصري صاحب ابن عباس ﵄. وقيل غير ذلك رحمه الله تعالى آمين.
قلت: وجدت العلماء المحدثين بالديار المصرية من جملتهم الحافظ زكي الدين أبو محمّد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المحدث محدث مصر في زمانه يقولون في مولد الحافظ السفي هذه المقالة. ثم وجدت في كتاب: زهر الرياض المفصح عن المقاصد والأغراض تأليف الشيخ جمال الدين أبي القاسم عبد الرحمن ابن أبي الفضل عبد المجيد بن إسماعيل بن جفص الصفراوي الإسكندري وأنَّ
الحافظ السلفي المذكور وهو شيخه كان يقول: مولدي بالتخمين لا باليقين سنة ثمان وسبعين فيكون مبلغ عمره على مقتضى ذلك ثمانيا وتسعين سنة. هذا آخر كلام الصفراوي المذكور.
ورأيت في تاريخ الحافظ محب الدين محمّد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي ما يدل على صحة ما قاله الصفراوي فإنه قال: قال عبد الغني المقدسي: سألت الحافظ السلفي عن مولده فقال: أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربع مائة وكان لي من العمر حدود عشر سنين.
قلت: ولو كان مولده على ما يقوله أهل مصر إنَّه في سنة اثنتين وسبعين ما كان يقول أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربع مائة فإنه على ما يقولونه قد كان عمره ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة ولم تجر العادة أنْ من يكون في هذا السنة يقول: أنا أذكر القضية الفلانية وإنما يقول ذلك من يكون عمره تقديرا أربع أو خمس أو ست سنين.
فقد ظهر بهذا أنَّ قول الفراوي تلميذه أقرب إلى الصحة وقد سمع منه أنَّه قال: مولدي في سنة ثمان وسبعين وليس الصفراوي ممن يشك في قوله ولا يرتاب في صحته مع أننا ما علمنا أنَّ أحدا منذ ثلاث مائة سنة إلى الآن بلغ المائة فضلا عن أنَّه زاد عليها سوى القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري فإنه عاش مائة سنة وسنتين وكما سيأتي في ترجمته.
ونسبة السلفي إلى جدة إبراهيم سلفة بكسر السين المهملة وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء وهو لفظ عجمي ومعناه بالعربي ثلاث شفاه لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة فصارت مثل شفتين غير الأخرى الأصلية
والأصل فيه سلبة بالباء فأبدلت بالفاء.
انتهى كلام ابن خلكان.
قلت: ولا يخلو ما ذكره من بحث لأن السلفي قال: أنا أذكر قتل نظام الملك وأنا في حدود العشر سنين وبحث ابن خلكان يقتضي أنَّه ابن ست سنين ونحوها بل قد يقال: إنَّ قول السلفي وكان في حدود عشر سنين لا ينافي قول الآخرين لمّا جرت العادة به من العلماء من إلغاء الكسر الزائد. سلمنا عدم ذلك فلا ذليل فيه لواحد منهما فتأمله منصفا والله سبحانه أعلم.
وكأن ابن قنفذ اعتمد في وفاته على قول المصريين في مولد أبي الطاهر السلفي فلذا قال ما نصه: " وتوفي القاضي بغرناطة أبو عبد الله بن محمّد بن القاضي عياض سنة خمس وسبعين وخمس مائة وعرف في تاريخه بأبيه وفي التي تليها توفي الشيخ أبو الطاهر السلفي وعمره مائة وأربع سنين وكان أجاز لكل أدركه حياته. وسلفة بكسر السين المهملة: قرية في المشرق ".
انتهى.
وما قاله في سلفة مخالف لمّا سبق قريبا لابن خلكان ولعل قول ابن خلكان هو الصواب والله تعالى اعلم.
ومن المشهور نظم السلفي ﵀ قوله:
ليس على الأرض في زمانيمن شأن في الحديث شاني
علما ونقدا ولا علوافيه على رغم كل شاني
ومن ذلك قوله ﵀:
بالله يا معشر أصحابياغتنموا علمي وآدابي
إنَّ نذير الموت جاء وقدحلف لا يرحل إلاّ بي
ومن نظمه ﵀ ما أجاب به القاضي عياضا حين استجازه بقصيدة على روى القاف أولها:
أبا طاهر خذها على البعد والنوىتحية مشتاق لذكراك شيق
فأجابه أبو الطاهر بقوله:
أتاني نظم الألمعي الموفقيميس اختيالا بين غرب ومشرق
وسيأتيان معال عند تعرضنا لذكر نظم عياض رحم الله الجميع.
أقول: ولم يزل الفضلاء من الأئمة والنبهاء من أعلام هذه الأمة يستجيزون الأشياخ الأخيار عند تعذر اللقاء وبعد الديار ولو تتبعنا ذكر من قعل ذلك لضاق عنه هذا الموضوع ولمّا احتمله هذا المجموع. وقد استجاز الإمام الشهير الأديب الكبير الشيخ العلامة أبو الحسن حازم صاحب المقصورة وجيه الدين منصور فكتب إليه الوجيه ﵀ بقوله:
إني أجزت لحازم بن محمّدصدر الأفاضل والإمام السيد
مجموع ما رويته فرويتهعن ألف شيخ من رواة المسند
في مصرها مع شامها وعراقهاوحجازها من متهم أو منجد
وجميع ما صنفته وجمعتهفي علم فقه الشافعي محمّد
فليروا عني ما رويت روايةمشروطة بتوثيق وتشدد
وليبق في روض العلوم منعمابسعادة وسيادة وتأيد
وإذا جرى ذكر حازم فلا بد أنْ نورد بعض التعريف به فنقول:
قال السيوطي في الطبقات: حازم بن محمّد بن حسن بن محمّد بن خلف بن حازم الأنصاري القرطاجي النحوي أبو الحسن شيخ البلاغة والأدب.
قال أبو حيان: كان أوحد زمانه في النظم والنثر والنحو واللغة والعروض وعلم البيان. روى عن جماعة يقاربون الألف وروى عنه أبو حيان وابن رشد وذكره في رحلته فقال: حبر البلغاء وبحر الأدباء ذو اختيارات فائقة واختراقات رائقة لا نعلم أحد ممن لقيناه جمع من علم اللسان ما جمع ولا أحكم من معاقد علم البيان ما أحكم من منقول ومبتدع وأما البلاغة فهو بحرها العذب والمتفرد بحمل راياتها أميرا في الشرق والغرب وأما حفظ لغات العرب وأشعارها وأخبارها فهو حماد روايتها أوقارها يجمع إلى ذلك جودة التصنيف وبراعة الخط ويضرب بسهم في العقليات والدراية أغلب عليه من الرواية.
صنف سراج البلغاء في البلاغة وكتاب في القوافي وقصيدة في النحو على روى الميم ذكر منها ابن هشام في المغني أبياتا في المسألة الزنبورية وقد ذكرناها في الطبقات الكبرى مع أبيات أخر.
مولده سنة ثمان وست مائة ومات ليلة السبت الرابع والعشرين من رمضان سنة أربع وثمانين وست مائة.
ومن شعره:
من قال حسبي من الورى بشرفحسبي الله حسبي الله
كم آية للإله شاهدةبأنه لا إله إلاّ هو
انتهى كلام السيوطي.
ولنرد نحن ما أمكننا، حيث لم يوف السيوطي بحقه في الطبقات الصغرى، لأنها مبنية على الاختصار، وليس نقف على الطبقات الكبرى التي أحال عليها؛ فنقول: قال بعض المؤرخين: هو حازم بن محمّد بن الحسن بن حازم الأنصاري، فجعل والد الحسن حازماً، وجعله السيوطي محمداً، فلا ندري هل هذا من النسبة إلى الجد، فيرجع مع ما عند السيوطي إلى وفاق، أو هما مختلفان؟ القرطاجني: منسوب إلى قرطاجنة من سواحل كورة تدمير، من شرقي الأندلس. وهو خاتمة شعراء الأندلس الفحول، مع تقدمه في معرفة لسان العرب وأخبارها، ونزل إفريقية بعد خروجه من بلده فطار بها صيت، وعمر إلى أنْ مات بتونس، حضره ملوكها، ليلة الرابع والعشرين من رمضان، من سنة أربع وثمانين وست مائة. وفي بعض المجاميع الأدبية من تأليف ابن المرابط نزل تونس، أنَّه كان في حضرة مراكش أيام الرشيد، انتهى.
قلت: وله في الرشيد أمداح كثيرة، أنشدها في الإشادة، ومدح الأمير أبا زكريا صاحب إفريقية، وولده أبا عبد الله المتنصر، وله ألف المقصورة المشهورة، وقصر محاسنها على مدحه، ومدح أخاه أبا يحيى.
ومطلعها:
لله ما قد هجت يا يوم النوىعلى فؤادي من تباريح الجوى
قلت: قد كنت ضمنت مطلعها باكتفاء وتورية فقات:
لم أنس يمواً للنوى عيوبهفي نهر فارس شجن هاج الجوى
فقلت إذ ذكرني معاهاً" لله ما قد هجت يا يوم النوى "
ومقصورته تدل على اطلاعه، وصدرها بخطبة بليغة جداً، وتولى شرح هذه المقصورة الشيخ أبو القاسم الشريف الحسني القاضي كان بغرناطة، وسمي شرحه هذا رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصورة، وملأه بكل غريبة، وقد طالعته غير مرة. وقد ألف الإمام المكودى شارح الألفية، مقصورة بديعة نبوية؛ وعاب على ابن دريد وحازم جعلهما مقصورتيهما مدحاً في بني الدنيا، فكان من جملة أبياتها:
فحازم قد عد غير حازمٍوابن دريد لم يفده ما درى
وقد تولى شرح مقصورة المكودي بعض أصحابه وهو الكاتب الأديب أبو عبد الله المكلاني أعانه الله تعالى.
ومن بديع نظمه ﵀ قصيدة جيمية، غريبة المنزع، لها صيت عظيم عند الحذاق من أهل الأدب، والنجارين من الفضلاء، عارض بها في المعنى رائية ابن عمار الوزير؛ للمعتمد بن عباد. وفضل غير واحد هذه الجيمية الحازمية، على تلك الرائة العمارية:
أدر المدامة فالنسيم مؤرجوالروض مرقوم البرود مدبجُ
والأرض قد لبست برود جمالهافكأنما هي كاعب تتبرجُ
والنهر مما ارتاح معطفه الللىلقيا النسيم عبابه متموجُ
يمسي الأصيل بعسجدي شعاعهابداً يوشي صفحه ويدبجُ
وتروم أيدي الريح تسلب ما اكتسىفتزيده حسناً بما هي تنسجُ
فارتح لشرب كؤس راح نورهابل نارها في مائها تتوهجُ
واسكر بنشوة لحظ من أحببتهأو كأس خمر من لماه تمزجُ
وايمع إلى نغمات عود تطبىقلب الخلي إلى الهوى وتهيجُ
بم وزير يسعدان مثانياًومثالثاً طبقاتها تتدرجُ
من لم يهيج قلبه هذا فماللقلب منه محرك ومهيجُ
فأجب فقد نادى بألس حالهللأنس دهر للهموم مفرجُ
طربت جمادات وأفصح أعجمفرحاً وأصبح من سرور يهزجُ
أفيفضل الحي الجماد مسرةوالحي للسراء منه أحوجُ
ما العيش إلاّ نعمت به وماعاطاك فيه الكأس ظبي أدعجُ
ممن يروقك منه ردف مردفعبل وخصر ذو اختصار مدمجُ
فإذا نظرت لطرة ولغرةولصفحة منه بدت تتأججُ
أبقيت أنْ ثلاثهن وما غدامن تحتها ينآد أو يتموجُ
ليل على صبح على بدر علىغضن تحمله مثيب رجرجُ
كأس ومحبوب يظل بلحظهقلب الخلي إلى الهوى يستدرجُ
يا صاح ما قلبي بصاح عن هوىشيئين بينهما المنى تستنتجُ
وبمهجتي الظبي الذي في أضلعيقد حل وهو يشبها ويؤججُ
ناديت حادي عيسه يوم النوىوالعيس تحدي والمطايا تحدجُ
قف أيها لاحادي أودع مهجةقد حازها دون الجوانح هودجُ
لمّا تواقفنا وفي أحداجهاقمر منير بالهلال متوجُ
ناديتهم قولوا لبدركم الذيبضيائه تسري الركاب وتدلجُ
يحيا العليل بلفظةٍ أو لحظةٍتطفي غليلاً في الحشا يتأججُ
قالوا نخاف يزيد قلبك لاعجاًفأجبتهم خلوا اللواعج تلعجُ
وبكيت واستبكيت حتى ظل منعبراتنا بحر ببحر يمزجُ
وبقيت أفتح بعدهم باب المنىما بيننا طورا وطورا يرتجُ
وأقول يا نفس اصبري فعسى النوىبصباح قرب ليلها يتبلجُ
فترقب السراء من دهر شجاوالدهر من ضد لضد يخرجُ
وترج فرجة كل هم طارقٍفلكل هم في الزمان تفرجُ
وتذكرت بهذه الجيمية قصيدة ابن قلاقس الإسكندري رحمه الله تعالى:
عرضت لمعترض الصباح الأبلجحوراء في طرف الظلام الأدلجِ
فتمزقت شية الدجا عن غرتيشمسين في أفق وكلة هودجِ
ووراء أستار الحمول لواحظغزلان معتدل الوشيج الأعوجِ
من كل مبتسم السنان إذا جرىدمع النجيع من الكمى الأهوجِ
ولقد صحبت الليل قلص بردهلعباب بحر صاحبه المتموجِ
وكأن منتثر النجوم الآلينظمت على صرح من الفيروزجِ
وسهرت أرقب من سهيل خافقاًمتفرداً وكأنه قلب الشجي
واستعبرت مقل السحاب فأضحكتمنها ثعور مفوف ومدبجِ
وابن قلاقس هذا له في النظم البارع المديد؛ ومن محاسنه قوله رحمه الله تعالى:
سددها من القلوب رمحاوانتضوها من الجفون صفاحا
يا لها حالة من السلم حالتفاستحالت ولا كفاح كفاحا
صح إذ أذرت العيون دماءًانهم أثحنوا القلوب جراحا
يا فؤادي وقد أخذت أسيراًأتفطرت أم وضعت سلاحا
قل لأعتادك التي أقسموهاضربوا فيك بالعيون قداحا
عجبا للجفون وهي مراضكيف تستأسر القلوب الصحاحا
آه من موقف يود به المغرملو مات قبله فاستراحا
حيث يخشى أنَّ ينظم اللثم عقداًفيه أو يعقد العناق وشاحا
رجع إلى قول حازم رحمه الله تعالى: فمن قوله من قصيدة:
فتق النسيم لطائم الظلماءعن مسكةٍ قطرت مع الأنداء
وغدا الصباح يفض خاتم عنبربالشرق عن كافورةٍ بيضاء
والكوكب الدري يزهو سابحافي مائه كالدرة الزهراء
وكأنما ابن ذكاء مجمراًمنه يفيد الريح طيب ذكاء
وقال سامحه الله من قصيدة في المستنصر:
أمن بارق أورى بجنح الدجى سقطاتذكرت من حل الأبارق فالسقطا
وبان ولكن لم يبن عنك ذكرهوشط ولكن طيفه عنك ما شطا
حبيب لو أنَّ البدر جاراه في مدىمن الحسن لأستدني من البدر واستبطا
سقى الله عيشا قد سقانا من الهوىكئوسا بمعسول اللمى خلطت خلطا
وله مطلع قصيدة:
سلطان حسن عليه للصبا علمإذا رأته جيوش الصبر تنهزم
وقال ﵀ يصف وردة بيضاء:
ومبيضة الأثواب بوردةٍتقل لها الأشباه عند التماسها
أنافت على ساق لتشرب عندماأشارت لها كف البروق بكاسها
كجاريةٍ قامت ببيض غلائلٍمرفعةٍ أذيالها حول رأسها
ومن بديع نظمه رحمه الله تعالى تضمينه قصيدة امرئ القيس، وصرف معناها إلى مدح المصطفى)، وهي من غر القصائد:
لعينيك قل إنَّ زرت أفضل مرسل" قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل "
وفي طيبة فانزل ولا تغش منزلا" بسقط اللوى بين الدخول فحومل "
وزر قد طالما طاب نشرها" لمّا نسجتها من جنوب وشمأل "
وأثوابك أخلع محرما ومصدقا" لدى الستر إلاّ لبسة المتفضل "
لدى كعبة قد فاض دمعي لبعدها" على النحر حتى بل دمعي محملي "
فحيا حادي الآبال سربي ولا تقل" عقرت بعيري يامرأ القيس فانزل "
فقد حلفت نفسي بذاك وأقسمت" على وآلت حلفة لم تحلل "
فقلت لها لا شك أني طائع" وأنك مهما تأمري القلب يفعل "
وكم حملت في أظهر العزم وحلها" فيا عجبا من كورها المتحمل "
وعاتبت العجز الذي عاق عزمها" فقالت لك الويلات إنك مرجلي "
نبي هدى قد قال للكفر نوره" إلاّ أيّها الليل الطويل ألا انجل "
تلا سوراً ما قولها بمعارضٍ" إذا هي نصته ولا بعطل "
لقد نزلت في الأرض ملة هديه" نزول اليماني ذي العياب المحمل "
أتت مغربا من مشرق وتعرضت" تعرضت أثناء الوشاح المفضل "
ففازت بلاد الشرق من زينة بها" بشيق وشق عندنا لم يحول "
فصلى عليه الله ما لاح بارق" كلمع اليدين في حبي مكلل "
نبي غزا الأعداء بين تلائح" وبين إكام بعد ما نتأمل "
فكم ملك وفاه في منجدٍ" بمنجرد قيد الأوابد هياكل "
وكم من يمان واضح جاءه اكتسى" بضاف فويق الأرض ليس بأعزل "
ومن أبطحي نيط منه نجاده" بجيد معم في العشيرة مخول "
ومن أبطاحي نيط منه نجاده" بجيد معمم في العشيرة مخول "
أوالوا ببدر عن سروجهم العدا" كما زالت الصفواء بالمتنزل "
ونادوا ظباهم لا يفتك فتى ولا" كبير أناس في بجادٍ مزمل
وفض جموعا قد غدا جامعاً بها" لنا بطن ذي قفاف عفنقل "
وأحموا وطيساً في حنين كأنه" إذا جاش فيه حمية غلي مرجل "
ونادوا بنات النبع بالنصر أثمري" ولا تبعدينا من جناك المعلل "
وممن له سددت سهمين فاضربي" بسهميك في أعشار قلبٍ مقتل "
فما أغنت الأبدان بها أكتست" ترائبها مصقولة كالسجنجل "
وأضحت لواليها ومالكها العدا" ويقولون لا تهتك أسى وتجمل "
وقد فر منصاع كما فر خاضب" لدى سمرات الحي ناقف حنظل "
وكم قال يا ليل الوغى طلت فانبلج" بصبح وما الإصباح منك بأمثل "
فليت جوادي لم يسر بي إلى الوغى" وبات بعيني قائما غير مرسل "
وكم مرتق أوطاس منهم بمسرجٍ" متى ما ترق فيه تسهل
وقرطه خرصا كمصباح مسرج" أهان السليط في الذبال المفتل "
فيزهو لهاد فوق هاديه طرفه" بناظرة من وحش وجرة مطفل "
ويسمع من كافورتين بجانبي" أثنيت كقنو النخلة المتعثكل "
ترفع أنَّ يعزى له شد شدان" وإرزاخه سرحان وتقريب تتفل "
ولكنه يمضي كما مر مزبد" يكب على الأذقان دوح الكنهبل "
ويغشى العدا كالسهم أو كالشهاب أو" كجلمود صخرٍ حطه السيل من عل
جياد أعادت رسم رستم دارسا" وهل عند رسم دارس من معول "
وريعت بها خيل القياصر فاختفت" جواهر في صرة لم تزيل "
سبت عربا من نسوة العرب تستبي" إذا ما اسبكرت بين درع ومجول "
وكم من سجايا الفرس والصفر أسهرت" نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل "
والحزن بدوراً من ليالي شعورها" تضل المداري في مثنى ومرسل "
وأبقت بأرض الشام هاما كأنها" بأرجائها القصوى أنابيش عنصل "
لخضراء ما دبت ولا نبتت بها" أساريع ظبي أو مساويك إسحل
شدا طيرها في مثمري ذي أرومة" وساق مغار الفتل شد بيذبل "
وكم هجرت في القيظ تحكى دوارعاً" عذاري دوار في الملاء المذيل "
وكم أدلجت والقطر يهفو هزيرة" ويلوى بأثواب العنيف المثقل "
وخضن سيولا فضن بالبيد بعد ما" أثرن غباراً بالكديد المركل "
وكم ركزوا ومحا بدعص كأنه" من السيل والغثاء فلكة مغزل "
فلم تبن حصنا خوف حصنهم العدا" ولا أطماً إلاّ مشيد بجندل "
فهدت بغضب شد بعد صقاله" بأمراس كتان إلى صم جندل "
وجيش بأقصى الأرض ألقى جرانه" وأردف أعجازا وناء بكلكل "
يداك الصفا دكا ولو مر بعضه" وأيسره على الستار فيذبل "
دعا النصر والتأبيد راياته اسحبي" على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل "
لواء منير النصل طاوٍ كأنه" منارة ممسي راهب متبتل "
كأن دما الأعداء في عذباته" عصارة حناء بشيب مرجل "
صحاب بروا هام العداة وكم قروا" صفيف شواة قدير معجل "
وكم أكثروا ما طاب من لحم جفرةٍ" وشحم كهدَّاب الدمقس المفتل "
وكم جبن من غبراء لم يسق نبتها" دراكا ولم ينضح بماء فيغسل "
حكى طيب ذكراهم ومر كفاحهم" مداك عروس أو صلابة حنظل "
لأمداح خير الخلق قلبي قد صبا" وليس صباي عن هواها بمنسل "
فدع من لأيام صلحن له صبا" ولا سيما يوم بدارة جلجل "
وأصبح عن أم الحويرث ما سلا" وجارتها أم الرباب بمأسل "
وكن في مديح المصطفى كمديح" يقلب كفيه بخيط موصل "
وأمل به الأخرى ودنياك دع فقد" تمتعت من لهو بها غير معجل "
وكم لنبيث للفؤاد منابثٍ" نصيح على تعذاله غير مؤتل "
ينادي إلهي إنَّ ذنبي قد عدا" على بأنواع الهموم ليبتلى "
فكن لي مجيرا من شياطين شهوةٍ" على حراص لو يشرون مقتلي "
وينشد دنياه إذا ما تدللت" أفاطم مهلا بعض هذا التدلل "
فإنَّ تصلي حبلى بخير وصلته" وإنَّ كنت قد أزمعت صرمي فأجملي "
وأحسن بقطع الحبل منك وبته" فسلى ثيابي من ثيابك تنسل "
أيا سامعي مدح الرسول تنشقوا" نسيم الصبا بريا القرنفل "
وروضة حمد للنبي محمّد" غذاها نمير الماء غير المحلل "
ويا من أبي الإصغاء ما أنت مهتدٍ" وما إنَّ أرى عنك العماية تنجلي "
فلو مطفلا انشدتها لفظها أرعوت" فألهيتها عن ذي تمائم محول "
ولو سمعته عصم طود أمالها" فأنزل منها العصم من كل منزل "
وقال ﵀ في مثل هذا الغرض، مؤديا من مدح رسول الله) المفترض، مضمناً قصيدة أخرى لامرئ القيس:
أقول لعزمي أو لصالح أعمالي" ألا عم صباحا أيّها الطال البالي "
أما وأعظى شيب سما فوق لمتي" سمو حباب الماء حالا على حال "
انار به ليل الشباب كأنه" مصابيح رهبان تشب لقفال "
نهاني عن غي وقال منها" ألست ترى السمار والناس أحوالي "
يقولون غيره لتنعم برهة" وهل يمعن من كان في العصر الخالي "
أغالط دهري وهو يعلم إنني" كبرت وإلاّ يحسن اللهو أمثالي "
ومؤنس نار الشيب يقبح لهوه" بآنسة كأنها خط تمثال "
أشيخا وتأتى فعل من كان عمره" ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال "
وتشغفك الدنيا وما إنَّ شغفتها" كما شغف المهنوءة الرجل الطالي "
ألا إنها الدنيا ما أعتبرتها" ديار لسلمى عافيات بذي خال "
فأين الذين استأثروا قبلنا بها" لناموا فما إنَّ من حديث ولا صال "
ذهلت بها غيا فكيف الخلاص من" لعوب تنسيني إذا قمت سربالي "
وقد علمت مني مواعيد توبتي" بأن الفتى يهذي وليس بفعال "
ومذ وثقت نفسي بحب محمّد" هصرت بغصن ذي شماريخ ميال "
وأصبح شيطان الغواية خاسئا" عليه القتام سيئ الطن والبال "
ألا ليت شعري هل تقول عزائمي" لخيلي كرى كرة بعد إجفال
فأنزل داراً للرسول نزيلها" قليل الهموم ما يبيت بأوجال "
فطوبى لنفس جاورت خير مرسلٍ" بيثرب أدنى دارها نظر عالي "
ومن ذكره عند القبول تعطرت" صبا وشمائل في منازل قفال "
جوار رسول الله مجد مؤثل" وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي "
ومن ذا الذي يثني عنان السرى وقد" كفاني ولم أطلب قليل من المال "
ألم تر أنَّ الظبية استشفعت به" تميل عليه هونة غير مجفال "
وقال لها عودي فقالت له نعم" ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي "
فعادت إليه والهوى قائل لها" وكان عدائي الوحش مني عليّ بالي "
ويا لبعير قال أزمع مالكي" ليقتلني والمرء ليس يقتال "
وثور ذبيح بالرسالة شاهدٍ" طويل القوا والروق أخنس ذيال "
وحن إليه الجذع حنة عاطش" لغيث من الوسمى رائدة خال "
وأصلين من نخل قد التأما له" بما احتسبا من لين وتسهال "
وقبضة ترب منه ذلت لها الظبا" ومسنونة زرق كأنياب أغوال "
وأضحى ابن جحش بالعسيب مقاتلا" وليس بذي رمح وليس بنبال "
وبذت به العجفاء كل مطهم" له حجبات مشرفات على الفال "
ويا خسف أرض تحت باغيه علا" على يكل نهد الجزارة جوال "
وقد أخمدت نار لفارس طالما" أصابت غضى جز لا وكف بأجزال "
أبان سبيل الرشد إذ سبل الهدى" يقلن لأهل الحلم ضلا بتضلال "
لأحمد خير المرسلين انتقيتها" ورضت فذلت صعبة أي إذلال "
وإنَّ رجائي أنَّ ألاقيه غداً" ولست بمقلي الخلال ولا قالي "
فأدرك آمالي وما كل آمل" بمدرك أطراف الخطوب ولا آلي "
قلت: هكذا وجدت بخط بعض أعلام مراكش نسبة هذه القصيدة لأبي الحسن حازم المذكور، واعتمدت على هذه النسبة، ثم بان لي خطؤها، وإنّما هذه القصيدة من نظم العلامة أبي بكر بن جزي الكلبي الغرناطي، حسبما نص على ذلك غير واحد.
ولنورد كلام بعض الأئمة في حقه، لأن فيه المطلوب وزيادة، ونصه: محمّد بن أحمد عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن بن يوسف بن جزي الكلبي،
يكنا أبا القاسم، من أهل غرناطة، وذوي الأصالة والنباهة فيها، وأصل سلفه من ولبه، من حصن البراجلة، نزل بها أولهم عند الفتح، صحبة قريبهم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي، وعند خلع دعوة المرابطين كان لجدهم يحيى بجيان، رياسة وانفراد بالتدبير.
وكان ﵀ على طريقة مثلى، من العكوف على العلم، والاقتيات من حر النشب، والاشتغال بالنظر والتقييد والتدوين، فقيها حافظا، قائما على التدريس، مشاركاً في فنون من العربية والفقه والأصول والقراءات والحديث والأدب، حافظا للتفسير للأقوال جماعة للكتب، موكلي الخزانة، حسن المجلس، ممتع المحاضرة، قريب الغور، صحيح الباطن؛ تقدم خطيباً بالمسجد الأعظم من بلده، على حداثة سنه، فاتفق على فضله، وجرى على سنن أصالته. ومن شيوخه الأستاذ أبو جعفر بن الزبير وابن الكماد وابن رشيد والحضرمي وابن أبي الأحوص وابن برطال، وأبو عامر بن ربيع الأشعري والوالي أبو عبد الله الطنجالي، وابن الشاط.
النص من طبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع