لِلّه ما قد هِجتَ يا يوم النوَى
الشاعر: حازم القرطاجني · البحر: الرجز
هذه القصيدة من شعر حازم القرطاجني، من المغرب والأندلس، وتقع في 1006 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لِلّه ما قد هِجتَ يا يوم النوَى ... على فُؤادي من تباريحِ الجَوى
لقــــد جــــمــــعتَ الظلمَ والإِلامَ إذ ... وَارَيتَ شَمسَ الحُسنِ في وَقتِ الضُّحى
فَخِلتُ يَومي إذ توارى نُورُها ... قَبل انتهاءِ وقتِهِ قَد انتهى
وما تقضَّى عجبي من كونِها ... غابَت وَعُمرُ اليومِ باقٍ ما انقضى
وكم رأَت عيني نَقيضَ ما رَأَت ... مِن اطلاعِ نُورِها تحتَ الدُّجى
فــــيــــا لَهــــا مــــن آيةٍ مُبصِرَةٍ ... أبصرَها طرفُ الرقيبِ فامترى
واعــــتورتهُ شُبهَةٌ فَضلَّ عَن ... تحقيقِ ما أبصَرهُ وما اهتدى
وظَــــــنَّ أنَّ الشَّمــــــسَ قـــــد عـــــادَت لَهُ ... وانجابَ جُنحُ اللَّيلِ عَنها وانجلَى
والشَّمــــسُ مــــا رُدَّت لِغَــــيــــرِ يُوشَعٍ ... لمــــــا غــــــزا ولعــــــلي إذ غـــــفـــــا
سَــــرَت سُــــرى مُــــفــــتــــضِــــحٍ لكنَّها ... لم تفتضح أسرارُها لِمَن وَشى
يـــــا قـــــاتَـــــلَ الوُشـــــاةَ فـــــلَكُـــــم ... سِرٍّ على الأَلسنِ مِنهُم قَد بَدا
وقـــــاتـــــلَ اللَهُ الحُـــــداةَ فَـــــلَكــــم ... شَرٍّ على الأَفواه مِنهُم قَ جَرى
وكم حَدا بالقلب عني حَدوُهُم ... فــــي إِثــــر كُــــلِّ أَحــــبــــيٍّ قَد خَدَى
ما لُمتُ في ذَنبِ النَّوى ابن دايةٍ ... ولا بناتِ العِيدِ بَل مَن قَد حَدا
تَسَنَّمُوا عُوجَ المَناقي ليتَها ... ألحمَها عُوجَ المَناقيرِ المَنَى
وفـــــي السُّرُوجِ والحُـــــدُوجِ وســـــطَهَـــــا ... أُســــــدٌ تُــــــدارا وَظِــــــبـــــاءٌ تُـــــدَّرى
تَــــــرنُـــــو إِلى مـــــن كـــــوى وصـــــاوصٍ ... بـــــأعـــــيـــــنٍ مُـــــرَقــــعــــاتٍ للكُــــوَى
وقد زها بحرُ السرابِ ظُعُنا ... يحملنَ رقماً مثلَ نخلٍ قد زها
نــــجــــائِبٌ قَــــد حَــــمَلَت حَمُولُها ... قلبي فيما حَمَلتهُ من نَجا
أَلوَت بخفض العَيشِ عَنَّاــ أحرُفٌ ... نواصِبٌ جاءضت لمعنىً في السُّرى
وفــــوقَ هاتِيكَ الحَوايا أحوَرٌ ... أحوى له لحظٌ على السِّحرِ احتَوَى
قــــــد ادَّعــــــي رِقَّ القُــــــلوبِ لحــــــظُهُ ... وشَهِــــدَ السحرُ له فيما ادَّعى
أدنى الجمالُ مِنهُ قوسَ حاجِبٍ ... وضَمِنَ الطاعةَ عَن أهلِ الهَوَى
كــــأنــــهُ كــــســــرى عــــلى كُــــرسيهِ ... وحاجِبٌ بالقَوسِ مِنهُ قد دَنَا
ملكَهُ الحُسنُ القُلوبَ واعتَنَى ... مِن بَسطَةِ المُلكِ لهُ بما اعتَنَى
وسامَها أن تَعبُدَ النارَ التي ... لهيبُها من فوقِ خديهِ احتمى
فهو بما قد سامَ أرباب الهَوَى ... حــــذوَ مُــــلُوكِ فــــارِسٍ قــــد احــــتــــذى
وجهٌ بدا بمُشرقِ الحُسنِ بهِ ... بدرٌ مُنيرٌ تحتَ ليلٍ قد غَسا
طحا فؤادي في الهوى بي نحوَه ... يا ليتَ قلبي في الهوى بي ما طَحا
متى يرجّى الصحوَ من سُكرِ الهَوَى ... صَبٌّ بألحاظِ المَهَا قد انتَشَى
طَــــوى زَمــــانَ الوَصــــلِ عــــنهُ دَهرُهُ ... فهوَ على أشجانِهِ قد انطَوى
وليــــسَ يــــخــــلُو دَهرُهُ مِن مُذكِرٍ ... في كُلِّ ما يَسمَعُهُ وما يَرَى
أَهـــــــدَت إليـــــــهِ أُمُّ مَهــــــدِىٍّ أَســــــاً ... أَضَــــــلَّهُ عــــــن رُشــــــدِهِ ومـــــا هَـــــدَى
يا قاتَلَ اللَهُ الحمامَ فَلَكُم ... أَبكي عُيُونَ العاشقين إذ بكى
هـــــاجَـــــت بِــــدَورانَ لِقَــــيــــسٍ لَوعَــــةً ... وأذكــــــرتـــــهُ دارَ حِـــــبٍّ قَـــــد نَـــــأَى
وأَضــــرَمَــــت مِن لَوعَةِ النَّجدىِّ في ... بُستانِ إِبراهيم ما كانَ خَبَا
وأَذكَرَت عَوفاً بِدارِ غُربَةٍ زُغباً ... صَــــغَــــاراً مِــــثــــلَ أَفــــراخِ القَطَا
وأَطرَبَت تَوبَةَ فاستسقى الحيا ... لَهــــا بِــــبَــــطن الوَاديينِ وَدَعا
وَزدنَ سُــــكــــراً قَــــلبَ غَــــيــــلانَ الَّذي ... لَم يَصحُ عَن سُكرِ الهَوَى وَلا سَلا
وَعــــادَ مــــا عادَ مِنَ الوَجدِ بِها ... عَلى حُميدٍ وَشجاهُ ما شجا
ومــــلأت بــــالســــجــــنِ قــــلبَ جَحدَرٍ ... وصــــدرَهُ مــــن شَجَنس وَمِن شَجا
وأَوشكت تختطِفُ الحَوباءَ من ... جانحَتي جَريرٍ ابن الخطفى
طالَت ليالي الدَّهرِ عِندي بَعدَما ... قَصَّرتَها بِكُلِّ مَقصُورِ الخُطا
فَــــإن يَــــطُــــل لَيلي فَكَم قَصَّرتُهُ ... بقاصِراتش الطَّرفِ بِيضٍ كالدُّمى
وَكضم تَنَعمت بوَصلِ ناعِمٍ ... وباقتنِاصِ باغِمٍ مِثل الطلا
فاجتَمَعَ الضدانِ مِنا ناعِمٌ ... قد ارتَوى وذابلٌ يَشكُو الظَّما
فــــلو رأَتنا مُقلَةٌ تَعجبت ... كيفَ التقى بدرُ الدياجي والسُّها
شفى فُؤادي رَشفُهُ مِن بَعدِما ... أَشفى بقلبي طَرفُهُ على شَفَا
عــــمــــري لقد ظئمت للماء الذي ... بين العُمُور الظامئات والظمى
وعــــزنــــي وجــــدي بــــخــــودٍ غــــرنــــي ... عطفٌ لها لان بقلبٍ قد قسا
لم يــــبــــقِ لي صــــدودهــــا تــــعــــللا ... إلا بـــــــليـــــــتَ ولعــــــلَّ وَعَــــــســــــى
ضَنَّتـــ بمَنزورِ القِرَى من الكرَى ... كي لا أرى طَيفاً لها إذا سرى
فلو تَجُودُ قَدرَ ما ضَنَّتــ حَكَت ... جُودَ أَميرِ المُؤمنينَ المُرتَجى
خَليفةِ اللَه المُسَمّى المكتَنَى ... خَيرَ الأَسامي السامياتِ وَالكنَى
المُرتَقى مِن نِسبَةِ المَجدِ الَّتي ... تَسمُو إلى الفارُوقِ أَعلى مُرتَقى
مِــــن نَبعَةٍ أُصُولُهَا ثابِتَةٌ ... وَفَــــرعُهــــا إِليَ السَّماءِ قَد سَمَا
لَم يَعدَمِ الوَحيُ ولا الهُدى بِهِم ... لَيثاً بما يُسمَى بِهِ الشِّبلُ اكتَنَى
فَكَانَ لِلمُختارِ مِنهُم صاحِبٌ ... فِي حَلبَةِ الإِيمانِ صَلَّى وَتَلا
وَكــــانَ لِلمَهــــدِيِّ مِــــنــــهُــــم صاحِبٌ ... في حَلبَةِ التَّوحِيدِ جَليَّ وَشَأَى
ذاكَ أَبُـــــو حَـــــفـــــصِ الَّذي إِلى عُـــــلا ... سَمِيَّهِ الهادِي أَبي حَفصٍ نَما
وَزادَ عَبدُ الوَاحِدِ الهَادِي ابنُهُ ... مَــــعــــالِمَ التَّوحِيدِ والهُدَى عُلا
ثُـــــــمَّ أَتَـــــــمَّ اللَهُ نُـــــــورَ هَـــــــديِهِ ... بِنَجلِهِ يَحيَى الإِمامِ المُرتَضى
ثُــــــمَّ تَـــــجَـــــلَّت آيَـــــةُ اللَهِ الَّتـــــي ... بدا بها الحقُّ اليَقينُ وَجَلا
بِنَجلِهِم بل نَجمِهِم بَل بَدرِهِم ... بَل شَمسِهم ذاتِ السَّنَاءِ والسَّنَا
مُحَمَّدُ سَليلُ يَحيى بنِ أَبي ... مُحَمّدٍ نَجلِ أَبي حَفصِ الرِّضا
مُستَنصِرٌ بِاللَهِ مَنصُورٌ بِهِ ... مُــــــؤَيَّدٌ بِــــــعَــــــونِهِ عَـــــلى العِـــــدَى
مُــــلكٌ سُــــليــــمــــانِــــيَّةٌ بَسطَتُهُ ... ما فَوقَهُ لِمُعتلٍ مِن مُعتَلى
جَرَى من العَليا إِلى أَقصى مدىً ... ما بَعدهُ لِمُختَطٍ مِن مُختَطَى
ممتطياً أسنمة العزم التي ... ما فوقها لممتط من مُمتطى
صُــــبحٌ بَدا بَدرٌ هَدى طَودٌ عَلا ... بَحرٌ حَلا غَيثٌ هَمَى لَيثٌ سَطا
نَجمٌ سَرى سَيفٌ فَرى رُكنٌ سَما ... حِصنٌ حَمى رَوضٌ ذكا غُصنٌ زَكا
فــــرعٌ كــــريــــمٌ مِــــن أًصُــــولٍ كَرُمَت ... قَدِ اصطفاهُ مِنهُمُ مَنِ اصطَفَى
بَــــــدرٌ جَــــــلا بِهِ الإِلَهُ مـــــا دَجـــــا ... وَجَــــبــــلٌ أَرســــى بِهِ مــــا قَــــد دَحــــا
إِن أَمَرَ الدَهرَ بِنَفعٍ يَأتَمِر ... وإِن نَهَى الدَّهرَ عَنِ الضُّرِّ انتَهَى
يُعطي وَيُمطى والزَمانُ يَقتَفى ... آثارَهُ مُمتثلاً فيما أَتى
كــــم خــــصَّ أَربابَ النُّهَى إِفهامُهُ ... بأنعُمٍ دَعا إليها النقَرَى
وَعَـــــمَّ أربـــــابَ اللُّهـــــى إنـــــعــــامُهُ ... بأنعُمٍ دعا إليها الجَفَلى
فاعمُم بأَوصافِ العُلا كَمَالَهُ ... واســــتَــــثــــنِ في وَصفِ سِوَاهُ سِوُى
لا تُجرِ نَعتَ مَن عداهُ مُطلقاً ... في المَجدِ بل مُقَيداً بما عدا
فمَن يُقرِّظ من عَدَاهُ فَليَكُن ... مُستَنثيناً بما عَدا وَمَا خَلا
قَــــد يَــــمَّمــــَ الخَــــيــــرَ وَأَمَّ سُبلَهُ ... واقتَصَّ آثارَ الرَّشادِ واقتَفى
مُــــلكٌ حَكَى مُلك سليمانَ الَّذي ... لم يَتجه لغيرهِ ولا انبغى
حـــــضـــــرَتـــــهُ أُمُّ البـــــلادِ كُــــلِّهــــا ... وقُطبُ ما مِنها دَنا وما قَصَا
إِن ذُكِرَت مُدنُ الدني فهي التي ... يختتمُ الفَخرُ بها وَيُبتَدا
كــــجــــنــــةِ الخُــــلدِ تــــسُرُّ من رأى ... فـــــيـــــزدرى الخُــــلدَ وســــر مــــن رأَى
حُسنُ البِلادِ كلها مجتمعٌ ... لها وكلُّ الصيدِ في جوفِ الفَرَا
حَــــلَّ بها أبهى البُدُورِ هالَةً ... أوفَت على كُلِّ البِلادِ من عَلا
أَشرَقَتِ الدّثنيا بِها إذ أَشرفَت ... مِنها على مُزدرعٍ ومستمى
ما رأسُ غُمدان إذا قِيسَ بها ... إِشـــــراقَ أَنـــــوارٍ وإشـــــرافَ بُـــــنــــى
وَدَّت مِياهُ الأَرضِ أن تحظى بما ... قَد حَظى الماءُ الذي فيها جرى
أَروَت أميرَ المؤمنين سُحُبٌ ... من جُودِكم رَوضَ الأَماني فارتَوى
كَم فِضَّةٍ جامِدَةٍ أَنفَقتَ كي ... تُــــجــــرى ذَوبَ فِــــضَّةٍ وَسطَ الفَضا
حَتّى تَراهُ مُغنياً من قَد حبى ... من اللجينِ مُغنياً من قد جبا
حَـــــلَّ البَـــــرايـــــا مـــــن ذراكَ جَــــنَّةً ... بكَوثَرِ الإِحسانِ فيها يُرتَوى
أَجريتَ مِن عَينٍ وَمِن عَينٍ بِها ... نَهرَينِ قد عَما البَرايا والبَرى
وَكَــــوثَــــرى مالٍ وَماءِ فِيهما ... لِلخَــــــــلقِ والأَرضِ ثَــــــــراءٌ وَثَــــــــرى
وَطَـــــــودَ زَغـــــــوانَ دَعَـــــــوتَ مـــــــاءَهُ ... فَــــلَم يَــــزغ عــــن طــــاعَةٍ ولا وَنى
بل قد أرى نَقيضَ تَقطيعِ اسمه ... في جَوبِهِ الأَرضَ مُجيباً مَن دَعا
وَأَذعَـــــــــنَ الطَّودُ لِطَـــــــــودٍ بــــــــاذِخٍ ... اَشَــــمَّ يُــــســــتَــــذرى بِهِ ويُحتَمى
وَكَـــــــفَّرَت طـــــــاعَـــــــتُهُ لِمُـــــــؤمِــــــنٍ ... طــــاعَتَهُ لِكَافِرٍ فِيما مَضى
وَعَـــــادَ فـــــي عَــــصــــرِكُــــمُ كَــــعَهــــدِهِ ... في عَصرِ مَن شادَ الحَنايا وَحَنا
وَسُــــقتَ في مِلاوَةٍ ما ساقَ في ... دَهــــرٍ طَــــوِيــــلٍ كُــــلُّ جَبّارٍ عَتَا
يا عَجَباً لِطَىِّ هذا الدَّهرِ ما ... يَــــنــــشُرُهُ وَنشرِهِ ما قَد طَوى
كَــــأَنَّمــــا الدهــــرُ اســــتَدارَ فأَرى ... من جَري ذاكَ الماءِ ما كانَ أرى
قــــد كانَ كالنائِمِ حَتَّى نَبَّهَت ... عَينُ المَعالي عَينَهُ من الكَرَى
واجــــتَــــلَبَتهُ هِمَّةٌ مُغنيةٌ ... عَنِ العَناءِ من سَناً وَمِن دَلا
إذا عــــلا قــــســــيــــبــــهُ عَــــوَّذَ مــــا ... جُنَّ مِن النبتِ الجميمِ وَرَقى
ونَـــــفَـــــثَ الفِـــــضَّةـــــَ ذَوبــــاً وغَــــدا ... يَخُطُّ ما كانَ الزَّمَانُ قد مَحَا
مِن صُوَرِ للِحُسنِ يُنسى ذِكرُها ... ما كانَ في عَهدِ الأَفاريقِ الأُولى
كَــــأن بِهِ قــــد ســــاحَ وَســــط تُــــونُــــسٍ ... وَصــــاحَ بــــالنَّاــــسِ رِدُوا مــــاءَ النَّدى
وزارَ أرضــــــاً طــــــالمـــــا زُرَّت عَـــــلى ... لبَّاــــتِهــــا أَطــــواقُهُ فيما خَلا
وَرَوَّضَ الأَرضَ التـــــــــــــي رَوَّضَهـــــــــــــا ... وجادَ بالسُّقيا عَلَيها وَجدا
وَخَرَّ فيها ساجِداً مُسَبِّحاً لِلّهِ ... فَــــــوقَ سُــــــبَــــــحٍ مِــــــن الحَــــــصــــــى
وانسابَ في قَصرِ أبي فِهرِ الَّذي ... بِكُلِّ قَصرٍ في الجَمَالِ قَد زَرَا
قَصرٌ ترا آي بين بحرٍ سَلسَلٍ ... وَسَجسَجٍ مِنَ الظِّلالِ قَد ضَفا
بُــــحَــــيــــرَةٌ أعــــلى الإِلَهُ قَــــدرُهــــا ... قَــــد عَــــذُبَ الماءُ بِها وَقَد رَها
وَمُفعَمُ الأَرجاءِ كَم من ناظِرٍ ... ســــافَرَ فيهِ مِن رَجاً إلي رَجا
كــــأَنَّهــــُ مَــــلكٌ جَــــبــــى نَــــســــيــــمُه ... مِن زَهر الرَوضِ لَهُ ما قَد جَبَى
قد أحسَنَت مُلدُ الغُصونِ قَتوَهُ ... فعالَها وَقاتَ مِنها ما قَتا
أَدَّى إِليـــــهِ كُـــــلُّ غُـــــصـــــنٍ نــــاعِــــمٍ ... إِتـــــاوَةَ الزَّهـــــرِ النَّضــــِيــــرِ وَأَتَــــا
ثُمَّ أَتى من كثرةِ التأثيرِ في ... صفحتِهِ الغُصنُ المَرُوحُ ما أتى
فــــقَــــيَّد الغُــــصــــن بِــــقَــــيدِ فِضَّةِ ... قد دار حولَ الساقِ مِنهُ والتَوَى
سلاسِلٌ ما اعتَقَلَ الغُصنَ لها ... عَنِ المراح مَعقِلٌ ولا اعتقى
حــــدائقٌ للمــــاءِ فــــيها كوثَرق ... وكــــوثَــــرٌ للمــــالِ مُروٍ من عَفا
فِبها مِنَ الأَسحارِ خُضرُ قِطَعٍ ... وَقِطَعٌ ذاتُ ابيضَاضٍ من ضُحى
كــــأنَّهــــا يَتيمَةُ العائِمِ في ... ما يُستَرى مِن دُرِّهِ ويُعتَمَي
سرَّ الغُصُونَ رِيُّها حَتَّى انثَنَت ... وَسَــــرَّ مــــرآهــــا الحــــمَــــامَ فَشَدا
لم يَفتَقِد صادٍ بها وصادحٌ ... إِرواءَ إِحــــــســــــانٍ ولا حُـــــســـــن رُوا
مُــــرتاحَةٌ رياضُها مُمتاحَةٌ ... حياضُها من خيرِ كَفٍّ تُجتَدى
لما رأى إفضالها أفضى لها ... بِـــــمـــــا بِهِ وَصَّى السَّمـــــَاحُ وَحَـــــفَــــا
سَحَّتـــ على الأُمَّالِ مِنها سُحُبٌ ... تَفَرَّعَت مِن خَيرِ بَحرٍ يُعتَفى
لا يُمتَرى في صِدق بُشرى بِشرِه ... بِــــكُــــلِّ دَرٍّ مِــــن نَــــدَاهُ مُــــمــــتَــــرى
طَــــودٌ رَسَــــت عــــلى الدُّنــــى أركــــانُهُ ... قَــــد رَكَــــنَ الدِّينُ إلَيهِ وانضَوَى
يَمتَنِع الجَيشُ بهِ ويحتمي ... إذا امرؤٌ بالجيش والجُندِ احتمَى
مــــا واجهَت وجه الغَدُوِّ سُمرُهُ ... إلا قَفا حُسامُهُ مِنهُ القَفا
كم قد هدى هوادي الخيلِ إلي ... من ضلَّ عن سُبلِ الرشادِ وَغَوي
مِن كُلِّ سامي الطَّرفِ ما في لحظِهَ ... مـــــن خـــــذإ ولا بــــأذنــــيــــهِ خَــــذا
طَـــــويـــــلِ ذَيــــلٍ وســــبــــيــــبٍ وطُــــلى ... قــــصــــيــــرِ ظَهرِ وعسيبٍ ونَسا
كــــأنَّ مــــا أشرَقَ مِن تحجيلِهِ ... سِوَارُ عاجٍ مُستَديرٌ بالعُجا
يَلقى الصَّفا الصُّمَّ بِوَقعِ سُنبكٍ ... لا يشتكي مِن وَقعٍ ولا حَفا
تَراهُ في الهَيجاءِ مَخصُوبَ فَمٍ ... مِــــن لَوكــــهِ للجم مخضُوبَ الشَّوَى
كأنما أُقضِمَ ما أُوطئَ مشن ... حَبِّ القُلُوبِ أو رَعى حَبَّ الفَنَا
تُوحى إلى من يمتطيهِ أُذنُهُ ... بِكُلِّ ما يَسمَعُ مِن أَخفى الوَحَى
يَــــكــــادُ لا يُــــبــــصِــــرُهُ ذُو مُقلَةٍ ... مِــــــن خِــــــفَّةــــــٍ وَسُـــــرعَـــــةٍ إذا دَأى
في جَحفَلٍ جحفَلةُ التالي بِهِ ... قَد زَحَمَت مِن مُؤخَرِ الهَادي الصَّلا
يَرتَدُّ طَرفُ الشَّمسِ عَنهُ حاسِراً ... وَتَرجِعُ الأَرواحُ عَنهُ القَهقَرَى
تَــــلَوَّنَــــت أرهــــاجُهُ فَــــوقَ الظُــــبَــــي ... حَــــتَّى تَبدَّى ذا اشهبابٍ وَجَأى
جَــــيشٌ جُيُوشُ الرُّعبِ مِن قُدَّامِهِ ... تَسري وتغزو قَبلَهُ مَن قَد غَزا
تَرَاهُ كالبَحرِ المُحَيطِ كُلَّما ... زَعــــــزَعَهُ عَـــــصـــــفُ الرِّيـــــاحِ وَزَفـــــى
أَلقَــــت تَــــوالي خَــــيــــلِهِ أعرافَها ... مِن فَوقِ أَصلاءِ الهَوادي والعُكى
تَصاخَبُ الخُرصَانُ حِينَ تَلتَقي ... مِنهُ عَلى جَماجِمٍ مِثلِ العُلا
مَعرُوفَةٌ أَعراقُها ما عَرَفَت ... أَعرافُها ولا نَواصِيها سَفا
مُــــعــــتَــــزَّةٌ نُــــفُــــوسُهــــا مُهــــتَــــزَّةٌ ... أَعطافُها إلى الصريخِ إن دَعا
ذَوَائِبُ الرايــــاتِ تَهــــفُــــو فَــــوقَهــــا ... مُــــــظَــــــلِّلاتٍ كُـــــلَّ ظَهـــــرٍ وَمَـــــطـــــا
قَد خَالفَت فِعلَ العُقابِ في القَطا ... كُلُّ عُقابٍ سالَمَت فِيهِ القَطَا
يَرمي بها من كُلِّ ثَغرٍ ثُغرَةً ... كُلُّ امرئٍ ما زالَ يُصمِي ما رَمَى
مِن كُلِّ مَن يَسرُو الهُمُومَ كُلَّما ... تَسَربَلَ اللَّيلَ البَهيم واستَرَى
أَسروا وَمَا حَبَوا كَرىً جَفناً إلى ... أَن صَبَّحُوا الأَعداءَ بِالحَبو كَرى
يَحكي القَنَا في أَنفِ كُلِّ مِنسَرٍ ... مِن فُتخِهِ مَناسِراً ذاتَ شَغَا
يَــــحمِلنَ كُلَّ حامِلٍ إِلى العِدا ... وَشــــكَ الرَد إذا وَعــــى صَــــوتَ الوَعَــــى
يُــــوجَــــرُ أَنــــف القِرنِ كُلَّ ثَعلَبٍ ... كَــــــثَـــــعـــــلَبٍ إلى وَجـــــارٍ قَـــــد أَوى
كـــــأنَّهـــــُ إذا يَـــــصِـــــرُّ مُــــكــــرَهــــاً ... على اقتحام الكلم دِرصٌ قد ضأَى
فَكَم طُلىً مِنهُم بِهِنديٍّ فَرَى ... وَكَم حَشى مِنهُم بِخطِّيٍّ حَشَا
كَـــــــأَنَّمـــــــا أرمــــــاحُهُ أرشِــــــيَــــــةٌ ... بِها النُّفُوسُ الفائِضاتُ تُستَقى
مَـــــلكٌ إذا عُـــــدَّ المُــــلُوكُ فــــاســــمُهُ ... مُعتَمَدٌ تَقدِيمُهُ بادى بَدا
قَد قَسَمَ الأَيَّامَ بَينَ أَنعُمٍ ... لِمَـــــن عَـــــفــــا وَأَبــــؤُسٍ لِمَــــن عَــــدا
كَم مُعتَفى سَلِمٍ وَهيجاءَ إلى ... نــــارِ قِــــرَاهُ وَظُــــبَــــاهُ قَــــد عَشَا
سَمَا إليها حينَ أَعشاهُ الطَّوَى ... فَأذهبَت أَنوارُها عَنهُ العَشا
يَغذُو العَوافي بِعِدَاهُ في الوَغَى ... ضَـــــربٌ وَطَـــــعــــنٌ كَــــفَــــمِ الزِّقِّ غَــــذا
وَكَم غَذا مشن مُعتَفِي عَوارِفٍ ... وَمُــــعتَفى مَعارِفٍ بِما غَذا
لَيــــثُ كِــــفــــاحٍ رائِعٌ مَــــن اعــــتــــدى ... غَيثُ سَماحٍ مُمطِرٌ مَنِ اعتَفَى
مُـــــقَـــــدَّمٌ قَـــــبـــــلَ السُــــؤالِ جُــــودُهُ ... فَمَا يَقُولُ مَن يُرَجيِّهِ مَتى
جَــــرى إلى نــــهايةِ الجُودِ الَّتي ... ما بَعدَها وُجُودُ مَعنىً لإلى
لو لم يُـــــوصِّلـــــ أهــــلَهُ الدهــــرُ إلى ... آلائهِ لم يَــــــــــــصِــــــــــــلُوا إلى إلى
طــــابَــــت بِه الأَيَّاــــمُ لي حَتَّى لَقَد ... ذَكَرتُ فيما قَد خلا عَيشاً حلا
فيا خليليَّ اسقياني أكؤُساً ... تُسكِرُ مِن خَمرِ الصِّبَا مَن قَد صَحا
بـــــلَغـــــتُ آرابَ المُــــنــــى فــــي دَولةٍ ... أَولت يَدِي أسنى الأيادي وَاللُّها
فَــــخليا فكرى يقضى أرباً ... من ذكرِ ما قد انقضَى وما خَلا
إِنَّ الزَّمــــانَ النــــاضِرَ الطلقَ الذي ... كَم قَرَّ فِيهِ ناظري بما رأى
أملأَ سمعي ويدي من كُلِّ ما ... تَهوَاهُ نَفسي مِن غِناءٍ وَغِنَى
في بُقعَةٍ كجنَّةِ الخُلدِ التي ... يَرَى بِها كُلُّ فُؤادٍ ما اشتهى
تَجرى بها الأَنهارُ مِن ماءٍ وَمِن ... خَــــمرٍ وَمِن رِسلٍ وَأرى قد صفا
أُقَــــسِّمــــُ الأَيَّاــــمَ بَــــينَ مَنظرٍ ... وَمَسمَعٍ يَسبي العُقُولَ والنُّهى
ومــــنــــعَــــمٍ بــــمــــطــــعَــــمٍ ومَشرَبٍ ... يُرضى العُيُونَ والأُنُوفُ واللَّها
ومَــــــركَــــــبٍ لمــــــأنَــــــسٍ وَمَـــــجـــــلسٍ ... في مَدرَسٍ وَمحضَرٍ في مُنتَدى
وَمُــــــلثــــــمٍ لمَــــــرشَــــــفٍ وَمَهـــــصَـــــرٍ ... لِمعطَفٍ مِن أَهيَفٍ طاوى الحَشا
فــــالدهــــرُ عِــــيــــدٌ والليالي عُرسٌ ... والدهــــرُ أحــــلامٌ كــــأحلامِ الكَرَى
قد أغتدى والشُهبُ تَجري خَلفَها ... شُهبٌ من الصُبح سَريعاتُ الخُطا
والفـــــجـــــرُ قـــــد لاحَ مُـــــحَـــــيَّاـــــهُ ... وقد قد أديمُ الليل عَنهُ وانفرَى
كَــــأَنَّ ضَــــوءَ الصُــــبــــحِ شُهــــبُ غَــــارَةٍ ... تَــــقَــــاذَفَ الحُــــضرُ بِهِنَّ وارتَمى
أوجَسَتِ العَقرَبِ مِنها نَبأَةً ... فَــــأمَّتــــِ الغَربَ وَجَدَّت في النَّجَا
وَرَكَــــنَ الغَــــفــــرُ إلى الشُّهبِ الَّتي ... أَجفلنَ جمَّاءَ غَفِيراً وانضَوى
وأَصــــبَــــحَ السِّمــــاكُ يُــــزجــــى عَــــرشَهُ ... أَمــــامَهُ مَــــخــــافَــــةً أَن يُــــحــــتَــــوَى
وَمَــــــــدَّ لليــــــــثِ أَخُــــــــوهُ رُمــــــــحَهُ ... وَقَــــرَّبَ العَــــوَّاءَ مِــــنــــهُ واشــــتَــــلى
وَقَــــد عَــــدَاهُ الليــــث عَــــن نَثرَتِهِ ... وَحَــــــــــدَّقَ الطَـــــــــرفَ إلَيـــــــــهِ وَدَأى
وَفَـــــــرَّتِ الجَـــــــوزاءُ مِــــــن أَمــــــامِهِ ... وَقَـــــدَّمَ الحـــــادِي الثُـــــرَيـــــا ومَــــى
وَقَــــد أرادَ الحَــــملُ الحملَ على ... جُـــــوتٍ عـــــن الدَلوِ عَـــــداهُ وَثَـــــنــــى
وَقــــد رأى اخــــبــــيــــةً مــــضــــرُوبَــــةً ... للسَعدِ مِن غَيرِ عِمادٍ تُبتَنى
وَظَلَّ يَرعى ماتِحاً من دُونها ... قــــد نــــاطَ بــــالفَرغِ الرِشاءَ ودَلا
وَقد تَوَقَّى ذابحاً من خَلفها ... أو ترَ قَوساً للنعامِ وارتمى
فــــتــــنــــتضى صوارِمَ العَزم إذا ... ما جَرَّدَ الصُبحُ ظُبَاهُ وانتَضى
ونــــنــــبَــــرى لنــــجــــعــــةِ الرَوضِ إذا ... ما هَبَّ مَطلُولُ النسيمِ وانبرَى
وتنسرى الأشجانُ عَن قُلُوبِنا ... إذا الظَلامُ عَن سَنا الصُبحِ انسَرَى
نَسأَلُ أيدي خَيلِنا وَشكَ القِرَى ... فَتَجعَلُ الجَوابَ تَعجيلَ الجدا
إذا بنا هَبَطنَ بَطنَ أبطحٍ ... أجَــــزن حَزناً مِن رَوَابٍ تُرتَبى
فَلَم تَدع مكان صَيدٍ لم تَطأ ... مَـــــرابِـــــضَ الوَحـــــشِ بِهِ وَلا مَـــــكــــا
نَستَنزِلُ الأَوعَالَ مِن أَوعارِها ... شَفعاً وَوَتِراً مِن زَكاً وَمِن خَسَا
وَنستَثيرُ الصَيدَ مِن خَمائِلٍ ... قَد أَخملت دارِينَ في طِيبِ الشَّذا
كــــأنــــمــــا أَرواحُهــــا إذا ارتَمَت ... بِزَهرِها مُرتَمياتٌ بِالجُذا
جَـــــوٌّ خَـــــلا لِكُــــلِّ سَــــربٍ قَــــد خــــلا ... فيه إلى رعي الجميم والخلى
قــــد أضــــحــــكــــت نواره باكيةٌ ... قد ضحك البرقُ بها حتى زجا
وقــــد سأت جيوبه الريح وقد ... خيط بخيط القطر منه ما أنسأى
يُهدى إذا ابيضَّتـــ ذُراه بالندى ... إلى المندى فيه مبيض الندى
وقد نُقَفِّى الطير أقنى أزرقاً ... يَـــــضـــــربُ دَفَّيــــهِ بِــــضَــــافٍ ذي دَفــــا
تَهفُو وتصطكُّ قُلُوبُ الطيرِ إِن ... صَــــكَّ الهَــــواءَ بِــــجَــــنــــاحٍ وهَــــفَــــا
وكَــــم أثــــرنا وأسرنا قَنصاً ... بما سَما مسمَعُهُ وما خَذَا
وَكَــــم بَــــعَــــثــــنــــا رائداً وَصــــائِداً ... فَلَم يَخِب كَوكَبُنا ولا خَوَى
مِن كُلِّ مُستامٍ بِأَحلى نَومِهِ ... طِيبَ الحَياةِ رَابحٍ فيما اشتَرَى
ومُستَمٍ إِلى القَنيصِ مُصحرٍ ... أَمامَ مَن أَصحَرَ مِنَّاـــ واستمَّى
يـــــقـــــدُمُـــــنـــــا وتــــارةً نَــــقــــدُمُهُ ... فَيقتفي طَوراً وَطَوراً يُقتَفى
مُـــــشـــــرِّقـــــاً وَتـــــارَةً مُـــــغـــــرِّبــــاً ... مُغَرِّبَ الشَّأو بَعِيدَ المُرتَمى
مُـــــوَجِّهـــــاً شَــــطــــرَ الشَّطــــورِ وَجــــهَهُ ... إِذا عَـــــــنِ الزَّاويـــــــةِ الوَجــــــه زَوَى
كَم قد أَثارَ إذ سَرى مِن رَبرَبٍ ... بِــــشَــــطِّ مــــاءٍ زَغــــرَبٍ غَــــيــــرِ صَــــرى
فاقتَفَرَ الصَيدَ بِكُلِّ لاحِقٍ ... لَمَّاـــ اقتفاهُ لاحِقٌ نَهدُ القَرا
كم عَفَّرَ اليعفورَ بالبيدِ وَكَم ... أَســـــرَعَ فـــــي صَــــرعِ اللأَى ومــــا لأى
ولم يُغادِر أَعصماً مُعتَصِماً ... بِــــذُرِوَةٍ ولا عَــــفَــــا عَــــنِ العَــــفَــــا
أَضحى الرَبئُ واثِقاً بِسَبقِهِ ... فَــــلَم يُــــضــــائِل شَخصَهُ ولا كَمَى
وَصــــاحَ مِــــن بُعدٍ بما أَبصَرَهُ ... فَــــلَم يُــــخــــافِت صَوتَهُ ولا مَكا
أَجــــرى وأَجــــرى صَــــحبُهُ جِيَادَهُم ... فَـــــبَـــــذَّهُـــــم للهـــــادِيـــــاتِ وَهَـــــدَى
فَـــــكُـــــلُّ مـــــا أدرَكَهُ مِـــــن قَـــــنَـــــصٍ ... وأَدرَكُـــــوا دَفَـــــوا عَـــــلَيـــــهِ وَدَفــــا
شُهبُ سُرىً ما فِيهِمُ مَن يَبتَغى ... في قِرَّةٍ دِفئاً ولا يَشكُو دَفَا
قَــــد وَكَّلــــُوا عُيُونَهُم بأعينٍ ... يُكمَنُ لِلصيّدِ بِها وَيُكتَمَى
وأَحــــــدَقَــــــت بِهِــــــم رُمــــــاةُ حَــــــدَقٍ ... قَدِ استَحَقُّوا مَا لِعَمرٍ ويُدَّعى
قَــــد لَزِمُــــوا أَكــــنــــانَهُم وَمَلَئُوا ... كَنائِناً مِنَ المَرِيشِ المُمتَهَى
وانسَرَحُوا مِنَ الدُجى وانسَرَبُوا ... فــــي قُــــتَــــرٍ مُــــرصَــــدَةٍ وَفِــــي دُجــــى
وَأَقصَدُوا الأَسحارَ في أَسحارِهِم ... مِــــمَّاــــ رَأَوا بِــــكُــــلِّ سَهمٍ قَد رَأَى
رَاشُوا لإِصماءِ الكُلى أَسهُمَهُم ... بِـــــــقـــــــادِمــــــاتٍ وَخَــــــوافٍ وَكُــــــلَى
فَــــلَم نَزَل نُنَزِّهُ الأَبصارَ في ... فَرَاقدٍ بالبارِقاتِ تُقتَفى
وَنجتَلِيها وَهي تَعدُو الجَمَزى ... كَما اجتلاها حُندُجٌ بِجَمزَى
فَبعضها قد طاح في حبالةٍ ... وَبَعضُها مِن رَأس نِيقٍ قَد ردى
وَبَـــــعـــــضُهـــــا سَهـــــمٌ لِضُـــــمـــــرٍ سُهَّمٍ ... وَبَعضُها أَصماهُ سَهمٌ ما نَمى
حَــــتَّى إذا مــــا امــــتَــــلأَت حَقائِبٌ ... مِنَ الوُحُوشِ وَخَلا مِنها المَلا
مِـــــلنـــــا إلى مَـــــوليَّةـــــٍ مَــــوشِــــيَّةٍ ... قَد حَدِبَ الغَيثُ عَلَيها وَحَنا
والآسُ والريــــحــــانُ قــــد صُــــفَّ وَقــــد ... ألقــــى عــــليــــهِ كلُّ طاهٍ ماطَهَا
وَلَفَّ كُـــــــلُّ خـــــــابِــــــزٍ مَــــــمــــــلوكَهُ ... فـــــي سَـــــعَــــفِ الدَّومِ وأَصــــلاهُ لَظــــى
مِن بَعدِما أَحمى الصَّفيح تَحتَهُ ... ثُمَّ حَتَى مِن فَوقِهِ جَمرَ الغَضى
كَـــــأَنَّ مـــــا أجَـــــنَّ مِـــــنـــــهُ وَجَـــــلا ... قُرصَهُ شَمسٍ حِينَ أَخفى وَخَفا
وَالسَّعــــدُ قَــــد أَلقى إلى أخبِيَةٍ ... ما كَشَطَ الذَّابِحُ مِنهُ وَنَجا
وَقَــــد أَجــــادَ كُــــلُّ طَاهٍ طَبخ ما ... قَد صَفّضهُ حِذاءَنا مِنَ الحِذَى
نُتحَفُ مِن كُلِّ قَنيصٍ يُشتَوَى ... بــــكُلِّ رَشرَاشٍ نَضِيجٍ يُشتَهى
يَفُوحُ من طِيبِ المَرَاعي لَحمُهُ ... أَكثَرَ مِمَّاــ فاحَ مِن طِيبِ الفَحا
والأَرى يُدنى والثِّمَارُ تُجتنى ... والرِّسلُ يُمرى والقنيصُ يُشتَوَى
وقد صَفا العَيشُ لنا بِمَنزِلٍ ... قَد سالَ صَفو مائِهِ من الصَّفا
فانعَقَّ فيه ثَعلَبٌ عَن أَرقَمٍ ... وانشَقَّ صَلدُ الصَّخرِ عَنهُ وانفَأَى
لِلّهِ مــــا صُــــيَّاــــبَــــةٌ خُــــضــــتُ بِهِــــم ... عَصرَ الصِّبا بَحرَ نَعيمٍ قَد رَهَا
مِـــــن كُـــــلِّ بَــــحــــرٍ لِلعُــــلومِ زاخِــــرٍ ... وَكُــــــلِّ طَـــــودٍ لِلحُـــــلُومِ قَـــــد رَسَـــــا
كَم أَوقَدَ الكِبَاءَ لِلسَّارى وَكَم ... صَبَّ القُدُورَ في الجِفَانِ وَكَبَا
وَكَــــم لَهُ مِــــن قُــــبَــــبٍ مَــــعــــرُوفَــــةٍ ... فــــي قُــــنَنٍ مَرفوعَةٍ وَفِي صُوَى
قَــــــد أَشــــــرَقَــــــت بِـــــأَوجُهٍ وأنـــــؤُرٍ ... مُعشِيَةِ النُّورِ مُنيراتِ العُشَى
عــــاطَيتُهُم مِنَ السُّرُورِ أَكؤُساً ... يُغنَى عَنِ الكَأسِ بِهَا وَيُكتَفَى
مِن كُلِّ مَن تُلفِيهِ نَشوَانَ إذا ... يَصحُو وَيُلفَى صَاحياً إذا انتشَى
لنا انتقالٌ كانتِقَالِ الشُّهبِ في آفاقِها ... مِــــــن مُــــــنــــــتَـــــوىً لِمُـــــنـــــتَـــــوَى
فَنَستَجِدُّ مَرتَعاً فمَرتَعاً ... وَنَستجيدُ مُرتَعىً فَمُرتَعى
ما شِئت مِن مَشتىً بِشاطي لجُةٍ ... بَــــيــــنَ قِــــبــــابٍ وَقِــــصَــــابٍ وَبُنى
وَمِــــن مَــــصِيفٍ فَوقَ شاطي نَهَرٍ ... بَـــــيـــــنَ قُــــصُــــورِ وجُــــسُــــورٍ وَقَــــرَى
وَمَـــــربَـــــعٍ عَــــلى مِــــيــــاهِ مُــــزنــــةٍ ... بَـــــيـــــنَ مُـــــرُوجٍ وَبِـــــطـــــاحٍ وَرُبـــــى
وَخُــــــرفَــــــةٍ عَـــــلى مِـــــيـــــاهِ حَـــــمَّةٍ ... بَـــــيـــــنَ غُــــصُــــونِ وَحُــــصُــــونٍ وَقُــــرى
نَصِيفُ مِن مُرسِيَةٍ بِمَنزِلٍ ... ضَــــفــــا بِهِ الدَّوحُ على ماءٍ صَفَا
نَقطَع دُنيانا بِوَصلِ الأُنسِ في ... مُــــغــــتَــــبَــــقٍ في رَوضِهِ وَمُغتَدَى
وَتَتناجي بالمُنى أَنفُسنا ... حَيثُ تَداعى الطَيرُ مِنها وانتَجى
مُـــــســـــاقـــــطـــــيـــــنَ للقـــــيــــطِ دُرَرٍ ... مِن سَمَرٍ في قَمَرٍ قَد استوَى
مُــــلتَــــقــــطــــيــــنَ لِسَــــقــــيطِ زَهرٍ ... مِن شَجَرٍ في سَحَرٍ قَد اعتَلَى
يُهــــدى إليــــنــــا كُلُّ جانٍ مُرتَقٍ ... في الدَّوحِ أحلى ما اجتَنَى وَما اجتَبى
مِن بَينِ ما ابيَضَّ وما اسوَدَّ إلى ... ما اصفَرَّ واحمَرَّ احمراراً وَقَنا
كَم مِن مَعَانٍ في مَعاني نَهرِهَا ... قَــــد رَكَنَ الحُسنُ إلَيها وَرَكا
وَفي المَغاني الجَبَلِيَّاتِ الَّتي ... أَجَــــلُّهــــا أَيَّلــــُهــــا الحُــــسنُ ثَوَى
مَـــــجـــــمَـــــعُ كُـــــلِّ شــــادِنٍ وَنــــاشِــــدٍ ... عِندَ عُيُونِ العِينِ قَلباً مُستَبى
كَــــم حُــــشِــــرَ النَّاــــسُ عَــــلى صِــــرَاطِهِ ... في مَوقفٍ للأُنسِ مَشهُودِ سِوَى
وَنُــــعِّمــــَت أعــــيُنُ أَبناءِ الهَوَى ... وَعُــــذِّبَــــت أَفــــئِدَةٌ مِــــنــــهُــــم هَــــوا
مَواقِفٌ كَم قد حَمى الطَّرفَ بِها ... عَنِ الكَرَى وَسنانُ طَرفٍ فاحتمَى
يُختَطَفُ القَلبُ بِها إِن لم يَكُن ... خِلواً وَقَلبُ الخِلو فيها يُختَطى
فَــــتَــــتــــعــــدّضــــى أَنفُسٌ وأَنفُسٌ ... بِأَعينِ العِينِ عَلَيها يُعتَدَى
تَقَسَّمَ الناس بِها قِسمَينِ مِن ... بِــــيــــنِ خَــــلِيِّ قَــــلبُهُ وَمُــــصــــطَبى
إذا اجتَنَى زَهرَ الجَمَالِ وامِقٌ ... فِيها اجتَنَى خِلوٌ بِهَا زَهرَ الرُّبَى
وللربـــــيـــــعِ حَــــولَهُــــم مَــــجــــامِــــرٌ ... تَــــعَــــطَّرَ الجَــــوُّ بِهِــــنَّ واكــــتَــــبَــــى
حَتَّى إذا الشَّمسُ اختَفَت في غَربِها ... وَأَمسَت الزُّهرُ الدَراري تُختَفَى
تَعَوَّضُوا مِنَ العَبير عَنبَراً ... يَجِلُّ عَمَّاـــ يُشتَرى ويُستَرى
وقَطَعُوا الليل بأحلى سَمَرٍ ... يُجهَرُ فيهِ بالهَوَى وَيُنتَجَى
فَــــكــــم أغانٍ كَنظِيم الدُّرِّفي ... تِلكَ المَغَاني قَد وَشاها مَن وَشَى
وَكَم حديثٍ كَنثيرٍ الزهرِ في ... تلكَ المباني قد حَكاهُ مَن حَكَى
وَكَـــــم بَـــــدَت لي بِــــمُــــنــــيــــرٍ أوجُه ... مُنِيرَةٌ سَلَّينَ هَمِّيــ فانسَلَى
وكم بحصن الفَرَجِ السامي لَنَا ... مِن فُرَجٍ سَرَّين وَجدي فانسَرَى
وَكَم بِمُنتَقُودَ وَالمَرجِ لَنَا مِن ... نُـــــزَهٍ تَـــــنَـــــزَّهـــــت عَــــنِ الخَــــنَــــا
وكم قَصَرنا زَمَناً للسَّعدِ في ... قَصر ابنِ سَعدٍ بالسُّرُورِ وَالهَنَا
نَجُولُ في هالاتِ أَقمارٍ عَفَا ... مِن حُسنِها صَرفُ الزَّمانِ ما عَفَا
وَنَــــقــــصُــــرُ اللحظَ عَلى قَصرٍ بِهِ ... أَبقى الزَمَانُ عِبرَةً لِمَن بَقَا
كَالحِيرَةِ البَيضاءِ إِن ناسَبَها ... وَنــــاسَــــبــــتَهُ بَهــــجَةً فَبِالحَرى
وَكُديَةُ الرَشيدِ ما أَكدَى بِهَا ... مِن قَنَصِ الأُنسِ الشَريدِ مَن سَمَا
كَم قَد سَعِدنا إذ صَعِدنا حَولَها ... مِــــن سَــــرحَــــةٍ لِصَــــرحَةٍ وَمُستَوى
وَكَم إلى القَنطَرَةِ البَيضاءِ قَد ... مَشى بنا الأُنسُ رُوَيداً وَرَها
وكَــــم لَنــــا بــــالزَنَــــقَــــاتِ وَقفَةٌ ... حَيثُ استَدارَ النَهرُ مِنها وَانحنَى
وَقَــــد تَراءَى الجُرفَانِ مِثلَما ... دَنا خَليلٌ مِن خَليلٍ قَد صَفا
رَاما اعتِنَاقاً ثُمذَ لم يُمكِنهُما ... فَبَكيا نَهراً لإِخفاقِ المُنَى
نَهــــــرٌ تَــــــلاقــــــى الدَوحُ والرَوحُ بِهِ ... وَسَــــبــــحَ الزَهــــرُ عَــــلَيــــهِ وَطَــــفــــا
يُكسى لجينَ البَدرِ حينَ يَنتَضى ... مِن ذَهَبِ الآصَالِ ما كانَ اكتَسَى
يَسجدُ فيهِ البَدرُ لِلّهِ كَما ... خَرَّ الكَلِيمُ ساجِداً عِندَ طُوى
وَتَــــلتَــــقــــي الشُهــــبُ بِهِ تَــــمَثُّلا ... كَما التَقَى وَفَدُ الحَجيجِ بِمِنى
تُــــسَــــبِّحــــُ اللَهَ القُلُوبُ عِندَما ... تُــــبــــصِــــرُ مَــــرآهُ العُــــيُونُ وَتَرَى
تَـــــرَى الدَوالِيـــــبَ عَـــــلى جُـــــسُــــورِهِ ... دائِرَةً بَــــــيــــــنَ فُــــــرادى وَثُـــــنـــــى
كــــمــــا أدارَ الدارِعُــــونَ عِــــندَما ... رَامُوا الطرادَ دَرَقاً يَومَ الوَغَى
وَكَم نَسِينا جِسرَ وَضَّاحِ بِما ... أَوضَــــحَ لِلعَــــيــــنِ الجُسَيرُ وَجَلا
مَنازِلٌ لِلحُسنِ تُنسى جِلِّقاً ... وَنَهرُها السَّلسالُ يُنسى بَرَدى
يَكادُ يُعشى نُورُها مَنِ اجتَلى ... وَيُرعِفُ النَورُ بِها من اجتَنَى
وَيَقطُرُ المَشتى بِقُطرِ جَنَّةٍ ... مِن فَحص قُرطاجَنَّةٍ رَحِب الذَّرى
تَسرى الرِّياحُ في ذُراها فَتَرى ... أَزهــــارَهــــا عَلى الرَّياحِينِ ذَرَى
لا تــــعــــدم الآذانُ فــــي أَرجائِها ... طَيراً ضَغَا مِن فَوقِ سَرحٍ قَد ثَغَا
كَــــلا ولا يُــــعــــدَمُ فــــي كَــــلائِهــــا ... رَامٍ رَأى صَــــيــــداً وَثــــانٍ قــــد كــــلى
كَــــــأنَّهــــــُ والراسِــــــيــــــاتُ حَــــــولَهُ ... مُحدِقَةٌ بَيتٌ مُنيفٌ ذُو جَها
كَم ساقَ مِن غَربِيِّهِ مُقتَنِصٌ ... صَــــيــــداً وَمِــــن غَربِيِّهِ وَكَم دَأى
وَتَرتَمي الفُلكُ إلى الصَيدِ إذا ... ما أَزعجُوهُ للبِحارِ فارتَمى
وَتَــــتــــبارى السابحاتُ نَحوَهُ ... كالسابحاتِ حينَ تَعدُو المَرَطى
فَكَم سَرى لشاطئ البَحرِ بِنا ... عَــــزمٌ جَــــلا هَــــمَّ النُــــفُــــوسِ وَسَــــرا
وَكَـــــم أَزَرنـــــا كُــــلَّ جَــــونٍ جَــــونَــــةً ... تُحجى مِنَ الصيدِ إلى ما يجتحَى
يَخوَى حَشاها بَعدَ حَملٍ تارَةً ... وتارَةً تَحمِلُ مِن بَعدِ الخَوَى
يَــــحــــمِــــلُهــــا مَــــلاحُهــــا وَهــــيَ لَهُ ... حـــــامِـــــلَةٌ فَــــتَــــزدَبــــي وَتُــــزدَبــــى
مَتَى أَردنا القَصر يَقصُر خَطوُهَا ... وَإِن أَرَدنــــــا المَـــــدَّمَـــــدَّ وَمَـــــتـــــا
نَحا بِها نَحوَ الخَليجِ عَزمُنا ... وَوَخــــى أَرجــــاءِ المُــــرُوجِ قَــــد وَخَــــى
وَأَمَّ أَرجـــــــــاءَ الذِّراعِ بَـــــــــعــــــــدَهُ ... ُثُمَّ انتَحَى مِنَ السَواقِي ما انتحى
ويَمَّمَ البُرجَ الذي قد شِيدَ في ... مُصطفَقٍ مِن يَمِّهِ وَمُلتَقى
نَرقى إلى الجزيرةِ العُليا التي ... إلى فِراخِ الطَيرِ منها يُرتَقى
وَنُــــوشِــــكُ المَــــرَّ لأَشــــكُــــمــــرَيــــرَةٍ ... إذا أَرى النَــــــحــــــلُ جَـــــنـــــاهُ وَأَرى
وَنَــــرتَــــقي إلى اجتِناءِ ثَمَرٍ ... مِن شَجرٍ أَعجب بِهِ من مُجتَنَى
ونــــنــــثني إلى اجتلاءِ سَمَكٍ ... في شَبَكٍ أَعجِب بشهِ مِن مُجتَلى
كَــــأَنَّهــــا أَسِــــنَّةــــٌ قَــــد نَــــشِــــبَــــت ... في نَثرَةٍ زَغفٍ ثَنَاها مَن ثَنَي
يُــــسمَعُ لِلحُوتِ بِها تَخَشخُشٌ ... خَشخَشةَ الأَكمامِ في نَخلٍ خَشَا
يا شَدَّ ما استَخرَجَ كُلُّ صائدٍ ... بالشِّصِّ ما مِنها اختَفَى وما اختَفَى
حَتَّى إذا قالت لنا شَمسُ الضُّحى ... قِيلُوا فَقِلنا بَينَ عَينٍ وَجَبا
مَـــــــوَارِدٌ كَـــــــأَنَّهــــــا ذَوبُ المَهَــــــا ... عَــــلى حَــــصىً كَقِطَعٍ مِنَ المَهَا
يَلعَبُ فيها بالحجا طافي الحجى ... فَهوُ حَقيقٌ بالمَسَراتِ حَجَا
حَتَّى إذا ما ارتَدَّ عَنها عَزمُنَا ... للأَوبِ بَعدَ كُلِّ غُنمٍ وانثنى
طارَت بنا فَتخاءُ للوحِ انتَمَت ... وَلَيسَ في اللُّوحِ لَها مِن مُنتَمَى
لهــــا جَــــنــــاحٌ مِــــن شِــــراعٍ خافِقٍ ... تَطيرُ في الماءِ بِهِ لافى المَلا
صَبَت إلى امتطائِها أنفُسُنا ... إذ شَعَرت أنَّ النَسيمَ قَد صَبا
مَـــــدَّت للثـــــم المــــاءِ إذ لانَ لهــــا ... من المجاذيفِ لِساناً قَد جَسَا
مَـــــرَّت عـــــلى النِّفـــــاخِ والريـــــحُ بِهِ ... ما نَفَخَت والبَحرُ رَهوٌ ما جَفَا
وسامَتَت رابطَة الشعبِ وَقَد ... حدا بها حادي النسيمِ وَحَجا
وجاوَزَ الصهريجَ والجَونَ بِنا ... جَــــونُ الشِّراعِ ســــابــــحٌ جَونُ القَرَا
حاذى بنا قُبَيبةَ ابنِ طاهِرٍ ... يَفرِى أديمَ الماءِ فَرى مَن حَذا
وانصاع عن دارِ الأُسُودِ مثلما ... ينصاعُ سِربُ الوحشِ من أسد الشرى
وصــــفَّ قــــبــــليَّ المُصلى لم يَقف ... فــــــيــــــهِ ولا صــــــلَّى بِهِ ولا تَــــــلا
بــــل جــــاءَ سباقاً لكلِّ سابحٍ ... حَتَّى أَتى الرَملَةَ فيما قَد أَتى
يـــــلقـــــى عَـــــلَيـــــهِ فِــــلَقَ الدُّرِّ إذا ... شَــــقَّ أديــــمَ المــــاءَ شَــــقّــــاً وسَــــأى
ثُمَّ تنادَينا بِقَصد مَنزِلٍ ... جَــــمَــــعنا فِيهِ السُرُور وَنَدَى
وواجــــهَــــت أحــــداقُــــنــــا حدائِقاً ... قــــد أحــــدَقَــــت بِهــــا سَــــواقٍ وأَضــــا
وَغــــابَــــتِ الجَــــونَــــةُ حَتَّى لَم يَلُح ... لِلعَينِ مِن حاجِبِها إلا شَفى
وأَمــــسَــــتِ الأعيُنُ مِنَّاـــ قُبَّساً ... مِن قُبَّشٍ نُوراً عَلَيهِ يُهتَدى
وَرُفِــــعَــــت نــــارٌ لَنَــــا زَهــــرَاءُ قَــــد ... قادَ إليها المُعتَفى طِيبُ القَدَى
وَكُــــلُّ طَــــاهٍ مُــــشــــتَــــوٍ قــــال أَتــــى ... بماطَهَا وما اشتَوَى وما قَلَى
وَأُتـــــرِعَـــــت للشـــــارِبِـــــيــــنَ أَكــــؤُسٌ ... مِــــمَّاــــ حَلا مَطعَمُهُ وَمَا حَذَى
فاجتَمَعَ الأُنسُ بِجَمعِ فِتيَةٍ ... عَلى عَجُوزٍ وَسمُها وَسمُ الفَتَى
حَارَبَتِ الأَشجانَ عَنهُم وَعَتَت ... مِن طارِقِ الهمَّ على ما قَد عَتا
فلم تَدع هماً عتا حتّى لقَد ... كــــادَت تُــــشِبُّ كُلَّ هِمٍّ قَد عَتا
غَــــنِــــيــــتُ عَــــنــــهــــا بكُؤوسِ أدَب ... تُسقى فيستشفى بها ويشتفى
وآثرَت نفسي عليها شَربَةً ... مِن ضَربٍ يجُنى ورِسلٍ يُمتَرى
فَــــسِــــيــــقَ مــــشنهُ ذائِبٌ وَجامِدٌ ... وَسِــــيــــقَ مــــا لَم يَــــأدُ مِنهُ وأَدَى
فَـــــكَـــــم لَنـــــا مِـــــن غَــــدوَةٍ لِعُــــسَّلٍ ... رُضابُها أحلى رُضابٍ يُجتنَى
لم يَنفَرِق لَنا عَنِ الصُبحِ دُجى ... حَتّى فَرَقنا بَينَ صُبحٍ وَدُجى
جٍسمٌ مِنَ الأَنوَارِ قَد أَوهَمَنا ... أَنَّ مِنَ الأَنوارِ جِسماً يُغتَذَى
وَرَوحَـــــــــــةٍ إلى مُـــــــــــراحِ حُــــــــــفَّلٍ ... زَكَت بِرَعي كُلِّ نَبتٍ قد زَكضا
قَد عَلَّقَت مِن كُلِّ قُربٍ قِربَةً ... وَمِن كلا الحقوَينِ قَد أَدلَت دَلَى
وَكَم تَتعمتُ بِرَوضٍ تُجتَنى ... أَزهارُهُ مِن لَفظِ خِلٍّ يُجتَبَى
إِن طاوَل الأَقوامَ في شَأوِ النُّهى ... طالَهُمُ باعاً وإِن حاجى حَجَا
مَتَى تَقِس مُبَرِّزاً مِن غَيرِهِم ... بِهِم تَجِدهُ دُونَ مَن مِنهُم شَدَا
مِــــن كُــــلِّ خِــــرقٍ مُنصِفٍ مُتّصِفٍ ... بِالعَدلِ ما مارَى امرأً ولا مَرى
لَيــــسَ يُــــصِيبُ كاشِحٌ في عِرضِهِ ... وَقَـــــــولِهِ مِـــــــن لَخَـــــــنٍ وَلا لَخَـــــــا
صَانَ اللِّسانَ عَن سِوَى الحَقِّ فَلَم ... يَـــــفُه بَـــــقَــــولٍ بــــاطِــــلٍ ولا لَغَــــا
فــــمــــا هذي مفصَلُهُ ولا نبا ... مقصَلهُ عِندَ الضرابِ بل هذا
كم ضُربَت على الطريقِ قُبَبٌ لَهُ ... وَكــــــم نــــــادى الضُــــــيـــــوفَ وَنَـــــدا
نُسقى كُؤُوسَ الأُنسِ في حدائِقٍ ... بِأَكؤُسِ الأحداقِ فيها يُنتَشى
قَدِ ارتَدَى البَنَفسجُ النَضرُ بِها ... مِن زُرقَةِ الجَوِّ الصَريح ما ارتَدَى
وَمَــــلأَ السَــــوسَــــنُ بِالتِبرِ يَداً ... وَفَتَحَ الأَنمُلَ مِن فَرطِ السَّخَا
وَمَــــنــــحَ الوَردُ النــــســــيــــمَ عــــرفَهُ ... مَنحَ الجَوادِ عُرفَهَ مَنِ اجتَدَى
وَلَم يَـــــجُـــــد كَــــجُــــودِهِ شَــــقــــيــــقُهُ ... فَأَظهَرَ الخجلَةَ مِنهُ واستَحَى
وَأَظــــهَــــرَ الخيريُّ صِدقَ نِسبَةٍ ... لمَّاــ انتَمَى للخَيرِ فيها واعتَزَى
وَصَــــرَّحَ النــــمــــامُ عَــــمَّاــــ نَمَّ مِن ... أَسرارِهِ تَحتَ الدُّجى وما كنا
وَحَــــدَّقَ النَــــرجِــــسُ فِــــيــــهِ حَــــدَقــــاً ... فَرَاقَ مِنها الطَرفَ طَرفٌ قَد سَجَا
واليــــاسِمينُ مُؤيسٌ نَضيرُهُ ... مِن أَن يُرى نَظيرُهُ وَيُجتَلى
لاظـــــمـــــئ الرَوضُ الذي كـــــنـــــابــــهِ ... نَــــرُوضُ أَفــــراسَ الصِبا ولا ضَحا
سَــــقــــى المــــنــــارَ فــــدِيارَ دِيرَةٍ ... فالدَيرَ فالشطُورَ هَطَّالُ الحَيَا
ووالتِ السُــــحــــبُ بــــعَــــيــــنِ تَوبَةٍ ... بمثل عيني توبَةٍ طُولَ البُكضى
وســــاجَــــلَت أَدمُــــعَ عَــــيــــني عُروَةٍ ... بِــــكُلِّ مُنحَلِّ العَزَالي والعُرَى
واستَقبَلَ القِبلَةَ مِنهُ عارِضٌ ... مُــــعتَرِضٌ في جَوِّهِ واهى الكُلُى
فَـــــبَـــــلَد الرَيـــــحـــــانِ والرَوحِ الذي ... راحَ علَيهِ الحُسنُ وَقفاً وَغدا
إلى الرصيفِ المُعتَنَى بِرَصفِهِ ... فالهيكلِ الأَعلى القَديم المُبتَنى
ولا نَبا عن المَسيلِ مُسبلٌ ... كــــأنَّ خَــــفــــق بَــــرقِهِ عِــــرقٌ نــــبــــا
وجادَ رَأسَ العَينَ والمَرجَ حباً ... يَحبثو البلادَ ريَّها إذا حبا
مُنهَمِرٌ على الضِيَاعٍ مَنهُمٍ ... على الصفا المُحدقِ حولَ المُستَقى
فــــالشَــــرَفَ الأَعلى المُطِلَّ فَوقَهُ ... إلى مُصَبِّ الماءِ في وادي الحَصى
فَمَنبِتَ القَيصُومِ مِن بُطنانِهِ ... إلى ضواحي شَجَراتِ ابنِ الضحَى
فَسَرحَةَ البَطحاءِ فالغَرَسَ الَّذي ... بالرَملةِ العَفراءِ مِن سِقطِ اللِوى
فالجبَلَينِ المُشرفَينِ فَوقَهُ ... المُشرقينِ مِن سَناءٍ وَسَنا
وأَصبَحَت بالبَختَرَينِ بَعدَهُ ... تَمشي الغَوادي بختَرِيَّاتِ المِشي
وَذَنَّ فــــي ذُنــــيــــنَةٍ أنفُ الحَيا ... وَدَرَّ دُرَّ القَـــــطـــــرِ فِـــــيـــــهــــا وَذَرا
فالحافَةِ البَيضاءِ مِن شَخشُويةٍ ... ذاتِ الصياصي والشماريخِ العُلا
مَجمَعُ ما صادَ مِنَ الوَحشِ وما ... رادَ ومَرعى ما ثَغَا وما رَغَا
لا تَــــعدَمُ الطَيرُ ولا الوَحشُ بِهِ ... مــــاءً صَــــفــــا وَظِلَّ دَوحٍ قَد ضَفَا
فَتَسنَحُ الطَيرُ بِهِ لُمىً لُمىً ... وَتَــــســــرحُ الوَحــــشُ بِهِ ثُبىً ثُبَى
وَارتَقَتِ السُحبُ لِسُقيا ما ارتقى ... عَنها قَليلاً في الشَمالِ وَسَمَا
مُــــقــــبِــــلَةً مِــــن لُجِّ بَحرٍ أَخضَرٍ ... لِمِثلِ بَحرٍ أخضَرٍ مِنَ الكَلا
حَــــتَّى إذا عــــدا بــــشيرُ بَرقِها ... بُحَيرَةَ القَصرِ اشمَعَلَّ وَعَدا
مِــــن كُــــلِّ ضــــافــــي هَــــيــــدَبٍ كَــــأَنَّهُ ... مُجَللٌ أدهم يَمشي الهَيدبي
ضــــاحِــــكُ ثَــــغــــرٍ ما بِهِ جهامَةٌ ... يَبكي بِعَينٍ لَيس فيها من عَمَا
تَــــــجــــــذِبُهُ سَـــــلاسِـــــلٌ مِـــــن ذَهَـــــبٍ ... في راحتي ريح جَنُوبٍ أَو صبَا
شَــــــصَــــــت ذُرَاهُ وَدَنــــــا هَــــــيــــــدَبُهُ ... فاستَشرفَ الراعي إِليهِ وَشَصَا
فَـــــقَـــــلَّدَ القُـــــرتَ فَـــــمَــــرجَ راشِــــدٍ ... فالسهلَةَ التَلعاءَ أصنافَ الحُلى
فــــألبــــسَ الوادي مــــن غربيها ... فالدحلةَ الغَرّاءَ أنواع الكُسا
فلم يدَع شاجِنَةً تُفضى إلى ... شُــــجَــــنَّةــــٍ قُــــريــــانَهــــا إلا قــــرى
ومال صَوبُ المُزن بالسقي إلى ... ما مال في شقِّ الجنوبِ وصَغا
وبـــــاتَ بـــــالسِّلـــــســـــلَةِ البَــــرقُ لَهُ ... ســــلاسِــــلٌ بِهــــا الغَمامُ يُهتدى
ثـــــم تَـــــوَخَّى الأَخـــــوَيـــــنِ وَنَــــحــــا ... مِن سَقى أرجاءِ العُيُونِ ما نَحا
واشــــتَكَرَت على الشَّكُورِ مُزنَةٌ ... واتــــكــــأت عــــلى اعــــالي المُتَّكى
ودَخــــــــلَ الدخــــــــالَ كُـــــــلُّ خـــــــارِجٍ ... مِــــن بَــــحــــرِهِ كأنَّهُ رِجلُ الدّبى
فَقصرَ فَجِّ المجلسِ الأَعلى الَّذي ... أوهَــــتــــهُ أحداثُ الليالي فَوَهَى
وَساقَ للمستقى قِطارَ قَطرِهِ ... حــــادٍ مــــن المُــــزنِ المُــــرِنِّ وَسَقى
كـــــأنَّمـــــا تَـــــشـــــوِيــــرُهُ بِــــبَــــرقِهِ ... نــــارٌ بأطرافِ الشُوارِ تُصطَلى
وَنَفَخَت رِيحُ الصَبا في مِجمَرٍ ... مِنهُ على النَّفاحِ نَفّاحَ الشَذا
يَستنشقُ المِسكَ الذكي ناشِقٌ بهِ ... وَيَــــستَنشِى بِهِ طِيبَ النَشا
كـــــأن هـــــنــــديــــاً يــــشــــمَّ مِــــنــــهُ ... أو كان هندياً عليه يُنتضى
وأمـــــســـــتِ الحُـــــفـــــل مــــن ضُــــرُوعِهِ ... عــــلى الخــــليجِ والذِراعِ تُمترى
بِـــــراحَـــــةٍ مَـــــخـــــضُــــوبَــــةٍ للبَــــرقِ ... أو محجوبةٍ مِن ريحِهِ لَيسَتِ تُرى
حتى يُرى بالطَرفِ الغربي قد ... شَــــرَّدَ غِــــربــــانَ الدَياجي وَنَفَى
حــــتَّى إذا مــــا سَرَّحَ العِنانَ عَن ... سَــــرحَــــةِ وادي بُــــرتُــــجٍ سَدَّ الكُوَا
وَبَـــــرقَـــــعَ الجَـــــوَّ الذي أمـــــامَهــــا ... بِكُلِّ غَيمٍ مُلحِمٍ فيهِ السَّدى
وَمَرَّ بالمَمشى الغَمامُ زاحِفاً ... في جَوِّهِ زَحفَ الكَسِيرِ وَمَشى
بِجِبَهَةِ الشاةِ التي قد ناطَحَت ... غَــــــواربَ اللُّجِّ وَأَعــــــنـــــانَ السَّمـــــا
مَــــعاهِدٌ ما بَرِحَت مَعهُودَةً ... بالأُنسِ في مُغتَبَقٍ وَمُغتَدى
كَم مَحضَرٍ فيها وَمَبدىً مَن يَشأُ ... نَــــدَّى بِهِ السَّرحَ وَمَن شاءَ انتَدَى
وَمَـــــنـــــزِلٍ لِمُــــغــــزِلٍ مــــا بَــــرِحَــــت ... بِــــمُــــقلَتَيها تَدَّرى مَنِ ادَّرى
يُنيرُ ما بَينَ المَنارَينِ بِهَا ... قَصرٌ لَهُ قَصرُ سَعِيدٍ قَد عَنَا
وَتَــــكــــتَسي مِن وَجهِها إِنارَةً ... منازِلٌ بَينَ مُنِيرٍ والحِمَا
تَغشَى بِهَا مَغانِياً مَن يَرَهَا ... يَجعَل لَهَا مَغاني الشِّعبِ الفِدَى
تَجاوَرَت أَمواهُهَا فما اشتَكَى ... فِيها امرُؤٌ مِن ظَمَإٍ ولا اشتكى
لم تُقتَسَم فيها المياهُ بالحُسَى ... كَقَسمِها في مَأسَلٍ وَذي حُسَا
لَيسَت وَأيمُ اللَهِ مثلَ بُقعَةٍ ... يجاورُ الأَيمُ بها ضَبَّ الكُدا
فــــي كُــــلِّ وادٍ مــــا بِهِ مُــــســــتَمَعٌ ... وَمَــــطــــعَــــمٌ إلا كَــــشِــــيــــشٌ وكُشى
كَم مِن ظِباءٍ في الحَرير دُونَها ... تَشُبُّ بالهندي نِيرانَ القِرَى
وَمِن أُسُودٍ في الحَديدِ دُونها ... تَشُبُّ بالهنديِّ نيرانَ الوَغَى
مَــــن نــــاشِدٌ قلبي عِندَ شادِنٍ ... إذا انتَوَى حَلَّ وَإِن حَلَّ انتَوَى
تَنحَدِرُ العِيسُ إلى البَحرِ بِهِ ... وتــــارَةً تَــــســــمُو إلى وادي القُرَى
يُـــــمـــــارسُ الشَــــوقَ إلى مُــــرسِــــيَــــةٍ ... إذا تلاقى الظِلُّ فيها والجَنى
حَتَّى إذا ما بارِقُ الوَسمي مِن ... أَرجــــاءِ قُــــرطــــاجَــــنَّةــــٍ بَدَا بَدَا
وأصــــحَرَ الحادي بهِ في أَفيحٍ ... قد اكتسى من الرَبيعِ ما اكتَسى
كــــم صــــافَ فــــي دَوحٍ وفي روحٍ وَكَم ... بَينَ القُصُورِ والبُحُور قد شَتا
سقى الحيا هالات بدرٍ لم يخف ... مــــن انــــتقاصٍ منذ تمَّ ووفى
ولا يــــزل يــــنــــهــــل فــــي داراتــــه ... غـــــيـــــثٌ إذا مـــــا وســـــم الرَوض ولى
ســــقــــى الربــــيــــعَ كــــلُّ غــــادٍ رائحٍ ... إذا امتَرَت رَبيعهُ الرِيحُ هَمى
وبـــــاكـــــر الجــــنــــان حَــــنَّاــــنٌ إذا ... سَقى جَنين النَبتِ غنّى وشدا
وصــــبَّحــــ الصــــبــــاحَ غيثٌ قَطرُهُ ... حَــــرٍ بِسُقيا كُلِّ قُطرٍ وَحَرى
وانهمرَ الغَيثُ الركامُ بَعدَهُ ... على الرِياضِ والبَياضِ وانهَمَى
وَكَــــرَّ فــــي مَــــدرجِهِ مُــــنــــتــــحياً ... منازِلَ الدراجِ فيما قد نَحا
ولألأت بَـــــــنـــــــي سِـــــــراجٍ سُـــــــرجُهُ ... وَنَــــوَّرَت مِــــن أُفــــقِهِ مَــــا قَد دَجا
يُهدى إلى بَني بَشيرٍ بِشرَهُ ... ولا يَــــمَــــلُّ مِــــن سُــــرى وَمِــــن شَــــرَى
مُــــلَقِّيــــاً بَــــنــــي سُرُورٍ بَعدَها ... مَــــسَــــرَّةً وَمُــــرضِــــيــــاً بَــــني رِضا
وَحَــــلَّ فــــي بَــــنــــي عِصامٍ عُصمَهُ ... وَفَـــــــضَّ عَـــــــزلاءَ المَــــــزادِ وَفَــــــرَى
حَتَّى إذا ما ضاحَكَت مُرسِيَةً ... بَكَت عَلى رَسمِ حَبيبٍ قَد خَلا
وَنَدَبَت مَعاهِداً أَنحى العِدى ... فيها على رَسم الهُدى حَتّى عَفا
وانتَقَلت ما بين شطّى نهرِها ... وَسَـــــنَـــــدَيـــــهـــــا مِــــن ذُرىً إلى ذُرى
تَجنُبُ أُولاها وأُخراها الصبا ... إلى جَــــــنــــــابِ الهُـــــذَلِيِّيـــــنَ الأُلى
وَيَلتَقى بَني خِيارٍ خَيرُها ... إذا بَنُو سَعدٍ بها السَعدُ التَقَى
وَتــــرتــــقــــي مُزجِيَةً عَنانَها ... مُــــرخِــــيَــــةً عــــنــــانَهــــا إلى رُخــــا
إلى زُقــــاقِ الجــــنــــةِ الأَعــــلى الذي ... بشاطئ الكَوثَرِ من بابِ المُنى
إلى بُنا الرُشاقَةِ البيض التي ... أَلحـــــاظُهـــــا رَشــــاقَــــةٌ لِمَــــن رَنَــــا
واجتازَ بابَ الجَوزَةِ الغَيثُ الذي ... سَقى المغاني العجَمِيَّاتِ الدُنى
فالزَنَقَاتِ المُشرِقاتِ المُجتَلى ... المُورِقاتِ المُونِقاتِ المُجتَنى
وارتقَتِ السُحبُ إلى التاجِ الذي ... قد التقى الدَوحُ عليهِ وارتَقَى
مَغنىً له اسمٌ قد عنى مُشتَقُّهُ ... بهِ من المَعنى الصحيحِ ما عنى
كـــــأنَّهـــــُ يـــــأمُـــــرُ كُـــــلَّ مُهـــــجَــــةٍ ... بالشُكرِ لِلّهِ عَلى ما قد حبا
وارتَفَعت عَن سَمتِها سحائِبٌ ... سَــــواحِــــبٌ أذيــــالَهــــا على الثَرى
وأَسعَدَت قصرَ ابنِ سَعدٍ سُحُبٌ ... تَصعَدُ مِن مُنحَدَرٍ لِمُستَمى
واجتَلَبَ النَسيمُ أَخلاف الحيا ... عــــلى البُــــروجِ والمُــــرُوجِ وامتَرَى
وظَـــــــــــللت رايـــــــــــاتُهُ الدَوسَ الذي ... قد أَشبَهَ الفِردَوسَ حُسناً وحَكى
وَصُهِـــــرَ الجَـــــوُّ بِـــــبَـــــرقٍ ســـــاهِـــــرٍ ... على الصُهيريجِ المُنيرِ المُجتَلى
وســــــاوَرَت بَــــــنــــــي سِــــــوارٍ حَــــــيَّةٌ ... مِن بَرقِهِ تحيى ولا تُعيي الرُقى
وجَــــلَّلَ الشَــــطَّ الجَــــنُــــوبــــيَّ حَياً ... لا يَنجلي إلا إذا الجَدبُ انجَلى
وَحَــــلَّ فــــي بَــــنــــي سُعُودٍ عِقدَهُ ... كُلُّ حَبِيّ عاقِدٍ فيها الحُبى
وعــــــاجَ بـــــالوَادي مَـــــعـــــاجَ جَـــــزعٍ ... بــــاكٍ على أجزاعِهِ والمُنحنَى
فاجِسرِ فالرَملةِ من جَرعائِهِ ... إلى الغَديرِ فالكثيب فالتقا
واغرورقت على الخليجِ عَينُهُ ... واخــــتــــلجَ البــــارقُ مــــنــــه ونــــزا
ثم سما إلى الجسيرِ مُزجيا ... مِن دِرَّةِ القَطر لَهُ ما قَد زَجا
وَأَســـــــرَعَـــــــت للفُــــــرسِ أَفــــــراسٌ لَهُ ... شُــــقــــرٌ تَــــقُــــودُ دُهــــماً ذات وَنى
صــــاغَ لهــــا البَرقُ بُرى مِن ذَهَبٍ ... ثُمَّتَ أَبرى دُهمَها بما بَرَى
والتَـــــفَّ فـــــي مُـــــلاءَةٍ مِـــــن بَــــرقِهِ ... حَبِيُّها بِسِكَّةٍ ثُمَّ احتَبى
وَطَــــبَّقــــَ البَــــركَ بِــــبَركٍ مُطبقٍ ... مُروٍ لِذاكَ القُطرِ بالقَطرِ الرِوَى
وانتابَتِ النَوابَ سُحبٌ كُلَّما ... أَذكى بها نِيرانَهُ البَرقُ سَخَا
تَنحُو إذا عَن الخُنَيسِ خَنَسَت ... تَــــلاً عــــلى تَــــلِّ يُــــوَنَّى قــــد بــــأى
وَتَــــقــــصــــد السَــــدَّ الذي بِــــحُسنِهِ ... وخِــــصــــبِهِ أَربــــى عــــلى سَــــدِّ سَبَا
وانحدَرَت عَن سَمتِها سَحائِبٌ ... سَــــواحِــــبٌ أذيــــالهــــا فَوقَ البَرى
وَانتَابَ مُنتاباً وَمُنجَاباً حَياً ... لَيسَ بِمُنجابٍ إذا انجابَ الحَيا
وَوَســــمَ الطُــــوسَ حــــيــــاً إذا هــــمــــى ... ثَنَاهُ كالطاوُسِ مِمَّاـــ قد وَشى
وَقَلَّدَ الوُسطى بما قَد راقَ مِن ... مَنظُومِ أَزهارٍ وَمَنثُورِ نَدى
وانتَظَمَ الياقوتتينِ صَيِّبٌ ... إذا أصــــابَ الرَوضَ مِــــعــــطالاً حلا
مُــــــســــــدداً نــــــبــــــاله لِنُـــــبـــــلَةٍ ... ومُشرِعاً قناته إلى القنا
ثم ارتقى إلى قُرى النهرِ التي ... قد أرتقَت صوب الغَمامِ واقترى
مُستقصياً طالعة النهر إلى ... أقصى معانٍ من مغانيها القُصى
تِلكَ مغانيها التي نحتلُّها ... بشاطئ النهر إذا القيظُ ذكا
ثُمَّ نَحُلُّ بَعدها مَغانياً ... بشاطئ البحرِ إذا القيظُ خَبَا
كم زُرتُ في تلك المغاني الغُرِّ مِن ... غانيةٍ تنظُرُ عن عيني رشا
لمــــا غلاما أرخصت من وصله ... أرخصتُ مِن دُرِّ الدُموعِ ما غلا
ما حَكمَت عيني على قلبي لها ... حَتَّى أنالتها بعينيها الرشى
فـــــي ذمـــــة اللَه فــــؤاد مــــا رعــــى ... ذمتهُ ظبيٌ بقلبي قد رعى
طلىً كأنَّ لون سُقمي كُلما قابله ... كــــــــــــــســــــــــــــاه رداً وطَــــــــــــــلى
لم تُلفِ مَن يعدى عليه أنفُسٌ ... مــــظــــلومَــــةٌ أودى بــــها وما ودى
ظَــــبــــيٌ قد انتصَّتـــ له سالِفَةٌ ... قد انتصى الدرَّ لها مِن انتصَى
إن تـــــنـــــحَــــدِر فــــي وَصــــفِهِ فــــإِنَّهُ ... بَدرٌ عَلى غُصنٍ عَلى دِعصِ نَقَا
وإِن تَسامَيتَ فَقُل دِعصُ نَقاً ... عَــــلَيــــهِ غُــــصــــنٌ فَــــوقَهُ بَدرُ دُجى
فَــــرعٌ أَثــــيــــثٌ فــــوقَ فَــــرعٍ ناعِمٍ ... قَد مَاسَ مِن سُكر الشَبابِ وانثنى
وَغُـــــرَّةٌ شَـــــبَّ بِــــقَــــلبــــي نُــــورُهــــا ... ناراً فَأَمسى للشجُونِ مُصطَلى
وَنــــاظِــــرٌ يَــــمــــنَــــعُ كُــــلَّ نــــاظِــــرٍ ... مِن وَردِ خَدٍّ ناضِرٍ أَن يُجتَنى
يُراعُ طَرفي حِينَ يَرنُو طَرفُهُ ... فَلَيسَ يَرعى وَإِذا أَخلى ارتعى
ومــــــازِنٌ أَشــــــمُّ قَـــــد تَـــــنَـــــزَّهَـــــت ... أَوصــــافُهُ عَــــن خَــــنَــــسٍ وَعَــــن قَنَا
خَطّ قَويمٌ بَينَ قَوسي حاجِبٍ ... وشــــارِبٍ كــــلاهما قد انحنى
ومَـــــبـــــســـــمٌ يَـــــزدحِــــمُ البَــــرقُ بِهِ ... إذا انبَرى ما بين ظَلمٍ وَلَمى
وَعُـــــنُـــــقٌ كـــــأَنَّهـــــُ جِـــــيـــــدُ طَــــلى ... قد عَطَفَ اللِّيتَ التِفاتاً وَعَطا
وَصَــــحنُ صَدرٍ مُنبِتٌ رُمَّانَتَي ... حُسنٍ وبطنٌ مُنطوٍ طَيَّ المُلا
وَمِـــــعـــــصَـــــمٌ شَـــــكــــا الســــوارُ رِيَّةُ ... لما تَشكَّتـــ ريَّ ساقيهِ البُرَى
وَراحَــــةٌ تَــــخــــالُهَــــا مَــــخــــضُوبَةً ... إذا بها عن خَدِّه اللحظَ اتقى
وَمَـــــعـــــطــــفٌ لَيــــنٌ وَخَــــصــــرٌ ذابِــــلٌ ... ظـــــام وَرِدفٌ نـــــاعِـــــمٌ قَـــــدِ ارتَــــوَى
وَفــــــخــــــذانِ آخــــــذانِ فــــــوقَ مــــــا ... تما بهِ من النعيم المُغتَذى
يَكادُ يَبدو خَصرُهُ مُنخَزِلاً ... مِــــن رِدفِهِ إذا تَــــمــــشَّى الخَــــيــــزَلي
وَقَــــدَمــــانِ لَبِــــسَــــت كِــــلتــــاهُما ... ما زانَها مِن الجَمالِ المُحتَذى
نَشوانُ مِن خَمرِ الصِبَا يَحسِبُهُ ... نَشوانَ مِن خَمرِ الدِنانِ مَن نَجا
ماءُ الحياةِ والحَيا في خَدِّهِ ... يَجري بِحَيثُ اتَّقَدَت نارُ الحَيا
ظَــــــبــــــيٌ أذال الليــــــثَ إذا أدى لهُ ... يا مَن رأى ظَبياً لليثٍ قد أدى
أَزالَ عَــــــنــــــهُ القَــــــلبَ إذا أَزى لَهُ ... فَــــحِــــرتُ فــــي عــــاطٍ لِسَاطٍ قد أزى
كَــــم قَــــد دَرى بِــــلَحظِهِ مَن رامَ أَن ... يَـــــــدرِيَهُ وَمَـــــــا دَرَى كَــــــيــــــفَ دَرَى
يَــــــأهــــــلَ وُدِّي وَبــــــودي أنــــــكُــــــم ... صَــــبــــوتُــــمُ فَتعذِرُنَ مَن صَبَا
سَــــلُوا أُرَ يــــشاءَ الصريم أَيُّها ... بصارِمِ اللحظِ على قلبي سَطا
وأَيُّهـــــا راشَ لِقَـــــلبــــي أســــهُــــمــــاً ... كَأَنَّهُ لَم يَكفِهِ مَا قَد نَضَا
وَإِن رَأَيــــتُم باللوَى أُظيبياً ... سانحةً فأغمدوا بيضَ الظُبى
وحــــاذِرُوا تِــــلكَ الأَطــــيلاءَ التي ... ألحــــاظُها فاعِلَةٌ فِعلَ الطِلا
واحتقِروا مُلدَ القَنا إِن أُشرِعَت ... لَكُــــم قُــــدُودٌ دُونَها مُلدُ القَنَا
ليتَ الظباءَ لم تَصِد من رامَ أن ... يَـــــصـــــيــــدَهــــا ولا ادرَت مــــن ادرى
يا ظبيةً حازَت فؤادي فغدا ... قلبي من جسمي بعيدَ المُنتَوى
يا ليتَ شعري من سلبتِ قلبَهُ ... هل يَرجِعُ السابي إليه ما سبى
حكَّمتِ في قلبي لحظاً منكِ قد ... أهدى إليهِ النَومَ جَفني فارتَشى
أَخذت قلبي دُون طَرفي في الهوى ... ظلماً بما قد جر طرفي وَجَنى
ولم تكُوني كَمُداوي العُرِّ في ... إبراءِ ما لم يكوهِ بما كَوى
ما استبدَلَ القَلبُ فلا تستبدلي ... منهُ ولا ترضى بمالا يُرتَضى
ولا تـــــبـــــيـــــعـــــي خُــــلَّةً بِــــخُــــلَّةٍ ... فَإِنَّ بَيعَ المِثلِ بالمِثلِ رِبا
سَمعي رماني ولساني قبلَهُ ... مِن لُجَجِ الأَهواءِ فيما قد رَمى
لو كــــانَ لحــــظٌ دُونَ لَفــــظٍ لم يَكُن ... يَصلى مِنً الأَشجانِ قلبي ما اصطلى
فَــــلِم أخــــذتِ الطَرفَ مِنِّيـــ بالذي ... جَــــرَّ عَــــلى القَلبِ اللِسانُ وجَنى
لا تَظلِمي إِنسانَ عَيني في الهَوَى ... ف ليــــسَ للإنــــسانِ إلا ما سعى
كــــان الصِــــبا ظِلاً لَنَا مُدَّ إلى ... أن قَــــــلَصَ الظَــــــلُّ المَـــــديـــــدُ وَأَزى
قَد كانَ عَيشي ناعِماً ذا جِدَّةٍ ... دَهــــراً فَــــأضــــحــــى ذابلاً وذابلي
وحــــالَ دَهــــرٌ كــــانَ لا يَــــحُولُ عَن ... ولائِنــــــا فــــــي حــــــالَةٍ ولا إِنــــــي
كانَ الشَبابُ كالكميِّ مُعلماً ... حتَّى إذا نازَلَهُ الشَيبُ انكَمَى
وكيفَ لا يَشتَعِل الفَودُ وَقَد ... تَــــلَهــــبَ الفــــؤادُ وَجــــداً والتَظَى
وَلائِمٍ أَنـــــحـــــى وَأَنــــحَــــت بَــــعــــدَهُ ... لائِمَــــةٌ لا حــــيَــــةٌ فِــــيــــمَن لَحَى
ظَنَّتـــ بِأَنَّ اللَومَ يَثنى خاطِري ... عَن صَبوَةٍ لِسَلوَةٍ فلما انثنى
واستطرَفَت جَريي بِمَيدانِ الصِبا ... لمَّاـــ رأَت طِرفَ الشبابِ قد كَبا
وَبَــــيــــنَ جَــــنــــبــــيَّ فؤادٌ لم يَرُع ... جـــــنـــــابَهُ شــــيــــبٌ بــــفــــودى بــــدا
لم يَــــعــــدُ مــــا قــــد ضره أن سره ... وأوجَــــبَ الحــــظُّ لهُ مــــا قَــــد نَفى
واعــــتاضَ مِمَّاـــ قد أَفاتَ دَهرُهُ ... بما أَفادَ مِن يَدٍ وَمَا حَبَا
ظِلُّ أَميرِ المؤمنينَ عِندَهُ ... أَنعَمُ مِن ظِلِّ الشَبَابِ وَالصِبَا
فَـــــإِن ذوى رَوضُ الصِـــــبــــا فَــــجُــــودُهُ ... يُعِيدُ غَضّاً ناعِماً ما قَد ذَوَى
فــــلا تَــــظُــــنَّى أنــــنــــي آسى لِمَا ... قَــــد بــــزَّنــــي صَــــرفُ الزَمانِ وبَزا
قد مارَسَت نفسي حالي دَهرِها ... فَــــلَم يَــــدُم سُــــرُورُهــــا ولا الأســــى
وَواصَلَت عَيني الكرى وفارَقَت ... فــــي حــــالَتي إقامَةٍ وَمُنتأى
كم مَوقِفٍ حَمَّلَني ثِقلَ الجَوَى ... حَملُ المَهارى فيهِ صِيرانَ المَهَا
قَسَّمتُ ألحاظي وَدَمعي عِندضما ... تَقَسَّمَت نَفسي النَواحي والنَوى
ما بين ظُعنٍ سُطِّرَت جمالُها ... وَدِمَـــــنٍ جـــــمــــالُهــــا قَــــد امــــحــــى
دارٌ ســــفى مرُّ الأعاصيرِ عَلى ... مَرِّ الأعاصيرِ بها ما قد سَفى
تَحثي السَّفَى عِندَ المَصيفِ فوقَها ... كُلُّ عَصُوفٍ قد سَفَت فيهِ الحَثى
قَد كانَ في نَشرِ الكِباءِ للصبا ... شُغلٌ بِهِ فَصارَ في سَفرِ الكِبا
أَلوَوا بِـــــكُـــــلِّ مُـــــغـــــرَمٍ كَــــأَنَّمــــا ... قَـــــــد لَوِيَـــــــت أَضــــــلُعُهُ عــــــلى لوى
مِن كُلِّ ساهي الفِكر مَغشى على ... فُــــؤادِهِ مِن كَثرَةِ الوَجد غَمَى
تَــــمَــــلمَــــلُوا عَــــلى ذُرى أكوارِهِم ... كأنما باتوا على حدِّ المُدى
قد وَسَمَ الحُبُّ جُسُوماً مِنهُمُ ... بِــــصُــــفــــرُةٍ مِــــنَ النُّحــــُولِ وَضَــــنَــــى
وَوَســـــم الوَخـــــدُ رُؤوســــاً مــــنــــهــــمُ ... بــــشُمطةٍ من المشيبِ وجلا
أعدَت جُسومَ العِيسِ أجسامٌ لهم ... قد كدن لا يبصرن من فرط الضوى
وأعدتِ الأنفسَ منها أنفسٌ ... منهم فرقت من غرامٍ وهوَى
وأصبحت مما ارتقَت أنفاسُها ... أنفسُها بين التراقي واللَّها
عــــوى الحــــنــــيــــنُ رأسَهَــــا وعــــاجَهُ ... للدارِ فانعاجَ إليها وانعوى
وقد عنا للوجدِ جاري دمعها ... فسحَّ من فوق الثرى حتى عَنى
وســـــاعـــــدت رواغـــــيـــــاً صـــــواهـــــلٌ ... وجاوبت لمىً بشكواها لمى
وأذكرتهن المهارى العهد إذ ... كانت مهاراً في ذراها تفتلى
وقد وقفت العيس في معاهدٍ ... يجيب في أطلالها البوم الصدى
وقـــــد أقـــــمــــت للعُــــلا صــــدورهــــا ... فلم تقف بي دون أعجاز الفَلا
في فتيةٍ ما لامرئٍ منهم سوى ... كَسبِ المواضي والقنا من مقتنى
كأنهم ما عذروا من طُولِ ما ... قد أغدفُوا مِن لُثمِهِم فَوقَ اللحى
مِن كُلِّ من يَعتَدُّ أعلى نِسبَةٍ ... بها يُجلَّى أن يقالَ ابن جَلا
وكُلِّ نِضوٍ فوقَ نِضو قد رعت ... منهُ الفَلا ما كانَ منها قد رعى
تــــعــــرَّقــــتهُ الحادِثاتُ والسُرى ... فآضَ كالغُصنِ السَليبِ المُلتحى
يَــــشدُو إذا جن الدُجى تمثلاً ... له إذا أعلى الحنين واشتكى
يــــشكو إلى جملى طُولَ السُرى ... صَبرٌ جميلٌ فكلانا مبتلى
إني إذا العُيونُ أعدت مُهجتي ... فأصبح السقمُ عليها قَد عَدَا
داوَيــــتُ نُــــكــــسَ حــــالِهــــا بِــــصِــــحَّةٍ ... مِن عَزمَتي أعيَت على النِّكس الدَوا
فكم سرا عنهُ الهُمومَ من سرا ... وكــــم تــــداوى مِــــن هــــوىً مــــن ادوى
وما عتادي حين أستعدى على ... دهري سوى ظمآن ريَّانِ الشَبا
وصـــــــارمٍ مُـــــــصـــــــارِمٍ لِغِـــــــمــــــدِهِ ... مُــــواصــــلٍ ضَــــربَ الهــــوادي والصــــدى
تُخلى جُسُومُ الكُومِ من أرواحِها ... بهِ وهاماتُ الكُماةِ تُختلى
ومُــــســــرجٍ عــــلى الزَفــــيــــرِ مُشرَجٍ ... مُـــــلمَـــــلَمِ الصَهـــــوَةِ مَـــــلمُــــومٍ وأي
كأَنَّهُ مُنحَصِرُ الأَنفاسِ مِن ... رَبــــوٍ وإِن لم يَــــنحصِر ولا ربا
وأعـــــيـــــسٍ مُــــخــــيَّســــٍ يَــــشــــرى إذا ... ما وَصَل البِيدَ بِبيدٍ وَوَصى
ينجو إذا مدّ في عُرض الفلا ... بالخَطوِ أخفافاً خفافاً وسدا
إذا انبرى تحتَ ظلامٍ أو ضحىً ... زفَّ كــــــمـــــا زفَّ الظـــــليـــــمُ وَزَفـــــى
كاد النجاءُ أَن يُزيلَ شخصهُ ... عــــن ظِــــلِّهِ وجِسمهُ عن النجا
هال العُيونَ غاربٌ مثلُ النقا ... مــــنــــه ولكن هالهُ سَيرٌ نَقى
يَهـــــفُـــــو بِهــــادِيــــهِ حِــــذارَ أرقَــــمٍ ... لَوَاهُ فــــي ســــالِفَــــتَــــيــــهِ مَــــن لَوى
كَم زاحَمَت خِيفانَةٌ بِشِكَّتى ... عَيرانَةً تَحمِلُ رَحلي بَشَكى
وَكَم نَوى عَزمِي أَن يَفرى النَوى ... والرَحلُ مِن غارِبِها ما قَد نَوى
بِــــتِلكَ أَستَعدى على دَهري أو ... بِمُعتَدٍ على الصَفا إذا عَدا
ناصى العوالي جِيدُهُ فكادَ لا ... يُمكِنُ مشن ناصِيَتَيهِ مَن نصا
كَــــم مَــــرَّ بــــالنــــاظِــــرِ مَرَّ بارِقٍ ... فــــــمـــــا درى نـــــاظِـــــرُهُ أيـــــنَ رَدَى
وَكَــــم طَــــوَى البَــــيــــداءَ في تَلَطُّفٍ ... فلَم يُثِر سِربَ القَطا لَمَّاــ قَطَا
مــــا لَكَ يــــا قــــلبــــي فــــي تلكؤٍ ... عـــــن العُـــــلا بَـــــيـــــنَ وَلُوعٍ وَلَكــــى
لا تَطَّبِ الدُنيا هَواكَ نَحوَها ... بـــــمـــــا بِهِ كُـــــلُّ جَهُـــــولٍ يُـــــطَّبـــــَى
دارٌ غَــــدَت أحــــوالُهــــا مَعكُوسَةً ... فأضحَتِ الأَسواءُ فيها تُشتَهى
مَن لم يَقُل بِشَهوَةٍ فيها يُقَل ... مِـــــن العِـــــثــــار وَيُــــقَــــل لَهُ لَعَــــا
وقلّما يقال في الدنيا لَعاً ... مــــن عــــثــــرةٍ لكــــلّ شــــهوان لعا
غَيري من يرتاحُ أو يَرتاعُ إِن ... عَــــنَّ لَهُ مــــا يُــــرتَجى أو يُتَّقى
لأحــــذيــــنَ العــــيــــس كــــلَّ مــــهــــمَهٍ ... تَشكُو النواجي في نواحيهِ الحِذا
تَرفَعُ فيهِ جارَها العِيسُ إذا ... مـــــا رَفَـــــعَ الآلُ الشُــــخُــــوصَ وَحَــــزى
ترى اللغام فيه ممجوجاً على ... ما مَجَّتِ العِيدَانُ فيهِ مِن لَثَى
لم يَلتَفِث فيهِ امرُؤٌ لِشبحٍ ... غـــــيـــــرِ وُحُـــــوشٍ سُـــــنَّحــــٍ ولا رَنَــــا
كَم قَد رأَت عَيناي مِن مَناظِرٍ ... تَــــرُوق أَو تَــــرُوعُ عَيني مَن رأَى
وَقَلَّبَت قَلبي اللَيالي بَينَ ما ... قد لانَ مِن خُطُوبِها وَمَا قَسَا
فَـــــلَم يَـــــطِـــــر لِمُـــــونــــسٍ مَــــسَــــرَّةً ... ولم يَــــــطـــــش لمـــــوحِـــــشٍ ولا نَـــــزَا
وَمُــــــــشـــــــبِهٍ ذَوبَ اللآلي والمَهَـــــــا ... وَرَدتــــــــهُ بَــــــــيـــــــنَ مَهـــــــاةٍ وَلأى
وَذَنبُ السرحانِ يَسمُوا صاعِداً ... وَمَعطِسُ السرحانِ يَشتَمُّ البَرَى
يَستافُ أَرواحَ الصَعيدِ عَلَّها ... تَهــــدى إلى مُفتأدٍ أو مُشتَوَى
أَو لِمُـــــنـــــاخِ مُــــخــــدِجٍ ســــاقِــــطَــــةٍ ... لِجــــنــــبِ سُقطٍ بَينَ غِرسٍ وَسَلى
وَقَد طَوَى تَنائِفاً حَتَّى انطوى ... مِن طَيِّهِ البِيدَ وَمِن فَرطِ الطَوَى
يَشرَبُ طَوراً قانِياً ذا حُمرَةٍ ... يَفتَضُّهُ ما بَينَ بَطنٍ وَمَعِي
وتــــــارَةً فَــــــضــــــيــــــضَ مــــــاءٍ أزرَقٍ ... يُفضي إلى بطنٍ دَميثٍ مِن مَعى
وَمَنهَل تُمسي النُجُومُ عُوَّماً ... سابِحَةً فِيهِ إذا اللَيلُ سَجَا
أَعــــفــــاهُ مِــــن ذي قَــــدَمٍ وَمَــــنسِمٍ ... وَسُنبُكٍ فَرطُ التنائي فَعَفَا
لَم يَترُكِ الهَولُ إليهِ مَسلَكاً ... إِلا وَصَــــدَّ النَــــفــــسَ عَــــنــــهُ وَعَــــدا
يَهــــــــــابُ مِــــــــــن آســــــــــادِه وَاردُهُ ... ما هابَ مِن سَمِيِّهِنَّ الشَنفَرى
تَــــزدَحِــــمُ الوُحُــــوشُ فــــيــــهِ سُحرَةً ... وَتَــــلتَقي فيهِ إذا صَرَّ الدَبى
تَــــــرى بِهِ أَظـــــلافَهَـــــا نَـــــواصِـــــلاً ... بَينَ حَديثٍ وَقَديمٍ مُنتَضَى
يَملأُ ما قَد ساخَ مِنهُنَّ الحَصَى ... كَصَدَف البَحرِ عَلى الدُرِّ احتَوَى
وَرَدتُهُ وَالبُـــــومُ يَـــــســـــتَـــــدعــــي بِهِ ... في آخرِ الليلِ مُناغَاةَ الصَدَى
وَبَــــلدَةٍ قَــــد عُقِمَت عِيدانُها ... فَمَا سِوَى النَبعِ لَهَا مِن مُجتَنَى
أَصمَيتُ آمالي بِأَقواسِ السُرى ... فيها فَكانَت مِثلَ أَقواسِ السَرَا
قَد غابَ فيها الفَجرُ بَعدَ بَدوِهِ ... وعــــطــــفَ الليــــلُ العِنان وَعَكى
تــــأوى إلى القــــلب بِهــــا وَحــــشَــــتُهُ ... إذا ابـــــن آوى آخِـــــرَ الليــــلِ عَــــوَى
أعيَت على العيسِ فَلَيسَت تَختطى ... بالوَهمِ بل لَيسَت بِوَهمٍ تُختَطى
شَبَّتــ بها مِن بَعدِ ما قد هَرِمَت ... آمالُ من أهرَمَ فيها ما افتلى
تَوقَّدَت فيها جِمارٌ مِن حَصىً ... إذ علاها أخمصُ الرِجلِ اكتَوَى
وَلَو يَــــــمُــــــرَّ طـــــائِرٌ بِـــــجَـــــوِّهـــــا ... إذا احتمى فيها الهَجيرُ لانشوى
فــــالطــــيــــرُ لا تأوى بهِ إلا إلى ... ظِــــــلٍّ إذا الظِــــــلُّ إلى العُــــــودِ أوى
دَوٌّ مُــــبــــيــــدٌ يُــــقــــسَمُ الماءُ بِهِ ... تَصافُناً حَيثُ الهَبيدُ يُغتَذى
فالماءُ فيها لَيسَ إلا قدرَ ما ... يُخفى حَصاةً في إناءٍ يُحتسى
قَــــطَــــعــــتــــهــــا بِعادياتٍ ضُمَّرٍ ... وَخــــــادِيــــــاتٍ جــــــاذِبـــــاتٍ لِلبُـــــرى
كَــــم فَــــرَّقَ الحادي بها غدائِراً ... مِنَ الدياجي بالفَلا وَكَم فَلا
تُطيرُ شَذانَ الحصى فيها كَمَا ... يُطايرُ المِرضاخُ مَلفُوظَ النَوى
أحذيتُها الوَخدَ الصَريحَ حَيثُ لا ... تَغنى القِلاصُ عَن سَريحٍ يُحتَذى
فانتَقَضَت وانتَقَصَت أعظُمُها ... مِمّا أرارَ السَيرُ مِنها وَانتَقَى
وَفَتَّ في الأَعضادِ مِنها عاضِدٌ ... شَذَّبَ قُضبَانَ الهَوَادى والتَحى
تَهفُو بِها الأَرواحُ مِمَّاــ صَوِيَت ... أَجــــوافُهــــا كَــــأَنَّهــــا نَــــخلٌ صَوى
وتعتلي أنفاسُها إذا اعتلى ... مَتنَ الفَلا بها الوَجيفُ واغتلى
يكادُ منها كلُّ عظمٍ عِندَما ... تَزفِرُ أن يَصفِرَ مما قد خوى
وَليـــــلَةٍ مُـــــوحِــــشَــــةٍ ظَــــلمــــاؤهــــا ... أنِستُ فيها بالحُسامِ المُرتَدى
قَــــد سَهِــــرَ البَــــرقُ بِها مَخافَةً ... واكتَمَنَ الإِصباحُ فيها واكتمى
ناغى بِها الأصداءَ كُلُّ سابِقٍ ... لَم يُبقِ مِنهُ جَوبُها غَيرَ صَدى
مــــا ســــالَمَــــت قِرَّتُها إذ صَدَقَت ... في كاذِبِ الفَجرِ سِوَى مَنِ افترى
سَمَت بها عَيني على سامِيَةٍ ... وَشَــــت إلى طَرفي بِحَىٍّ قَد وَشى
فيالَهُ من مَوقِدٍ قد التَقَى ... مِن حَولِهِ من اصطَلَى وَمَن صَلَى
سَـــــنُّوا عـــــلى أَثـــــوابِ أعـــــراضِهِــــم ... ماءَ السَخاءِ فَنَفَي عنها الصَخَى
وبــــــارِقٍ مُــــــؤتَــــــلِقٍ فــــــي عــــــارِضٍ ... مُندَفِقٍ يُخفى الدُجى إذا خَفَا
كَــــثَــــغــــرِ مَن أهوَاهُ أَو ثُغرَتِهِ ... إذا اكتسَى بالزَعفَرَانِ واطَّلَى
لم أدرِ هَــــل أَبــــصَرتُ مِن سَحابِهِ ... أدهَــــمَ قَــــد أعلى الهَديرَ وَرَغا
أَم أَشـــــقَـــــرَ البَــــرقِ الَّذي جــــالَ بِهِ ... فَــــتَــــحَ فــــاهُ بــــالصَهيلِ وَشَحَا
في مُكفَهِرَّاتِ الصَبيرِ قَد مَطا ... مِن دُهمِها حادى الصَبَا بِما مَطا
حَـــــوامِـــــلٌ حَـــــقـــــائِبــــاً مِــــن لُؤلُؤٍ ... رَطبٍ حَثَا مِنهُ النَسيمُ ما حَثَا
يَمشِينَ في سَلاسِلٍ مُذهَبَةٍ ... مِنَ البُرُوقِ مِثلَ مَشى المُهتَدى
فالماءُ في أقطارِها مُحتضَنٌ ... واللَهبُ المَشبُوبُ فيها مُحتَى
وَمُــــــرضَــــــعٍ بِــــــثَــــــدي كُـــــلِّ حُـــــرَّةٍ ... حَنَت على تَربِيبهِ حَتَّى نما
أَضــــحَت بِهِ صُلعُ الرُبى مُعتَمَّةً ... وأَصبحت فُرعاً بِهِ بَعدَ الجَلا
تَجلِبُ فيهِ العُفرُ باستنشاقِها ... طِيبَ الشَذا إذا نَفَت عنها الشَذا
تباغَمَت فيهِ الظِباءُ وانتجى ... ذُبابُهُ الحَوليُّ اخفى مُنتجى
ألقــــى ذِراعــــاً فَوقَ أُخرى وَحَكى ... تَكَلُّفَ الأجذَمِ في قَدحِ السَنَا
كـــــأنَّمـــــا النَـــــورُ الذي يَـــــفــــرَعُهُ ... مُــــقــــتَــــدِحــــاً لِزَنــــدِهِ ســــقــــطٌ وَرى
طـــــاردتُ فـــــي أرجــــائِهِ سِــــربَ مَهــــاً ... أَمــــهــــى النَــــدى أَلوَانَهُــــنَّ فَمَهَا
قَد ناسَبَت ظَواهِرٌ بَوَاطِناً ... مِنها ابيضاضاً بالنَدى وبالنَّدَى
وجالَ طِرفي حَيثُ جالَ الطَرفُ في ... نُورِ مَهاً تَرعى وَنَورٍ يُرتَعى
ومـــــــــطـــــــــلعٍ لنــــــــيــــــــراتِ أوجُهٍ ... منظرُها في كلِّ عينٍ قد حلا
تــــلألأت لي مــــنــــهُ شــــمــــسٌ قُــــلِّدَت ... مِــــــــن الدراري وَمِـــــــن الدُرِّ حُـــــــلى
قد كان يأبى وَصلَها الدهرُ إلى ... أن غضَّ عنها ناظِرَيهِ وَغَضا
فــــيــــالَهــــا من لَيلَةٍ نَجَّى بِها ... قَلبي من الوَجدِ حَبيبٌ قَد نَجا
لمَّاــ دَنا فيها الحبيبُ وانتهى ... جَنى المُنى اشتَدَّ نَواهُ واعتصَى
وَأَعــــقَــــبَ التَــــسليمَ تَوديعٌ بِهِ ... غابَ الهِلالُ حينَ لاحَ ابن ذُكا
أَمــــسَــــكــــتُهُ وَقَــــد رَسَا الحَلى لَهُ ... مِن نَبإِ الصُبحِ المُبينِ مارَسَا
قــــال أَمــــا أشــــعَــــرَكَ الحــــلى الَّذي ... أَشــــعَــــرَنــــي بِــــبَــــردِهِ قُــــلتُ بَــــلَى
فَــــقُــــمتُ مَذعُوراً لِبازٍ أَشهَبِ ... نَفَى غُرَابَ اللَيلِ مِن بَعدِ الحَدَا
وَالصُبحُ قَد تَمَخَّضَت بِهِ الدُجى ... حَتَّى بَدا مِثلَ الجَنينِ المُختَفَى
كـــــأَنَّمـــــا ضَــــوءُ الصَــــبــــاحِ جَــــذوَةٌ ... وَاللَيلُ زَنجيٌّ عَلَيها قَد جَذا
وَمُـــــــــشـــــــــرِقٍ لِنَــــــــيِّرَاتِ أَكــــــــؤُسٍ ... مَطعَمُها للشارِبينَ قَد حَلا
أَنــــســــتُ إذ آنَــــسَ مِــــنــــهُ ناظِري ... نجماً بِنَجمٍ في يَدَيهِ قَد سَعى
مِن قَهوَةٍ تُقوى على دَفعِ الأَسَى ... فَهــــيَ أحَــــقُّ قُنيَة أن تُقتَوى
إِن ضــــاقَ ذَرعٌ للفــــتــــى أفــــضَــــت بِهِ ... إلى مَـــــجـــــالٍ للسُــــرُرِ قَــــد فَــــضــــا
أُمٌّ وَلُودٌ لِلمُـــــنـــــى مـــــا عـــــاقَهــــا ... فَرطُ انتهاءِ السِنِّ عَن فَرطِ الضَنَى
واشتَرَطَ السَقي لها مُهفهَفٌ ... حَلا بِسَقي مِثلها مَن قَد حَلا
جَرَيتُ في عِنانِ دَهري مِثلَما ... كانَ الزَمانُ في عناني قد جرى
مــــا أحــــدَثَــــت حــــادِثَــــةٌ لي رَوعَــــةً ... ولا اعتراني جَزَعٌ لما اعترى
قــــد عَــــرَفَــــت دُنياي أنِّيـــ عارِفٌ ... وَسَــــبَرَ الدهرُ اصطباري وَبَلا
لم يَستَمِل نَفسي حِرصٌ مُطَّبٍ ... إذا استمالَ النَفسَ حِرصٌ وَاطبى
ولي فــــؤادٌ مُــــنــــصِــــفٌ فــــي حُكمِهِ ... مُتَّصِفٌ بالعَدلِ فيما قَد قَضى
كَــــم دَمَّثــــ الخُلقَ لِمَن في خُلقِهِ ... دَمــــاثَــــةٌ وَكَم جَسَا لِمَن جَسَا
أَحُــــوطُ خُــــلصَاني ولا أُقصى وَلا ... أَقُولُ حُطني لا ولا حُطني القَصَا
قد وافقَتني أزمُني وخالَفَت ... ولانَ لي عِــــطــــفُ الليــــالي وَعَــــســــا
وَلَم تُقَصّشر مُهجَتي في الجِدِّ بَل ... قَــــــصَّرَ بـــــي جَـــــدٌّ إذا شِـــــئتُ أبـــــي
يا زَمَناً حَفَا المُنَى مِن بَعدِ ما ... قَد كانَ والى البرَّ منهُ واحتَفَى
قد بلغَ الحِزامُ طُبيَييهِ وقد ... أفــــرَطَ حَــــتَّى بَلَغَ السَيلُ الزُبَى
أنأيتَ يا دهرُ المُنى من بَعدما ... أدنيتها فما عدا عما بدا
يا هل أني أن أبلُغَ الحَظَّ الَّذي ... كَم قُلتُ في تأمِيلِهِ يا هَل أَنَى
أم هَـــــل دَرى عـــــارِفُ وَجــــدِي أَنَّ مــــا ... لَم يَــــدرِهِ أكــــثَــــرُ مِــــمَّاـــ قَد دَرَى
أَمَـــــرَّ لي دَهـــــري وَقَــــد كــــانَ حَــــلا ... فــــلَيــــسَ لي بــــطــــائِلٍ مِــــنهُ حَلى
لَم يَعرِفِ الأَيَّامَ عِرفاني بِهَا ... مَــــن زَجَــــرَ الطَــــيــــرَ وَعــــافَ وَحَــــزى
مــــا يَــــقــــظَاتُ العَيشِ إلا حُلُمٌ ... ولا مَــــــرائى الدَهـــــرِ إلا كـــــالرُؤى
وَالعَيشُ طَوراً مُشتَهىً مُستَمَرأٌ ... وَتــــارَةً مُــــســــتَــــوبَــــلٌ وَمُــــجتَوَى
وَكَيفَ تَصفُو لامرئٍ مَعِيشَةٌ ... وَمَوردُ الدُنيا مَشُوبٌ بالقَذَى
لَم يَــــخرُجِ المَرءُ بِها لِنِعمَةٍ ... وإِنَّمــــا القــــصــــدُ بِهِ أن يُــــبتَلى
وإِنّــــمــــا الآمــــالُ فيها صُوَرق ... تُخلَعُ أحياناً وَحِيناً تُكتَسى
وَالعَيشُ مَحبُوبٌ إلى كُلِّ امرئٍ ... لا فَرقَ بَينَ الشَيخِ فيهِ والفتَى
والدَهـــــرُ رامٍ أبـــــداً مُــــبــــقٍ لمــــا ... أَشوى وإِن أَصمى امرأً فَلا شَوى
وَلَيــــسَ للإِنــــســــانِ فــــي عــــيشتِهِ ... نَفعٌ إذا صِبغُ الصِبَا عَنهُ نَضَا
إِن هُوَ لَم يقعُد مِنَ الضَعفِ جَثَى ... وَهناً وَإِن لَم يَحبُ في المَشي اعتَصَى
وَخَــــيرُ عَيشِ المَرءِ ما سُرَّ بِهِ ... وَمَن يَقُل قَولاً سِوَى هذا هذي
مَنه أقنَعَ الحَظُّ القليلُ نَفسَهُ ... أضحى عَنِ الحَظِّ الكَثير ذا غَنى
وإِن أغنى الناسِ عِندي عاقِل ... أبدى اقتناعاً بالقليلِ واكتَفى
مَن ابتغى من لم يُقدَّر كَونُهُ ... لَهُ فإِن مستحيلاً ما ابتغى
قد يُدرِكُ الحاجة من لم يَسعَ في ... طلابها وَقَد تَفُوتُ مَن سَعى
من كان سَعدُ الجَدِّ مِن أعوانِهِ ... أظــــفرَهُ اللَه بأقصى ما رجا
وَمَن يَخُنه الجَدُّ لم يَنهَضِ بِهِ ... جِدٌّ ولم يَظفَر بِأدنى ما نَوَى
وخــــيــــرُ مــــا يدخِرُ المَرءُ وَمَا ... يُبقيهِ في أعقابهِ طيبُ الثَناء
والحُــــرُّ للحُــــرِّ مُــــعــــينٌ مُنجدٌ ... لهُ على الخَطبِ إذ الخطبُ عَرا
وَكُلُّ من يَستَصعِبُ السَهلَ فَمَا ... يَستَسهِلُ الصَعبَ إذا أمرٌ عَنَا
مَن يَسمَع الجَفوَةَ في خِلٍّ وَلَم ... يَغضَب لَها فإِنَّهُ كَمَن جَفَا
مَن لَيسَ مأمُوناً بِحالِ ضَرِّهِ ... فَنَفعُهُ في حالَةٍ لا يُرتَجى
وَالبُعدُ مِمَّنـــ لا يُفِيدُ قُربُهُ ... فــــائِدَةٌ حقيقةٌ أَن تُقتَنى
وَأُلفَــــةُ النــــاسِ يَــــراهــــا وَحــــشَــــةً ... مَن أَلِفَ الوَحدَةَ عَنهُم وانزَوَى
مَن لم يَكُن مُنتَمِياً للخَيرِ لَم ... يُكرَم وَإِن كانَ كَريمَ المُنتَمى
مَن صاحَبَ الإِنسانَ في العُسرِ كَمَا ... صــــاحَــــبَهُ في يُسرِهِ فَقَد وَفَى
وَمَــــن يُــــفــــارِقهُ إذا ما يُسرُهُ ... فــــــارَقَه فَـــــمـــــا وَفـــــى ولا رَعـــــى
وَشَــــرُّ مــــا يُــــمــــتَــــحَنُ المَرءُ بِهِ ... صُحبَةُ مَن لا يَنتَهي عن الأذى
وَمــــا عــــلى الإِخوانِ أشجى غُصَّةً ... مِن شامِتٍ مُنتقِمٍ إذا اشتفى
وَالحُــــر بــــالإِحسان مَملوكٌ وإِن ... لَم يَكُ مَملُوكاً بِبَيعٍ وَشِرا
مَن يُرضِ مَخلوقاً بما لا يرتضى ... خــــــــالِقُهُ فــــــــإِنَّهـــــــُ شَـــــــرُّ الوَرى
وَشَـــــرُّ خَـــــلقِ اللَهِ مَــــن لا يَــــتَّقــــى ... إِلهــــــه وَيَـــــزدرى أهـــــل التُـــــقَـــــى
مَن لَم يَكُن بِعَقلِهِ مُستَبصراً ... فإِنَّما إبصارُهُ مِثلُ العَمَى
وَلَيسَ مَن عشا إلى نارِ الهَدى ... كَمِثلِ مَن أعرَضَ عَنها وَعَشا
قد يُحسَبُ النَصيحُ ذا غِشٍّ وَقَد ... يُظَنُّ ذو الغِشِّ نصيحاً وَيُرى
مــــا أصــــل فِــــعلِ المَرءِ إلا رأيُهُ ... وليــــــسَ أصــــــلُ رأيِهِ إلا الحِـــــجـــــا
والمَــــرءُ فــــي أفعالِهِ جارٍ على ... ما أوجبَ الطبعُ لهُ وما اقتضى
فاعرف سجايا الناس وافرُق بين مَن ... قد لانَ مشنهُ عُودهُ ومَن قَسا
ولا تَــــجُز في كُلِّ من عامَلتَهُ ... حُدُودَ ما يُرجى إلى ما يُتَّقى
فــــالحرُّ والعَبدُ الذي شيمَتُهُ ... شــــيــــمَــــةُ حُــــرٍّ بالكلامِ يُطَّلى
والعَــــبــــدُ وَالحُــــرُّ الذي شــــيمَتُهُ ... شيمَةُ عبدٍ مالَهُ إلا العَصَا
فارفُق بِمَن لا يَصلُحُ العُنفُ بِهِ ... فَــــمَــــن يُــــداوِ الضِّدَّ بــــالضِّدِّ شَفى
ولا تَـــــضَـــــع مـــــكـــــانَ لِيــــنٍ شِــــدَّةً ... فَمَن سَطَا في مَوضِعِ الحِلمِ هَفا
لَيــــسَ الكِلامُ كالكَلامِ مَضَضاً ... ولا الضِّرَابُ بالعَصَا مِثلَ العَصَا
قد يَقصِدُ النفعَ فيلقى ضِدَّهُ ... مَن لَم يَمِز بَينَ الصَميمِ والشَظى
لا تدَّخِر غيرَ الثَناءِ قنيةً ... إِنَّ الثَناءَ خَيرُ عِلقٍ يُقتنى
واحــــتَــــذِ حَــــذوَ كُــــلِّ ذي سَــــماحةٍ ... إِنَّ السماحَ خَيرُ نَهجٍ يُحتَذى
ولا تُــــحــــالِف مــــضــــن أبي مُرُوءَةً ... ولا تــــخــــالِف مَن سرا وَمَن نَدَا
فَكَم نَدا بَينَ النُجُومِ مَن نَدا ... وكَم سَرى بَينَ الدراري مٍن سرا
فـــــإِن لَقِـــــيـــــتَ شِـــــدَّةً دُون العُــــلا ... فالشهدُ يلقى دُونَهُ حَدُّ الحُمى
مَــــــن يَــــــدرِ الجِـــــدِّ والإِقـــــدامِ لَم ... يُحجِم وَلَم يُخلدِ إلى ظِلِّ الوَنى
لو نِــــيلَتِ العَلَيا بِلا مَشَقَّةٍ ... كانَ طِلابُ المَجدِ أَدنى مُبتَغى
وَلَم يَــــكُــــن بَــــيــــنَ الوَرى تَفاوُتٌ ... فِي شِيَمِ البَأسِ وَأَخلاقِ النَدى
لَكِــــنَّ غــــاياتِ العُلا مِن دُونِها ... طُرقٌ صِعابٌ يُتَّقَى فيها الرَّدى
فَـــــقَـــــد تَـــــصَـــــدَّى لِلرَّدى بِــــجُــــودِهِ ... كَعبٌ إلى أَن ماتَ مِن فَرطِ الصَّدَى
وَلَم يُــــغِــــث مُهــــجَــــتَهُ بــــالرِّيِّ بَــــل ... أَروى أخــــــاهُ النـــــمـــــريَّ وَسَـــــقَـــــى
وَقَـــــد تَـــــصَـــــدَّى لِلرَّدى رَبِـــــيــــعَــــةٌ ... حَتَّى حَمَى مِن ظُعنِهِ ما قَد حَمى
وَطــــاعَنَ الخَيلَ دُرَيدٌ عَن أبي ... ذُفافَةٍ حَتَّى انثنى وهوَ لَقَى
إِنَّ احتِياطَ المَرءِ في أَفعالِهِ ... رأيٌ يُـــــؤَدِّيـــــهِ إلى سُــــبــــلِ الهُــــدى
وَكُلُّ أَمرٍ قَد أُضِيعَ الحَزمُ في ... بَدأَتِهِ فهوَ كَرِيهُ المُنتَهَى
لَو هُــــــدى الوضــــــاحُ نَهــــــجَ رُشــــــدِهِ ... لما عصى رأى قَصيرٍ في العَصَا
وَلَو غَــــــدا سَــــــمِـــــيُّهـــــُ مُـــــوَفَّقـــــاً ... لَم يُلقِهِ هَوَاهُ في بَعضِ الهُوَى
وَلَو غَــــــدا مُــــــسَــــــاعِـــــداً لِقَـــــومِهِ ... في الرَّأيِ عَمرُو بنُ سَعِيدٍ لَنَجا
وَلَم يَــــقُــــل صَــــقــــرُ بــــنــــي أُمَــــيَّةٍ ... إذ صــــادَهُ كَــــيــــداً لَهُ أطــــرِق كَــــرَا
وَلَو رأَى النُـــــعـــــمـــــانُ رأيَ رُشـــــدِهِ ... لمــــا رأى فــــي ابــــنِ عَدِيٍّ ما رأى
ولو رأى رأى دُرَيـــــــــدٍ صِـــــــــنــــــــوُهُ ... لم يَنتَقِع نَقِيعَةً يَومَ اللِّوا
وَرُبَّ رأيٍ حَــــــسَــــــنٍ قَــــــدِ اغـــــتَـــــدَى ... مُــــقــــبَّحــــاً عِندَ الجَهُولِ مُزدَرى
قد كَذَّبَ الزَرقاءَ قَومٌ حَسِبُوا ... مَقالَها الصادِقَ زُوراً مُفتَرى
سضمَت بِعَينِيها إلى الجَيشِ الَّذي ... تَدَرَّعَ الأَشجارَ كَيداً واكتَسَى
قــــالت وَلَم تَــــكــــذِب أرى مُــــقبَلَةً ... إليكُم يا قَومَ أشجارَ الفَلا
وَأَبصَرَت ما لَم تُحَقِّقــ عَينُها ... صُــــورَتَهُ فــــي كَــــفِّ شَخصٍ قَد نَأى
قـــــالَت أراهُ خـــــاصِــــفــــاً أَو آكِــــلاً ... لِكَتِفٍ لهَفى على ما قد أَتى
فَـــــصُـــــبِّحــــَت دِيــــارُ مَــــن كَــــذَّبَهــــا ... بِجَحفَلٍ قد عاثَ فيها وَعَثَا
وَقد جَفا زَبراءَ حينَ صَدَقَت ... فِيما بهِ قَد نَطَقَت مَن قَد جَفا
وأطرَفَت طَرِيفَةٌ فيما حَكَت ... مِن نَبَإِ السَدِّ وما مِنهُ انهوَى
فاهَت بِقَولس مُعتَزٍ للصدقِ في ... تمزيق قَحطان على الأرض عِزَى
فما نَجا غَيرُ امرئٍ صَدقها ... وأهلكَ الباقينَ سَيلٌ قَد طَغى
وَسَـــــرَّحَ السَـــــدُّ عِـــــنـــــانَ جـــــامِـــــحٍ ... يَجيشُ مِثلَ البَحرِ مِن كَلِّ عَنَا
مَــــن ظَاهَرَ العَزمَ بِحَزمٍ ظَهَرَت ... نَتائجُ النُجحِ لَهُ فِيما نَوَى
وَمَن نَحا أَمراً بِعَزمٍ نافِذٍ ... مِن غَيرِ حَزمٍ لَم يُصِب فيما نَحَا
لَم يُــــخلِ سَيفٌ عَزمَهُ مِن حَزمِهِ ... إِذ سَلَّ سَيفَ الجِدِّ قِدماً وانتَضى
سَما لِكِسرى بَعدَ قَصدِ قَيصَرٍ ... وَلَم يُـــــقَـــــصِّر فــــي السُــــرى ولا أَلا
حَـــــتَّى حَـــــوَى مُــــلكَ ذَمَــــارِ وحَــــمــــى ... مِنَ الذِمارِ المُستباحِ ما حَمى
وَقــــادَ كُــــلَّ مــــحربٍ حَتَّى ارتقَى ... مِن رأسِ غُمدانَ بمِحرابِ الدُّمَى
وَشَــــربَ الكَــــأسَ هَــــنيئاً عاقِداً ... لتــــاجــــهِ وَجَــــرَّ ذَيــــلاً وانــــتَخَى
وَلَم يَبِن عَن أَيدِ عُمرو كَيدُهُ ... إِذ أَنــــزَلَ الزَبــــاءَ مِــــن شُــــمِّ الذُّرى
مِن بَعدِ ما أَبصَرَها أَنأَى مَدىً ... مِن لَقوَةِ الجَوِّ وَأَعلى مُرتَقى
وَلَم يُقَصِّر في مَدى الكَيدِ الَّذي ... جارَى بِهِ عَمراً قَصِيرٌ بَل شَأَى
فــــأَظــــهَرَ النُصحَ وَأَخفى ضِدَّهُ ... كَمَن أَسَرَّ حَسوَةً لَمَّاـــ ارتَغَى
وَغَـــــرَّهـــــا جَــــدعُ قَــــصِــــيــــرٍ أَنــــفَهُ ... فَــــأَمِــــنَــــتهُ وَهوَ مَرهُوبُ الشَّدَا
فَدَسَّ مَحضَ الخُسرِ في الرِّبحِ لَهَا ... وَأَدرَجَ الشَــــرَّ لَهــــا فــــيــــما شَرَى
وَأَوقَــــرَ العِــــيــــسَ رِجــــالاً وَعَــــبَــــا ... بُؤساً لَهَا وَأَبؤُساً فِيما عَبَا
وَارتَابَ في مَشى الجِمَالِ لَحظُها ... وَلَم تُحَقِّقــ عِندَ ما قالَت عَسَى
وَمــــا دَرَت مــــا فَوقَها حَتَّى غَدَت ... مُقصَدَةً بِسَهمِ دَهىٍ ما حَبَا
فَجَلَّلَ الهامَةَ مِنها سَيفَهُ ... عَمرٌ ووَأروَى الهامَ مِن بَعدِ الصَدَى
وَأَدرَكَ الطَّســـــمِـــــىُّ قِـــــدمـــــاً ثــــارَهُ ... عِندَ جَديسٍ وَدَها مَن قَد دَهَا
وَلَم يُــــــقَـــــصِّر فـــــي طِـــــلابِ ثـــــارِهِ ... مُــــحَرِّقٌ مِن بَعدِهِم ولا ائتلى
وَكـــــــانَ آلى أن يُـــــــبـــــــئ مـــــــائَةً ... بِوَاحدٍ فَلَم يَمِن فيما ائتلى
فَــــــكَــــــمَّلــــــَ العِـــــدَّةَ إلا واحـــــداً ... لَم بـــــمـــــطُـــــلِ الدَهـــــرُ بِهِ ولا لَوى
فَأَلحقَ الشقي بالأشقَينَ إذ ... أَطمَعَهُ شَمُّ القُتارِ في القِرَى
وَاخــــتَلَقَ الجحَّافُ عَهداً حِيلَةً ... َوَكانَ ذا دهىٍ مَتَى يَخلق فَرَى
وَقَــــادَ جَــــيشاً غالباً لِتغلِبٍ ... قَد سَطَعَ النَقعُ عَلَيهِ وَهَبَا
حَـــــتَّى أَضـــــاقَ بــــالرَّحُــــوبِ سَــــيــــفُهُ ... بِمَن أَبارَ مِنهُم رَحبَ الفَلا
وسامَهم بالبشر يوماً عابساً ... أضـــــحـــــك كــــل ضــــبــــعٍ ذاتِ عــــثــــا
ليس الكريمُ راضياً بعيشَةٍ ... يعوقُهُ الدهرُ بها عَمَّاــ ارتضَى
ومَن يَقُل إِنَّ حياةَ المَرءِ في ... دارِ الهَــــوانِ ميتَةٌ فما غلا
ولحـــــــذارِ الذُّلِّ أَلقـــــــى نــــــفــــــسَهُ ... ذُو يَــــزَن في لُجِّ بَحرٍ قَد طما
وَقَــــد سَــــقــــى أَبُــــو بَــــراءٍ نَفسَهُ ... كأسَ الحمامِ إذ عَصَاهُ مَن عَصى
وَلَفَّ إذ رامَ الهُــــــــوىَّ مِــــــــن عَــــــــلٍ ... ثَوباً عليهِ ابنُ الأَشَجِّ وَهَوَى
مِــــن بَــــعــــدِ ما شَبَّ لَظَى وَقائِعٍ ... أَصلى بِها غُلبَ الأُسُودِ واصطَلى
وَظَلَّ بالدَيرِ يُسَاقى أَكؤُساً ... بِكُلِّ إِبريقٍ صَقِيلٍ مُمتَهى
وَقَامَ زَيدٌ مِن هِشامٍ مُغضَباً ... قَــــــد شَــــــرَّدَ الخَـــــوفُ بِهِ وَقَـــــد زَرَى
جابَ الفَلا مِن وَجَلٍ مُختَفِياً ... يَشكُو إذا تَقَرَعُهُ المَروُ الوَجَا
مُبلى عُذرٍ في اعتِزازِ نَفسِهِ ... حَتَّى ابتلاهُ رَبَّهُ بِمَا ابتَلى
وَانتَهَجَ المُصعَبُ نَهجَ مَن قَضى ... بالطفِّ مِن آلِ النبيِّ وائتَسى
وخــــاضَ بحرَ الحَربِ وَهوَ مُزبِدٌ ... حَتَّى نَعَاهُ للمعالي مَن نَعى
ولَم يَزَل هذا الزَمانُ يُبتلى بِهِ ... المُعافي ويُعافي المُبتَلى
فَكَم عَلِمنا مِن مُوَقّىً بَعدَما ... كـــــانَ مُـــــلَقَّى كُـــــلَّ ضُـــــرٍّ وَعَـــــنـــــا
وَكَم عَرَفنا مِن مُلقى بَعدَما ... كــــــانَ مُــــــوَقَّى كُــــــلَّ هَــــــمٍّ وَأَســــــى
فَقَد غَدا غيرَ جَبيرٍ عِندَما ... هِيضَ أَبو الجبرِ بِسمٍّ مُحتَسى
ثُمَّ امرُؤُ القَيسِ بنُ حُجرٍ بَعدَهُ ... قد خلعَ العَيشَ بِسمٍّ مُكتَسى
وانتَفَضَ الجُرحُ بِصَخرٍ فاشتكى ... سُقماً طَويلاً مُعيياً من قد أَسا
حَـــــتَّى لقـــــالت عِـــــرسُهُ يـــــا ليــــتَهُ ... مَيتٌ فَيُبكى أَو صَحيحٌ يُرتَجى
وَكادَتِ الخَنساءُ تَقضى نَحبَها ... مِــــن أَســــفٍ عــــليهِ لَمَّاـــ أن قَضى
وأبــــنــــتــــهُ بــــمــــراثٍ يــــحــــتــــذى ... مثالها أُخرى الليالي مَن رَثى
والدهرُ لا يُبقى على نفسٍ ولا ... يُبقى على عِلقٍ نَفيسٍ مُقتَنى
وَفــــي ادِّكــــار الحــــادِثــــاتِ عِــــبَــــرٌ ... يُسلى بِها عن مِثلِها وَيُؤتَسى
مـــــا هـــــذهِ الأَعـــــمـــــارُ إلا طُــــرقٌ ... رَواحِلُ الأَجسامِ فيها تُمتَطى
يَستَوحِشُ الإِنسانُ مِن نُقلَتِهِ ... مِنها وَيَنأى صَبرُهُ إذا انتأى
وفي انتِقال الرُوحِ عَن جُثمانِهِ ... عَن نُقلَةٍ الجِسمِ تعازَو أُسى
مَنِ ابتَغَى المَنجاةَ مِن دُنياهُ لَم ... يَبتَغِ مِن عِيشَتِهِ غَيرَ الكُفَى
مَن تُخمِلِ الأَيَّامُ بَعدَ حُظوَةٍ ... يَخمُل وَمَن تَحظِهِ دُنياهُ احتَظى
إِنَّ ثَــــــوَاءَ المَــــــرءِ فـــــي أَوطَـــــانِهِ ... عِــــزٌّ وَمــــا الغُــــربَــــةُ إلا كــــالتَّوَى
وَقَـــــلَّمـــــا بـــــانَ امـــــرُؤٌ عَــــن أرضِهِ ... إلا وبــــانَ الصَــــبــــرَ عَــــنهُ ونأى
فقد تشكى ابن مُضاضٍ مَضضاً ... مِــــن شَــــوقِهِ إلى الحــــجونِ وَالصَّفا
وكــــــابَـــــدَ الشَـــــوقَ بـــــلالٌ وَبَـــــرى ... جُثمانَهُ مِنَ السقامِ ما بَرى
وَظَــــــلَّ مِــــــن شَــــــوقٍ إلى مَــــــجَــــــنَّةٍ ... وَشامَةٍ يَشِيمُ إيماضَ المُنى
وَحَنَّ عَمرُو بنُ الوَليدِ إذ نأى ... عَن يَثرِبٍ فما صَحا ولا سلا
وبانَ عَن وادي القُرى ابنُ مَعمَرٍ ... فَــــحَــــنَّ مِــــن شَوقٍ إلى وادي القُرَى
والجُـــــمَـــــحِـــــيُّ جَـــــمــــحَ الوَجــــدُ بِهِ ... فَــــــلم يَــــــرع لِسَـــــلوَةٍ ولا ارعَـــــوَى
فَلَم يَطِب بالشَّامِ نَفساً وَطَبا ... فُــــؤادَهُ إلى الحِــــجــــازِ مــــا طَبَا
وبـــــانَ عـــــن أوطــــانِهِ ابــــن طــــالبٍ ... إذ ظَلَّ مَطلوباً بِدَينٍ مُقتَضى
فأصبَحَت مُهجَتُهُ مَقسُومَةً ... بَينَ الحُجيلاءِ وَبَينَ قَرقَرى
وَكَم تَمَنَّى وَرَجا أَن يَشتَفى ... بشَربَةٍ مِن مائِها فَمَا اشتَفَى
والمَــــرء يَــــرجُــــو والليالي تارَةً ... تُدنى وَتنئى تارَةً ما قَد رَجا
وإِنَّما يَقضى بإنجاح المُنى ... مَن قَد قَضى في كُلِّ شَيءٍ ما قضى
لا تَـــــعـــــتَـــــقـــــد أن لخــــلقِ قُــــوَّة ... إلا إذا مــــا اللَه أَعــــطاهُ القُوَى
فــــأصغرُ الأَشياءِ قد أَثَّرَ في ... اَعظمِها بالعَونِ مِن رَبِّ العُلا
قد أهلك الأُحبُوش طَيرٌ قد رَمى ... جُــــيُــــوشَهُــــم بِمَكَّةٍ بِما رَمَى
وَهــــدَّ قــــدمــــاً هُــــدهــــدٌ بــــنــــبــــإٍ ... ما كان هدهاد لِبِلقيسَ ابتَنى
وَقَـــــد أعـــــادَ الفَـــــأرُ سَـــــدَّ مَــــأرِبٍ ... دَكّاً كَأَن لَم يَبنِهِ مَن قَد بَنَى
وَأَلقَــــتِ النَــــمــــرُوذَ عَــــن كُــــرسِــــيِّهِ ... بَــــعُــــوضَــــةٌ عَــــدَت عَــــلَيهِ إِذ عَدا
وَقَــــلَّمــــا مُــــدَّ المَــــدى لِمَــــن غَــــدَا ... في الظُلمِ والعُدوانِ مَمدُودَ المَدَى
وَكَيفَ لا يَخافُ عُقبَى البَغي مَن ... رَأَى عِقابَ اللَهِ فِيمَن قَد بَغَى
قد حَفِظَ اللَهُ نِظامَ الخَلقِ في ... دُنــــياهُمُ وَلَم يَدَع شَيئاً سُدَى
فــــلَيــــسَ يُــــخلى خَلقَهُ مِن رافِعٍ ... لِمَـــــا هَـــــوى أَو راقِــــعٍ لِمــــا وَهــــى
إِمَّاـــ نَبيٌّ مُرسَلٌ بِوَحيهِ هادٍ ... وإِمَّاـــــــــ مَـــــــــلِكٌ عَـــــــــدلٌ رِضَـــــــــا
قَــــــد بَــــــدَأَ اللَهُ الهُــــــدَى بِــــــآدَمٍ ... وأَظــــهَــــرَ الخَــــيــــرَ بِهِ حَــــتَّى هَــــدَى
وأرشـــــد الخـــــلقَ بــــرُســــلٍ بــــعــــدَهُ ... هــــدوا إلى ســــبــــيلهِ كما هدى
وَجَــــمَــــعَ اللَهُ جَــــمــــيعَ هَديهِم ... وفَضلِهِم في الهاشميِّ المُصطَفى
وَخـــــلفَـــــتــــهُ فــــي الهُــــدى خَــــلائِفٌ ... بِهَديهم بَعدَ هُداهُ يُقتَدى
ثُمَّ انتَهَى كُلُّ رَشادٍ بَعدَهُم ... إلى أَميرِ المُؤمنينَ المُجتَبى
خَــــلِيــــفَــــةٌ أَحــــسَنَ للناسِ فَقَد ... جَزَاهُ بالإِحسانِ عَنهُم مَن جَزَى
نـــــادى إلى طـــــاعَــــتِهِ داعــــي هُــــدىً ... لِصَــــوتِهِ فــــي الشَــــرقِ والغَربِ نَدى
عــــادَ بِهِ الدَهــــرُ رَبــــيــــعــــاً كُــــلُّهُ ... وَقــــامَ مِــــيزانُ الزَمانِ واستَوَى
كَــــم بَينَ بَدءٍ مِن نَدَى راحَتِهِ ... وَعَــــودَةٍ سَــــرحُ الأَمَاني قد نَدا
هــــاضَ الجبيرَ مِن عِداهُ وَوَعى ... بِهِ كَسِيرُ المُعتَفِينَ وائتَسَى
ســــاقَ المُــــلوكَ بَــــعَصَا سُلطانِهِ ... فَــــكُــــلَّهُــــم صَــــيَّرَه عَبدَ العَصا
فَـــــلَو أَرادَ سَـــــوقَ خـــــاقـــــانَ بِهــــا ... لانقادَ في طاعَتِهِ وَمَا عَصَى
وَلَو أَرادَ سَــــــوقَ كِــــــســــــرى فــــــارِسٍ ... بِها ثَناهُ وَهوَ مَكسُورُ المَطا
وَلَو سَــــمَــــا بِهــــا لِضَــــربِ قَــــيصَرٍ ... لَسَــــامَهُ قَــــسراً بِها ضَربَ الجِزَى
وَلَو بِهــــــــــا أَرادَ سَـــــــــوقَ تُـــــــــبَّعٍ ... لَجـــــاءَهُ مُـــــتــــبــــعــــاً وَمــــا أبــــى
ولو نحا ناحِيَةَ الهِندِ بِهَا ... لَم يَثنِها عَنِ البَلَهرَا بَل هَرَا
يُزجى إلى الهَيجاءِ كُلَّ مُقَربٍ ... يُــــزجــــى الرَّدى إلى العُــــدا إذا رَدى
مِن كُلِّ ناضى مِخذَمٍ قد طالما ... قــــد رَتَــــقَ الفَــــتَــــقَ بِهِ وَما رَتا
وَمُـــــشـــــرِعٍ لِعــــامِــــلٍ مِــــن عــــاسِــــلٍ ... رَأى القَــــنَا أَكرَمَ ذُخرٍ فقَنا
ونازِعٍ في نَبعهِ يُصمى بِها ... حَــــبَّ القُــــلُوبِ وَالكُــــبُــــودِ وَالكُــــلَى
غالي بما أمهرَ أبكارَ العُلا ... وَمِرجَلُ الحَربِ العَوَانِ قَد غَلى
قَد فاضَ في الآفاقِ نُورُ سَعدِهِ ... وَأَلبَــــسَ الأَيَّاــــمَ حُــــسناً وَكَسَا
وَجَـــــعَـــــلَت جُـــــدُودُهُ تُـــــربــــى عَــــلى ... مــــا شَــــيَّدَت جُــــدُودُهُ مِــــنَ البــــنــــى
مِن كُلِّ مَنصُورِ الجُنُودِ ناشِرٍ ... لِلعَدلِ في الآفاقِ مَنشُورِ اللِّوَا
قــــد جَــــلَّلُوا قُــــضُــــبَهُم أَغشِيَةً ... مِن عَلَقٍ كالقُضبِ مِن تَحتِ اللِّحَا
فَأَمَّنُوا الدّنيا بترويعِ العِدا ... بالعُدوَةِ الدُنيا وفي أَقصى العِدى
قـــــادُوا إلى أَنـــــدَلُسٍ كَـــــتـــــائِبــــاً ... أَمامَها النَصرُ العَزيزُ قد قَدَى
وَجَـــــلَّلُوا شَـــــطَّ المَــــجــــازِ سُــــبَّقــــاً ... تَعدُو إلى غَزوِ الأَعادي الجَمَزَى
وَصَــــبَّحُوا الأَركَ بِجَيشٍ غَطَّ في ... آذِيِّهـــــِ أَذفُـــــنــــش لَمَّاــــ أَن غَــــطــــا
وَخَلَفُوا بالبيضِ قُرصَ الشَّمسِ في ... أَرهـــــاجِهِ حَـــــتَّى رَأَوهُ قَـــــد صَـــــغَــــا
فَـــــوَقَـــــبَ الغــــاسِــــقُ عَــــن يَــــومٍ بِهِ ... كَــــيَــــومِ ذي قــــارٍ وَيَــــومٍ الوَقَبى
بَــــل كُلُّ يَومٍ دُونَ ذاكَ اليومِ في ... مــــانَــــصَّ مِــــن غُرِّ الفُتُوحِ وَجَلا
مَا كانَ ما قَد أَنجَزَ اللَهُ لَهُم ... مِن مَوعِدِ النَصرِ حَديثاً يُفتَرى
فَـــــلَم يَـــــدَع جِهــــادُهُــــم للشِّركِ مِــــن ... دارٍ وَلَم يَــــتــــرُك لَهُــــم مِــــن مُــــدَّرَى
ثُــــمَّ دعــــاهُــــم رَبُّهُم فابتدَرُوا ... إلى مَــــحَــــلِّ القُربِ مِنهُ وَالرِضَا
وأًبــــحت من بَعدِهِم فَريسَةً ... لِمَــــن بَــــغى وَفُرصَةً لِمَن بَعَا
وَآضَ ما قَد كانَ مِنها خافياً ... بَعدَ الظُهُورِ ظاهِراً بَعدَ الخَفَا
لَهــــفــــي لذكــــرى مَــــعــــهَدٍ عَهِدتُهُ ... يُــــــراحُ للأُنــــــسِ بِهِ وَيُــــــغـــــتَـــــدى
غَصَّ امتلاءً بالرويمِ عِندَ ما ... أَقـــــفَـــــرَ مِـــــن أُمِّ الرُّوَيـــــمِ وَخَــــلا
تُلقى بِهِ أُمُّ السُبيعِ بَعدَما ... كانَت بِهِ أُمُّ الخشيفِ تُلتَقى
أَخـــــــلى ذراهـــــــا اللَهُ مِــــــن أُلافِهِ ... مِن بَعدما أَنمى بِها اللَه الذَرا
دعــــا الغُــــرابُ بِبنِيهِ وَبنى ... جَــــلوى فَلبَّته لِيَجلُو من جَلا
كَـــــأَنَّمـــــا لِحــــيــــاهُ شِــــقّــــا قَــــلَمٍ ... فَــــأي بِــــسِكِّينٍ شَبَاهُ مَن فَأَى
مَتى يُبايِن أَحَدُ الشِّقَينِ مِن ... صــــاحِــــبِهِ أَثــــبَــــتَ بَيناً وَوَحى
فَأَنشَأت أَيدي الجِيادِ فَوقَها ... غَيماً كثيفاً غَيرَ شَفَّافِ الرَّحى
قــــد طــــبّــــقَ الآفــــاقَ مــــن أنــــدلُسٍ ... ودار فـــــي أرجـــــائهــــا دورَ الرحــــى
فَأَشرَقَ الشَرقُ بما أَشجى الملا ... وَمـــــــا أَغَـــــــصَّ كُــــــلَّ جَــــــوٍّ وَمَــــــلا
فَصَيَّرَ البَيضاءَ بَرقُ بِيضِها ... وَزُرقِها تَشكُو الخَلاءَ وَالجَلا
وَدَمَّرَت تُــــدمــــيــــرَ سُــــحبُ فِتنَةٍ ... وَبارِقٌ مِن مَطلَعِ البَغي بَغَى
وَمَحَقَت قُرطُبَةً كَمِثلِ ما ... قَد مَحَقَ البَدرَ السِرَارُ وَمَحا
وَصـــــارَ للوَحـــــشـــــةِ كُـــــلُّ مَـــــنـــــزلٍ ... قَد كانَ للأُنسِ بِحمصَ يُعتَرى
واختَرَمَت وُسطَى الثُغور وثبةٌ ... مِــــن كُــــلِّ ضارٍ طالما دَبَّ الضَرا
طُــــوفــــانُ هَيجاءِ أطافَ هَيجُهُ ... بــــهــــا فــــلم يــــدع عَرىً إلا عَرا
وَفِتنَةٌ عَمياءُ سالَ سَيلُها ... فَفَضَّ شَملَ المُسلمينَ وَعَمى
فَـــــمِـــــن رَدٍ طـــــاحَ جُـــــفــــاءٌ فَــــوقَهُ ... وَمُــــفــــلِتٍ بِهِ المِهَــــادُ قَــــد جَــــفَــــا
فَكَم صَدىً فِيها وَهامٍ مُجتَلى ... يَشكُو الصَدى ما بينَ هامٍ مُختَلى
وَتَسأَلُ الأَسيافَ فِيها رَيَّها ... هــــامٌ جَواثٍ فَوقَ هامٍ في جُثى
أَضحَت لِسَانُ الحال تُملي شَجوَها ... فــــي كُــــلِّ حَــــفــــلٍ وَعَــــلى كُلِّ مَلا
فَقَد بَكَت أَنهارُها بِمَدمَعٍ ... هامٍ مِنَ الوَجدِ لِهامٍ ما ارتوى
فالنَهَرُ الأبيضُ يُبكى شَجوَهُ ... بِكُلِّ دَمعٍ مُستَفيضٍ ما رَقا
وَقَد بَكى النَهرُ الكَبيرُ صِنوُهُ ... إذ لم يُطِق يُروى صدى هامٍ زَقَا
وَكادَ شُقرٌ أَن يَغيضَ عِندَما ... غِيظَ بِعَيث الشُقرِ في كُلِّ عَرَى
وَأَنَّ وادي أَنَّةــــــــــٍ فـــــــــي غَـــــــــربِهِ ... وَغَــــــربُهُ مـــــلآنُ مـــــن دَمـــــعٍ جَـــــرى
وَوَاديا الثغرِ المُنيفِ تاجُهُ ... وإِبــــرهُ كِــــلاهُــــما قد اشتك ى
وقــــد شكى الثَغرُ صداهُ وَلَهاً ... والماءُ مِنهُ بَينَ ثَغرٍ وَلَها
وَكَم بِها مِن سِلكِ نهرٍ قد حَوى ... كُرسِيَّ مُلكٍ سِمطُهُ فيما حَوَى
قَــــد نَــــدَبَــــت أَمــــصــــارُهُ أَنصارَهُ ... إذ لا أَذَاةَ مِــــن عَــــدُوٍّ تُــــشــــتَكى
فَــــيــــا لَهَــــا مِــــن دُرَرٍ تُــــخُــــرِّمَــــت ... بِالغُرِّ مِن دُرِّ السُلُوكِ تُفتَدى
أَضحت عَلى أَيدي العِدا مَنثُورَةً ... وَأَرخَصَ الإِشراكُ مِنها ما غَلا
واحــــتُــــوِيَت ذَخائِرُ الدِّينِ الَّتي ... قَد طالَ ما أَعيا العِدا أَن تُحتَوى
وَلَو سَــــمــــا خَــــليــــفَــــةُ اللَهِ لَهَــــا ... لافتَكَّهَا بالسيفِ مِنهُم وافتَدَى
ففي ضمانِ سَعدِهِ مِن فَتحِهَا ... دَينٌ عَلى طَرفِ العَوالي يُقتَضى
فَـــــقَـــــد أَشــــادَت أَلسُــــنُ الحــــال بِهِ ... حيَّ على استفتاحِهَا حَيَّ عَلى
أَثأى العِدا ما كانَ مَرؤُوباً بِهَا ... وَهــــوَ الَّذي يُــــرجَــــى بِهِ رَأَبُ الثَــــأى
يُــــزجــــى إِلَيــــها كُلَّ رِيحٍ زَعزَعٍ ... عاتِيَةٍ عاصِفَةٍ بِمَن عتا
تَجلُو طَخاريرَ العِدا عَن أُفقِها ... وَتَطخَرُ الأَقذاءَ عنها وَالطَّخَا
تُبكى الأَعادي بَعدَ طُولِ ضِحكِها ... وَتُضحِكُ الأَضبُعَ مِن بَعدِ الضَهى
كَـــــتـــــائِبٌ قَــــد ظَــــلَّلَت رايــــاتُهــــا ... عَــــراعِــــرَ القَومِ وَأَشجارَ العُرى
كَم لَيثِ بَأسٍ فَوقَ طَرفٍ قَد سَطَا ... فِيها وَطِرفٍ تَحتَ لَيثٍ قَد سَطا
لَو شامَتِ الأَذواءُ مِنها بَرقَةً ... لآبَ ذُو الأَذعــــارِ مَذعُورَ الحَشى
وَطَأطَأَ الرَأسَ المَنارُ المُعتَلى ... لِعِزِّ مُلكٍ قَد تَسامى واعتَلى
وَأَصـــــــبَـــــــحَ الرَائِشُ غَــــــيــــــرَ رائِشٍ ... سَهـــــمـــــاً وَلا مُــــفَــــوِّقٍ لِمــــا بَــــرَى
وَذَلَّلَت ذا يَــــزَنٍ بــــمــــا انــــتَــــمَــــى ... إلَيهِ مِن سُمرِ الرِماحِ واعتَزَى
وَأَبـــــــدَلَت ذا جَـــــــدَنٍ مِــــــن نُــــــونِهِ ... ثــــــــاءً وَأَدَّتـــــــهُ إلى وَشـــــــكِ الرَدى
قد أصبحت دَولَتُهُ تَختالُ مِن ... إِقبالِهِ في جدَّةٍ لا تُنتَضَى
مــــا زالَ يُــــملى المَلوانِ نَصرَهُ ... وَسَيفُهُ يَختَطُّ ما يُملى المَلا
خَــــطَّ النَــــدَى فــــي كَفِّهِ خَطّاً بِهِ ... ذِكرُ سماحِ حاتِمٍ قَد امتحى
كَــــم آَضتِ الأَنضاءُ في مَسرَحِهِ ... بُــــــدنــــــاً وَكَـــــم آلت بـــــهِ إلى أَلى
وَلَوعَــــدَتــــهُ كانَ يَشكُو ظاهِرٌ ... مِنها الضَوى وَباطِنٌ يَشكُو الصَوَى
فَــــكَــــم سَــــرَى رَكــــبٌ مُخِفٌّ نَحوَهُ ... وَآبَ عَــــنــــهُ مُثقلاً بِما سَرَى
وَكَم حَبا الناسَ وَكَم أَسدى لَهُم ... مِــــن نــــائِلٍ وَكَــــم أَنــــالَ مِن سَدَى
رَخَا بِهِ ما اشتَدَّ مِن عَيشِهِمِ ... وَاشتَدَّ مِن عَيشِ العُداةِ مارَخَا
إِذا بَغَى الدَهرُ فَأَمسى جارحاً ... أَســــا نَــــداهُ كُــــلَّ جُرحٍ قَد بَغى
فَكَم شَفى من أَنفسٍ مَكلومَةٍ ... بالدَهرِ قد أَعيا الإسا فيها الأَسا
يَأسُو بآلافِ النضارِ كَلمنا ... مَن يَحسِبُ القِنطارَ مِنهُ كالمَنا
طــــاعَــــتُهُ مِــــن طاعَةِ اللَهِ فَمَن ... دَعــــــا إلى هــــــذي إلى تـــــلك دَعَـــــا
وَطـــــاعَـــــةُ اللَهِ أَجـــــلُّ نِـــــعـــــمَـــــةٍ ... حَقيقَةٍ لذاتِها أَن تُبتَغى
لَيسَ السَعيدُ غَيرَ مَن أَسعَدَهُ ... إِلهُهُ بــــالعَــــفــــوِ عَــــنــــهُ وَالرِضــــا
ولا الســــخــــيُّ غــــيــــرَ مــــن بــــذاتِهِ ... قَــــد جــــادَ فــــي ذاتِ الإِلهِ وَسَــــخــــا
مَن اشتَرى الباقي بالفاني يَفُز ... بِهِ وَيَحمَد رَأيَهُ فيما اشتَرى
يــــأَيُّهــــا الإِنــــسانُ إني ناصِحٌ ... فاستمِع النُصحَ وَكُن مِمَّنــ وَعَى
لا تَغتَرِ بالعُمرِ واعلم أَنَّ ما ... لَم يَمضِ مِن أَيَّامِهِ كَما مَضى
وَكـــــلُّ مـــــالا بُــــدَّ مِــــن إِتــــيــــانِهِ ... وَكــــــونِهِ فــــــإِنَّهـــــُ كَـــــمَـــــا أَتـــــى
لا بُدَّ أن يَنتهى المَرءُ إلى ... مـــــا قَـــــدَّرَ اللَهُ عــــليــــهِ وَقــــضــــى
وَعِــــلمُ مــــا يَــــصــــيــــرُ كُــــلُّ كــــائِنٍ ... إليهِ شيءٌ عَن بَني الدُنيا انطَوَى
لَم يَأمُرِ النَفسَ بِرُشدٍ غَيرُ مَن ... نَهــــنَهَهــــا عَــــنِ الهَــــوَى وَمَن نَهَى
لا تَـــــلهَ فـــــي وُجُـــــودِكَ الأَوَّلِ عَـــــن ... وُجُودِكَ الثاني وَنَهنِهِ مَن لَهَا
فالمَرءُ ما بَينَ وُجُودَينِ وَمَن ... ظَــــنَّ الوُجُــــودَ واحِــــداً فَــــقَد سَها
وَكُــــلُّ نَــــفــــسٍ ذاتُ وَجــــهَــــينِ بَدَا ... مَرآهُما لِلعَينِ من حضيثُ اختَفَى
فَــــــوجـــــهُهـــــا الأَعـــــلى لَهُ تَـــــأثُّرٌ ... لِما عَلَيهِ فاضَ مِن نُورِ النُّهَى
وَوَجـــــــهُهـــــــا الأدنــــــى لَهُ تَــــــأثُّرٌ ... لِمَــــا عَــــلَيهِ رانَ من حُبِّ الدُّنى
فَــــمَــــن ســــمــــا بذاتِهِ إلى العُلا ... زادَ كَــــــمــــــالاً لكــــــمَـــــالٍ وَزَكـــــا
وَمَــــــن هَــــــوَى بـــــذاتِهِ إلى الهَـــــوى ... زادَ بِهِ نَـــــقـــــصــــاً لنــــقــــصٍ وَدَســــا
فاحرص على وُجُودِكَ الباقي وَدَع ... ما لَيسَ يَبقى وَاقله فِيمَن قَلى
ولا تَــــحِد عَن سَنن السُّنَّةِ في ... حالٍ وَكُن مِمَّنــ بِأَهلِها اقتَدى
وَخُــــــذ مِــــــن الآراءِ بــــــالرَأي الذي ... وافــــقَ قولَ اللَهِ واترُك ما عَدا
واحزم على الخَيراتِ واعمَل واعتَدِل ... ولا تَكُن مِمَّنـــ تَعَدَّى واعتَدى
نَظَمتُها فَرِيدَةً في حُسنِها ... مَنظُومَةً نَظمَ الفَريدِ المُنتَقى
تَخطبُ بالأنفُسِ أَعلاقٌ لَها ... نَفيسَةٌ بِكُلِّ عِلقٍ تُفتَدى
تَخيَّرَ اللفظَ الفصيحَ خاطري ... لها ولم يحفل بحوشيِّ اللغى
قــــلدَهــــا من المَعاني حليةً ... وزَفَّهــــــا إلى المَــــــعــــــالي وَهَــــــدى
نحوتُ في النُقلَةِ في أَغراضِها ... مذاهباً أعيت على من قد نحا
فاختلفَت أغراضُها وائتلَفَت ... بالمَذهَبِ المَقصُودِ فيها المُنتحى
وانتَسَبَ المَعَنى بلُطفِ حيلةٍ ... فيها إلى المَعنى الذي مِنهُ انتَفَى
نَظَمَها ابنُ حازمٍ وَقَد نَمَى ... نَسِيبَها لابن حِزامٍ مَن نَمى
وَقد عَزا الإِحسانَ في أَمثالِها ... لابنِ الحُسَينِ أحمَدٍ مَن قَد عَزا
بَدَأتُها باسم الَّذي خَتَمتُها ... بِــــــحَــــــمــــــدِهِ جَــــــلَّ الإِلهُ وَعَــــــلا
فالبَدءُ باسم اللَهِ أَولى ما بِهِ ... عِندَ افتتاحِ كلِّ امرٍ يُعتَنى
والحَــــــمــــــدُ لِلّهِ أجــــــلُّ غــــــايــــــةٍ ... يُبلَغُ بالقَولِ لَها وَيُنتَهَى
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.
تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- اطلاع: طلع: طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْفَجْرُ وَالنُّجُومُ تَطْلُعُ طُلُوعاً ومَطْلَعاً ومَطْلِعاً، فَهِيَ طالِعةٌ، وَهُوَ أَحَد مَا جَاءَ مِنْ مَصادرِ فَعَلَ يَفْعُلُ عَلَى مَفْعِلٍ، ومَطْلَعاً، بِالْفَتْحِ، لُغَةٌ، و … (لسان العرب)
- انتهاء: أنت: الأَنِيتُ: الأَنِينُ؛ أَنَتَ يَأْنِتُ أَنِيتاً، كَنَأَتَ، وسيأْتي ذِكْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ. أَبو عَمْرٍو: رَجُلٌ مَأْنُوتٌ، وَقَدْ أَنَته الناسُ يأْنِتونه إِذا حَسَدُوه، فَهُوَ مَأْنُوتٌ، وأَنِيتٌ أَي مَحْسُودٌ، والل … (لسان العرب)
- تحقيق: حقق: الحَقُّ: نَقِيضُ الْبَاطِلِ، وَجَمْعُهُ حُقوقٌ وحِقاقٌ، وَلَيْسَ لَهُ بِناء أَدْنَى عدَد. وَفِي حَدِيثِ التَّلْبِيَةِ: لبَّيْك حَقّاً حَقًّا أَيْ غَيْرَ بَاطِلٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ أَيْ أَنَّهُ أكَ … (لسان العرب)
- عجبي: عجب: العُجْبُ والعَجَبُ: إِنكارُ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ لقِلَّةِ اعْتِيادِه؛ وجمعُ العَجَبِ: أَعْجابٌ؛ قَالَ: يَا عَجَباً للدَّهْرِ ذِي الأَعْجابِ، ... الأَحْدَبِ البُرْغُوثِ ذِي الأَنْيابِ وَقَدْ عَجِبَ مِنْهُ يَعْجَبُ عَج … (لسان العرب)
- فخلت: خلت: الأَزهري فِي تَرْجَمَةِ حَلَتَ: اللَّيْثُ: الحِلْتِيتُ الأَنجَرُذُ؛ وأَنشد: عَلَيْكَ بقُنْأَةٍ، وبسَنْدَرُوسٍ، ... وحِلْتِيتٍ، وشيءٍ مِنْ كَنَعْدِ قَالَ الأَزهري: هَذَا الْبَيْتَ مَصْنُوعٌ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ؛ وَا … (لسان العرب)
- كونها: كون: الكَوْنُ: الحَدَثُ، وَقَدْ كَانَ كَوْناً وكَيْنُونة؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ وَكُرَاعٍ، والكَيْنونة فِي مَصْدَرِ كانَ يكونُ أَحسنُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَقُولُ فِي ذَوَاتِ الْيَاءِ مِمَّا يُشْبِهُ زِغْتُ وسِرْ … (لسان العرب)
- نقيض: قيض: القَيْضُ: قِشرةُ البَيْضة العُلْيا اليابسةُ، وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي خَرَجَ فرْخُها أَو مَاؤُهَا كلُّه، والمَقِيضُ موضِعُها. وتَقَيَّضَتِ البيضةُ تَقَيُّضاً إِذا تَكَسَّرَتْ فَصَارَتْ فِلَقاً، وانْقاضَت فَهِيَ مُنْقاض … (لسان العرب)