من «نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد» لمحمد بن عبد القادر الجزائري (ت ١٣٣١هـ)
الفصل الأول في تعوت الخيل الممدوحة
وقد التزمت أن أذكر لكل وصف شاهداً من كلام العرب إما نظماً أو نثراً، وأن استقصي أوصافها تفصيلاً أو إجمالاً
ذكر الأصمعي أن ثلاثة من العرب لا يقاربهم أحد في وصف الخيل: أبو دؤاد، والطفيل، والجعدي، فأما أبو دؤاد فكان على خيل النعمان بن المنذر، والطفيل كان يركبها وهو أعزل إلى أن كبر، والجعدي سمع أوصافها من أشعار أهلها فأخذها عنهم، وقال أبو عبيدة: إن أبا دؤاد أوصف الناس للفرس في الجاهلية والإسلام وبعده طفيل الغنوي والنابغة الجعدي، وقال عمر بن شيبة: كان أبو عبيدة عالماً بأوصاف الخيل وكان يقول: ما التقى فرسان في جاهلية ولا إسلام إلاّ عرفتهما وعرفت فارسيهما. وعن ابن الأعرابي قال: لم يصف أحد قط الخيل إلاّ احتاج إلى أبي دؤاد، والخمر إلاّ احتاج إلى أوس بن حجر، ولا النعامة إلاّ احتاج إلى علقمة بن عبدة، ولا الاعتذار في الشعر إلاّ احتاج إلى النابغة.
وروى المسعودي عن محمد بن عبد الله الدمشقي قال: "لما انحدرنا مع المتقي بالله من الرحبة وسرنا إلى مدينة غانه فدعا بالرقي وغلامه للمسامرة فاتصل بهما الحديث إلى ذكر الخيل فقال المتقي أيكم يحفظ خبر سلمان بن ربيعة الباهلي، قال الغلام: ذكر عمرو بن العلاء أن سلمان كان يهجن الخيل ويعديها في زمن عمر بن الخطاب ﵁، فجاءه عمرو بن معدي كرب بفرس كميت فهجنه فاستعدى عليه عمرو وشكاه إليه فقال سلمان ادع بإناء رحراح قصير الجدر، فدعا به، فصب فيه ماء، ثم أتى بفرس عتيق فمد عنقه وشرب ثم أتي بفرس عمرو الذي هجن فمد عنقه كما فعل العتيق ثم ثنى أحد السنبكين قليلاً فشرب فلما رأى ذلك عمر ﵁ قال أنت سلمان الخيل. أقول: ومن العلامات أيضاً أن العتيق يضع منخريه في الماء حين الشرب، وغيره يضع طرف منخره فيه - ثم قال المتقي: فما عندكم عن علماء العرب في صفاتها؟ قال الرقي: ذكر الرياشي عن الأصمعي قال: إذا كان الفرس طويل أوظفة اليدين قصير أوظفة الرجلين طويل الذراعين قصير الساقين طويل الفخذين والعضدين منفرج الكتفين، لم يكن يسبق وإذا سلم منه شيئان لم يضرع عيب، عنقه مغروز في كاهله، ومغروز عجزه في صلبه، وإذا جادت حوافره فهو هو". وأنشد المبرد:
ولقد شهدت الخيل تحمل شكتيعنه كسرحان القضيمة مهنب
فرس إذا استقبلته فكأنهفي العين جذع من أوائل مشرب
وإذا اعترضت له استوت أقطارهفكأنه مستدبر المتصوب
وسأل معاوية بن أبي سفيان مطر بن دراج فقال له: "أخبرني أي الخيل أفضل وأوجز. فقال: الذي إذا استقبلته قلت نافر، وإذا استدبرته قلت زاخر، وإذا استعرضته قلت زافر، سوطه عنانه، وهواه أمامه". (الزاخر: المشرف العالي، والزافر: عظيم الجنبين). وكان لعمرو بن معدي كرب فرس تسمى الكاملة من بنات البعيث، فعرضها على سلمان بن ربيعة فهجنها، فقال عمرو: أجل هجين يعرف الهجين وقال:
يهجن سلمان بنت البعيث جهلاً لسلمان بالكامله
فإن كان أبصر مني بهافأمي لا أمه هابله
فبلغ ذلك عمر ﵁ فكتب إليه: بلغني ما قلت لأميرك، وبلغني أن لك سيفاً تسميه الصمصامة، وعندي سيف اسمه مصمصم، وابم الله لئن وضعته على هامتك لا أقلعه حتى أبلغ رهايتك فإن سرك أن تعلم ما أقول فأعد (الرهاية: عظم في الصدر بشرف على البطن). وحكى أبو عمرو بن العلاء قال: كان لرجل من مقاول حمير ولدان عمرو وربيعة، وقد برعا في العلم والأدب، فلما بلغ أبوهما أقصى عمره، وأشفى على الفنا، دعاهما ليبلو عقلهما ويعرف مبلغ علمهما، فلما حضرا لديه، سألهما عن أشياء، من جملتها عن الخيل قال: فأخبرني يا عمرو أي الخيل أحب إليك عند الشدائد إذا التقى الأقران للتجالد؟ قال: الجواد الأنيق، الحصان العتيق، الكفيت العريق، الشديد الوثيق، الذي يفوت إذا هرب ويلحق إذا طلب قال والله نعم الفرس نعت، فما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أحب إلي منه. قال: فما هو؟ قال: الحصان الجواد الثبت القياد الشهم الفؤاد، الصبور إذا سرى، السابق إذا جرى، قال: فأي الخيل أبغض إليك يا عمرو؟ قال: الجموح الطموح النكول الأنوح الصردل الضعيف، الملول العنيف الذي إذا جاريته سبقته. قال ما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أبغض إلي منه. قال وماهو؟ قال البطيء الثقيل، الذي إذا ضربته قمص، وإن دنوت منه شمص، يدركه الطالب، ويفوته الهارب، ويقطع بالصاحب، وغيره أبغض إلي منه قال: فما هو؟ قال الجموح الخبوط، الركوض الشموص الضروط، القطوف في الصعود والهبوط، الذي لا يسلم الصاحب ولا ينجو من الطالب.
وقيل لأعرابي صف لنا الجواد من الخيل فقال: إذا اشتد نفسه ورحل متنفسه، وطال عنقه واشتد حقوه، وأبهر شدقه، وعظمت فصوصه، وصلبت حوافره فهو من الجياد. وسئل غيره عنه فقال: إذا عدا اسعلب وإذا قيض اجلعب وإذا انتصب اتلأب أي إذا ركض كان كالسابح (وقوله اجلعب أي مضى وجد في سيره وقوله اتلأب أي استقام) قال أبي بن سلمى الضبي:
وخيل تلافيت ريعانهابعجلزة جمزى المدخر
جموم الجراء إذا عوقبتوإن نوزقت برزت بالحضر
سبوح إذا اعترضت في العنانمروح ململمة بالحجر
دفعن على نعم بالعراق من حيث أفضى به ذو شمر
فلو طار ذو حافر قبلهالطارت ولكنه لم يطر
وعرضت على ابن قيصر من بني أسد بن خزيمة خيل فأومأ إلى بعضها وقال تجيء هذه سابقة. فسئل ما الذي رأيت فيها؟ فقال: رأيتها مشت فكتفت، وخبت فرجفت، وعدت فنسفت، فجاءت كما قال سابقة. وسئلت ابنة الخس: أي الخيل أحب إليك؟ فقالت: ذو المائعة الصنيع، السليط التليع، الأيد الضليع، الملهب السريع، فقيل لها: أي الغيوث أحب إليك؟ قالت ذو الهيدب المنبعق، الأضخم المؤتلق، الصخب المنبثق. (قولها: المائعة: ناصية الفرس إذا طالت وسالت، والصنيع السمين والسليط الشديد، والتليع الرافع رأسه والأيد القوي والصليع شديد الأضلاع، والملهب مثير الغبار في عدوه، والسريع ما يكون في أوائل الخيل، والهيدب السحاب المتدلي، والمنبعق المنبعج بالمطر، والأضخم الثقيل، والمؤتلق البرق اللامع، والصخب شدة الصوت، والمنبثق المنفجر.
وقيل لها: ما مئة من المعز؟ قالت: مويل يشف الفقر من ورائه، مال الضعيف وحرفة العاجز، قيل لها فما مئة من الضأن؟ قالت: قرية لا حمى لها، قيل لها فما مئة من الإبل؟ قالت: بخٍ جمال ومال ومنى الرجال، قيل لها: فما مئة من الخيل؟ قالت طغى من كانت له ولا توجد، قيل لها فما مئة من الحمر؟ قالت: عارية الليل وخزي المجلس، لا لبن لها فيحلب، ولا صوف فيجز، إن ربط عيرها أدلى، وإن ترك ولى. واجتمع خمس جوار من العرب وقلن: هلمن ننعت خيل آبائنا، فقالت الأولى: فرس أبي وردة، وما وردة؟ ذات كفل مزحلق، ومتن أخلق، وجوف أخرق، ونفس مروح، وعين طروح، ورجل ضروح، ويد سبوح، بداهتها إهداب، وعقبها غلاب.
وقالت الثانية: فرس أبي اللعاب، وما اللعاب، غيبة سحاب، واضطرام غاب، مرقص الأوصال، أشم القذال، ملاحك المحال، فارسه مجيد، وصيده عتيد، إن أقبل فظبي معاج، وإن أدبر فظليم هداج، وإن أحضر فعلج هراج.
وقالت الثالثة: فرس أبي خدمة، وما خدمة؟ إن أقبلت فقناة مقومة، وإن أدبرت فأثفية ململمة، وإن أعرضت فذيبة معجرمة، أرساغها مترقصة، وفصوصها ممحصة، جريها انشرار، وتقريبها انكدار.
وقالت الرابعة: فرس أبي خيفق، وما خيفق؟ ذات ناهق معرق، وشدق أشدق، وأديم مملق، لها خلق أشرف، ودسيع منفنف وتليل مسيف، وثابة ولوج، خيفانة رهوج، تقريبها إهماج، وحضرها ارتعاج.
وقالت الخامسة: فرس أبي هذلول؟ طريده محبول، وطالبه مشكول، دقيق الملاغم، أمين المعاقم، عبل المحزم، مخد مرجم، منيف الحارك، أشر السنابك، مجدول الخصائل، سبط الغلائل، معوج التليل، صلصال الصهيل، أديمه صاف، وسبيبه ضاف، وعلوه كاف.
فوردة في كلام الأولى: اسم الفرس، والمزحلق: الأملس، والأخلق: ناعم الجلد، والأحرق: واسع البطن، والمروح: السهل، والطروخ: حديد البصر، والضروح: قوة الجري التي تمد يديها في الجري كما يمد السابح في الماء يديه، والإهداب: نوع من الركض، والغلاب: إدامة الجري بلا تعب، والسحاب في قول الثانية: المطر، أي هو كالمطر في شدة الجري، ومرقص الأوصال: أي محكم الأعضاء، والقذال: محل عقد العذار، أي: مرتفعه، وملاحك المحال: أي متقارب فقرات الظهر، والظبي المعاج: الغزال المسرع، أي أنه كالظبي إذا أقبل، وكالظليم إذا أدبر، وكحمار الوحش إذا أحضر. والأثفية الململمة في قول الثالثة: أي الحجرة المدورة والمعجرمة المسرعة. والناهق في قول الرابعة: العظم الشاخص في الخد، والمعرق: قليل اللحم وأديم مملق: أي ناعمة الجلد، والدسيع: مركب العنق في الحارك، وثابة ثلوج: أي سريعة الوثب، وخيفانة رهوج: أي كالجرادة في سرعة جريها، والإهماج: أسرع العدو. والملاغم في قول الخامسة: الحجافل، والمعاقم المفاصم ومخد مرجم: أي قوي على السير كأنه يشق الأرض بحوافره.
وقال ابن الأثير: وطالما امتطيت صهوة مطهم فغنيت عن نشوة الكميت من ذات نهد يسابق الريح فيغبر وجهها دون شق غباره، وإذا ظهر عليها رجعت حسرى في مضماره، نسب إلى الأعوج وهو مستقيم في الكر والفر وقد حنقت عليه عين الشمس إذ لا يمكنها أن ترسم ظله على الأرض إذا مر، ليلي الإهاب لطم جبينه الصباح ببهائه، فعدا عليه وخاض يقتص منه في أحشائه كما قال ابن نباتة السعدي:
وكأنما لطم الصباح جبينهفاقتص منه فخاض في أحشائه
وقد أغتدي عليه والطير في وكناتها فلايفوتني الأجدل
وإذا أطلقته لصيد الوحوش رأيتني على منجرد قيد الأوابد هيكل وقال في وصف فرس: له من العربية حسب ومن الكردية نسب فهو من بينهما مستنتج لا ينتسب إلى خبيب ولا إلى أعوج. ومن صفاته أنه رحب اللبان، عريض البطان، سلس العنان، ينثني على قدر الطعان، وعلى قدر الكرة والصولجان، قد استوت حالاته قادماً ومتأخراً، وإذا أقبل خلته مرتفعاً وإذا أدبر خلته منحدراً كأنه في حسنه دمية محراب، وفي خلقه ذروة هضاب، وهو في سباقه ولحاقه مخلق بخلق المضمار وبدم الصراب والصوار فهو منسوب إلى ذوات القوادم، وإن كان محسوباً في ذوات القوائم، كأنما ثنى لجامه على سالفة عقاب وشد حزامه على بارقة سحاب، فقوله لا يتنسب إلى خبيب ولا إلى أعوج فالأول فرس كريم للأكراد والثاني فرس مشهور من العراب).
وكتب عبد الله بن طاهر إلى المأمون: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بفرس يلحق الأرانب في الصعداء، ويجاوز الظباء في الاستواء، ويسبق في الحدور جري الماء كما قال تأبط شراً:
ويسبق وقد الريح من حيث تنتحيبمنخرق من شدة المتدارك
وقال محمد بن الحسن في وصف فرس: حسن القميص، جيد الفصوص، وثيق القصب، نقي العصب، يبصر بأذنيه، ويتبوع بيديه، ويداخل برجليه، كأنه موج في لجة، أو سيل في حدور، يناهب المشي قبل أن يبعث ويلحق الأرانب في الصعداء ويجاوز جواري الظباء في الاستواء ويسبق في الحدور جري الماء إن عطف جار وإن أرسل طار وإن كلف السير أمعن وسار وإن حبس صفن، وإن استوقف قطن، وإن رعي ابن.
وقال ابن المعتز: ساد فلان في جيوش عليهم أردية السيوف وأقمصة الحديد، وكأن رماحهم قرون الوعول، وكأن أدراعهم زبد السيول، على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمد بالنقع سرادقها، قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الورق، وأمسكها تحجيل كأنه إسورة اللجين، وقرطت عذاراً كأنها الشنف، تتلقف الأعداء أوائله ولم تنهض أواخره، قد صب عليهم وقار الصبر، وهبت معهم ريح النصر.
وسئل أعرابي عن سوابق الخيل فقال: إذا مشى ردى وإذا عدا دحا، وإذا استقبل أقعى وإذا استدبر حبا، وإذا اعترض استوى (دحا: انبسط على الأرض، وأقعى: تساند إلى وراء، والحبو: ارتفاع المنكبين إلى العنق).
وروي أن رجلاً خرج في الشهر الحرام لحاجة، فدخل في الحل فطلب رجلاً يستجير به، فرأى أغلمة يلعبون فقال لهم: من سيد هذا الحي؟ فقال له غلام: هو أبي. قال: ومن أبوك؟ قال باغث بن عويص، قال: صف لي بيت أبيك. قال: بيت كأنه حرة سوداء أو غمامة جماء بفنائه ثلاثة أفراس: أما أحدهم فمفزع الأكتاف، متماحل الأكناف، متماثل الأطراف؛ وأما الآخر فذيال جوال صهال أمين الأوصال أشم القذال؛ وأما الثالث فمغار مدمج محبوك مجملج كالقهق الأدعج، فمضى الرجل حتى انتهى إلى الخباء وقال: يا باغث جار علقت علائقه، واستحكمت وثائقه، فخرج إليه وأجاره.
وروي أن شاباً ابتاع فرساً فجاء إلى أمه، وقد كف بصرها، وقال: يا أماه قد اشتريت فرساً فقالت: صفه لي. قال: إذا استقبل فظبي ناصب وإذا استدبر فهقل خاضب، وإذا استعرض فسيد قارب، مؤلل المسمعين، طامح النظرين، فقالت: أجدت إن كنت أعربت، قال: إنه مشرف التليل، سبط الخصيل، وهواه الصهيل، فقالت: أكرمت فارتبط. وحكى زهير بن حباب أن علقمة بن جندل الطعان أغار على عبد الله بن كنانة بن بكر وهم بعسفان، فقتل عبد الله بن هبل ومالك بن عبيدة وصريم بن قيس بن هبل، وأسر مالك بن عبد الله بن هبل وأفلت من أفلت، فأقبلت جارية من عبد الله بن كنانة فقالت لزهير: يا عماه! ما ترى ما فعل أبي؟ قال: وعلى أي فرس كان أبوك؟ قالت: على شفاء ثفاء طويلة الإنقاء تمطق الشيخ بالمرق. قال: نجا أبوك. ثم أتته أخرى وقالت: يا عماه ما ترى ما فعل أبي؟ قال: وعلى أي فرس كان؟ قالت: على طويل بطنها قصير ظهرها هاديها شطرها يكبها حضرها فقال: نجا أبوك. ثم أتتع بنت مالك بن عبيدة فقالت: يا عماه ما ترى ما فعل أبي؟ قال: وعلى أي فرس كان؟ قالت: على الكزة الأنوح، التي يكفيها لبن اللقوح، فقال: هلك أبوك. فقال رجل: ما أسوأ بكاها فقال: لا تعلم اليتيم البكا فأرسلها مثلاً.
وروى أبو الفرج الأصبهاني أن خالد بن كلاب أتى النعمان بن المنذر بفرس فوجد عنده الحارث بن ظالم والربيع بن زياد فقبله منه وأكرمه فقام الحارث وقد له فرسه وقال أبيت اللعن نعم صباحك وأهلي فداؤك، هذا فرس من خيل بني قرة فلن تؤتى بفرس يشق غباره، إن لم تنسبه انتسب، كنت ارتبطه لغزو بني عامر بن صعصعة، فلما أكرمت خالداً أهديته إليك، فقام الربيع بن زياد وقدم له فرسه ثم قال: أبيت اللعن نعم صباحك وأهلي فداؤك، هذا فرس من خيل بني عامر ارتبطت أباه عشرين سنة لم يخفق في غزوة، ولم يعتلك في سفر، وفضله على هذين الفرسين، كفضل بني عامر على غيرهم، فغضب النعمان عند ذلك وقال: يا معشر قيس أي خيلكم أشباهنا؟ أين اللواتي كان أذنابها شقاق أعلام ومناخرها وجار الضباع، وعيونها بغايا النساء، رقاق المستطعم، تعالك اللجم في أشداقها، تدور على مذاودها، كأنما يقضمن حصى. فقال خالد: زعم الحارث أبيت اللعن أن تلك خيله وخيل آبائه فغضب النعمان عند ذلك على الحارث. وروي أن الحجاج سأل ابن القرية عن صفة الجواد فقال: هو الطويل الثلاث القصير الثلاث الرحب الثلاث العريض الثلاث الصافي الثلاث الأسود الثلاث الغليظ الثلاث فقال صفهن وبين قال: أما الطويل الثلاث فالأذن والعنق والذراع، وأما القصير الثلاث فالعسيب والرسغ والظهر، وأما الرحب الثلاث فالجوف والمنخر واللبب، وأما العريض الثلاث فالجبهة والصدر والكفل، وأما الصافي الثلاث فالأديم والعين والحافر، وأما الأسود الثلاث فالحدقة والحجفلة والحافر، وأما الغليظ الثلاث فالفخذ والوظيف والرسغ وقد نظم الصفي الحلي بعضها بقوله:
وطرف تخيرته طرفةوأحببته من جميع التراث
إذا انقض كالصقر في حلبةترى الخيل في إثره كالبغاث
حوى ببدائع أوصافهمضاء الذكور وصبر الإناث
طويل الثلاث قصير الثلاثعريض الثلاث فسيح الثلاث
وقال آخر:
وقد أغتدي قبل ضوء الصباحوورد القطا في القطاة الحثاث
بصافي الثلاث عريض الثلاثقصير الثلاث طويل الثلاث
قال البديع الهمذاني: حدثنا عيسى بن هشام قال: حضرنا مجلس سيف الدولة يوماً وقد عرض عليه فرس فقال لجلسائه أيكم أحسن صفته جعلته صلته. فكل جهد جهده وبذل ما عنده، فقال بعض غلمانه: أصلح الله الأمير، إني رأيت بالأمس رجلاً يطأ الفصاحة بنعليه، وتقف الأبصار عليه، يسلي الناس ويشفي الباس، فلو أمر الأمير بإحضاره لفضلهم بأحضاره، فقال سيف الدولة: علي به في هيئته فسار الغلمان في طلبه، ولما جاؤوا به، أدخلوه وهو في طمرين فسلم، ولما رآه سيف الدولة أمر له بالجلوس وأدنى مجلسه وقال: بلغنا عناك حاضرة فاعرضها بهذا الفرس ووصفه. فقال: أصلح الله الأمير، كيف أصفه قبل ركوبه وكشف محاسنه وعيوبه. فقال: اركبه فركبه وأجراه ولما نزل عنه قال: هو طويل الأذنين قليل لحم الاثنين، لين الثلاث غليظ الأكرع، غامض الأربع، شديد النفس، لطيف الخمس، ضيق القلت رقيق الست، حديد السمع، غليظ السبع رقيق اللسان، عريض الثمان، شديد الضلع، قصير التسع، واسع الشجر، بعيد العشر، يأخذ بالسانح، ويطلق بالرامح، ويطلع بلائح، ويضحك عن قارح، بخروجه الكديد بمذاق الحديد، يحضر كالبحر إذا ماج، والسيل إذا هاج، فقال: خذه مباركاً عليك، فقال له: لا زلت تأخذ الأنفاس وتمنح الأفراس. قال عيسى فلما انصرف تبعته وقلت له: لك علي ما يليق بك من الحلل لركوب هذا الفرس إن فسرت ما وصفت، فقال: سل عما أحببت، فقلت ما معنى قولك قليل لحم الاثنين؟ قال: لحم الوجه والمتنين. قلت: فما معنى لين الثلاث؟ قال: المردغتين والفرق والعناق، قلت: فما معنى غامض الأربع؟ قال: أعلى الكتفين والمرفقين والحجاجين والشظا، فقلت: أحسنت. فما معنى لطيف الخمس؟ قال: الزور والنسر والجبة والعجاية والركبة، فقلت: أجدت ما معنى رقيق الست؟ قال: الجفن والسالفة والحجفلة والأديم وأعلى الأذنين والفرضين، فقلت: لله أبوك، فما معنى غليظ السبع؟ قال: الذراع والمخرم والعكوة والشوى والرسغ والفخذين والحبال، فقلت: حياك الله فما معنى عريض الثمان؟ قال: الجبهة والصهوة والكتف والجنب والعصب والبلدة وصفحة العنق، فقلت: لله درك فما معنى قصير التسع؟ قال: الشعرة والأطرة والعسيب والقضيب والعضدين والرسغين والنسا والظهر والوظيف، فقلت: ما معنى بعيد العشر؟ قال: بعيد النظر والخطو وأعالي الجنبين وما بين الوقبين والجاعرتين وما بين القرابين والمنخرين وما بين الرجلين، وما بين النقبة والصفاق، والقامة في السباق، فقلت له: من أين أخذت هذا العلم؟ قال: من الثغور الأموية وبلاد الاسكندرية، فقلت له: أنت مع هذا الفضل تعرض وجهك لهذا البذل، فقال:
ساخف زمانك جدافالدهر جد سخيف
دع الحمية نسياًوعش بخير وريف
وقل لعبدك هذايجيء لنا برغيف
وقال ابن عائشة:
قصرت له تسع ةطالت أربعوزكت ثلاث منه للمتأمل
وكأنما سأل الظلام بمتنهوبد الصباح بوجهه المتهلل
وكأن راكبه على ظهر الصبامن سرعة أو فوق ظهر الشمأل
فقوله زكت: أي نمت وطالت.
ومن أوصافها الممدوحة أن يكون شق شدقيها واسعاً. قال الشاعر:
هريت قصير عذار اللجامأسيل طويل عذار الرسن
الهريت: واسع الفم، وقصير عذار اللجام: دليل أسل الخد، وطول عذار الرسن: دليل طول العنق. وقال آخر:
طويل متن العنق أشرف كاهلاًأشق رحيب الجوف معتدل الجرم
وقال أبو دؤاد:
فهي شوهاء كالجوالق فوهاًمستجاف يضل فيه الشكيم
الشوهاء: واسعة الأشداق، ولا يقال للذكر أشوه. وقال آخر:
إذا ما نتبشت طرحت اللجام في شدق الجرد والسلهب
يبذ الجياد بتقريبهويأوي إلى حضر ملهب
كميت كأن على متنهسبائك من قطع المذهب
كأن القرنفل والزنجبيل يعلو على ريقه الأطيب
ومنها أن تكون رحبة المنخر، قال امرؤ القيس:
وقد اغتدي ومعي القانصانفكل بمربأةٍ مقتفر
فيدركنا فعم داجنسميع بصير طلوب نكر
ألص الضروس حبي الضلوعتبوع طلوب نشيط أشر
فأنشب أظفاره في النسافقلت هبلت ألا تنتصر
فكر إليه بمبراتهكما خل اللسان المجر
فظل يرنح في غيظلكما يستدير الحمار النعر
وأركب في الروع خيفانةًكسا وجهها سعفٌ منتشر
لها حافرٌ مثل قعب الوليد ركب فيه وظيف عجر
وساقان كعباهما أصمعان لحم حماتيهما منبتر
لها عجز كصفاة المسيل أبرز عنها حجاف مضر
لها متنتان خطاتا كماأكب على ساعديه النمر
وسالفةٌ كسحوق اللبان أضرم فيها الغوي السعر
لها غدرٌ كقرون النساء ركبن في يوم ريح وصر
لها جبهة كسراة المجن حذقه الصانع المقتدر
لها منخر كوجار السباعفمنه تريح إذا تنبهر
لها ثننٌ كخوافي العقاب سودٌ يفئن إذا تزبئر
وعين لها حدرة بدرةفشقت مآقيهما من أخر
إذا أقبلت قلت دباءةٌمن الخضر مغموسة في الغدر
وإن أدبرت قلت أثفيةٌململمةٌ ليس فيها أثر
وإن أعرضت قلت سرعوفةٌلها ذنب خلفها مسبطر
وللسوط فيها مجالٌ كماتنزل ذو بردٍ منهمر
وتعدو كعدو نجاة الظباء أخطأها الحاذف المقتدر
لها وثبات كصوب السحابفؤادٍ خطاءٌ وواد مطر
الوِجار: جحر الضبع، وضيق المنخر: عيب في الخيل، مدح في الصقر.
وقال بشر:
كأن حقيف منخره إذا ماكتمن الربو كير مستعار
يقال ربا الفرس إذا انتفخ منخره من عدو أو فزع وقال عدي بن زيد:
له ذنب مثل ذيل العروسومنخره مثل جحر اللجم
اللجم: دويبة أصغر من العضاية، ومنها أن تكون واسعة الجبهة.
قال الأخطل:
صلت الجبين كأن رجع صهيلهزجر المحاول أو غنا متوالي
وقال النابغة:
بعار النواهق سلط الجبين يستن كالتيس ذي الحلب
وقال يزيد بن ضبة يصف السندي فرس الوليد بن عبد الملك لما خرج إلى الصيد ولحق عليه حماراً فصرعه، ثم قال الوليد ليزيد صفه فقال:
وأحوى سلس المرسن مثل الصدع الشعب
سما فوق منيفاتٍطوال كالقنا سلب
طويل الساق عنجوجٍأشق أصمع الكعب
على لام أصم مضمر الأشعر كالقعب
ترى بين حواميهنسوراً كنوى القسب
معالي شنج الأنساء سام جرشع الجنب
طوى بين الشراسيفإلى المنقب فالقنب
يغوص الملحم القائمذو حد وذو شغب
عتيد الشد والتقريب والإحضار والعقب
صليب الأذن والكاهل والموقف والعجب
عريض الجبهة والخدوالبركة واللهب
إذا ما حثه حاثيباري الريح في غرب
وإن وجهه أسرع كالخذروف في النقب
وقفاهن كالأجدل لما انضم للضرب
ووالى الضرب يختارجواشن بدن قب
ترى كل مدل قائماً يلهث كالكلب
كأن الدم في النحرقذال علّ بالخضب
يزين الدار موقوفاًويشفي قدم الركب
فقال له الوليد: أحسنت الوصف وأجدت. وقال امرؤ القيس:
لها جبهةٌ كسراة المجن حذقه الصانع المقتدر
ومنها أن يكون في عينيها السمو والحدة والاتساع، قال امرؤ القيس:
وعين لها حدرةٌ بدرةفشقت مآقيهما من أخر
الحدرة العظيمة والبدرة التي تبدر بالنظر والمآقي طرف العين الذي يلي الأنف وتوصف بالقبل وهو ميل النظر إلى طرف الأنف من عزة النفس لا من أصل الخلقة. قالت ليلى الأخيلية في فائض بن أبي عقيل وكان فر عن ثوبة حين قتل:
ولما أن رأيت الخيل قبلاًتبارة بالخدود شبا العوالي
نسيت وصاله وصددت عنهكما صد الأذب عن الضلال
وقال أبو الفضل ابن شرف يمدح المعتصم بالله الأندلسي:
أشوس الطرف علته نخوةيتهادى كالغزال الخرق
وامتطى من طرفه ذا خببيلثم الغبراء إن لم يعنق
لو تمطى بين أسراب المهىنازعته في الحشا والعنق
حسرت دهمته عن غرةكشفت ظلماؤها عن يقق
لبست أعطافه ثوب الدجىوتحلى خده باليقق
وانبرى تحسبه أجفل عنلسعةٍ أو جنةٍ أو أولق
مدركاً بالمهل ما لا ينتهيلاحقاً بالرفق ما لم يلحق
ذو رضا مستتر في غضبذو وقار منطوٍ في خرق
وعلى خدٍ كعضبٍ أبيضأذن مثل سنان أزرق
كلما نصبها مستمعاًبدت الشهب إلى مسترق
حاذرت منه شبا خطيةٍلا يجيد الخط ما لم يمشق
كلما شامت عذار خدهخفقت حفق فؤادٍ أفرق
في ذرى ظمآن فيه هيفلم يدعه للقضيب المورق
يتلقاني بكف مصقعٍيقتفي شأو عذارٍ مقلق
إن يدر دورة طرفٍ يلتمحأو يجل جول لسان ينطق
عصفت ريح على أنبوبهوجرت أكعبه في زنبق
كلما قلبه باعد عنمتن ملساء كمثل البرق
جمع السرد قوى أزرارهافتآخذن بعهدٍ موثق
أوجبت في الحرب من وخز القنافتوارت حلقاً في حلق
كلما دارت بها أبصارهاصورت منها مثال الحدق
زل عنه متن مصقول القوىيرتمي في مائها بالحرق
لو نضى وهو عليه ثوبهلتعرى عن شواظٍ محرق
أكهب من هبوات أخضرمن فرند أحمر من علق
وارتوت صفحاه حتى خلته=بحميا من لكفيك سقي
يا بني معن لقد ظلت بكمشجر لولاكم لم تورق
لو سقي حسان من إحسانكمما بكى ندمانه في جلق
أو دنا الطائي من حيكمما حدا البرق لربع الأبرق
وقال امرؤ القيس:
وعين كمرآة الصناع تديرهابمحجرها من النصيف المنقب
الصناع: الحاذقة، والمحجر من العين: ما دار بها، والنصيف: شعر الجبهة.
وقال المتنبي:
تنام لديك الرسل أمناً وغبطةًوأجفان رب الرسل ليس تنام
حذاراً لمعروري الجياد فجاءةًإلى الطعن قبلاً ما لهن لجام
تعطف فيه والأعنة شعرهاوتضرب فيه والسياط كلام
وما تنفع الخيل الكرام ولا القناإذا لم يكن فوق الكرام كرام
وقال ابن دريد:
شعثاً تعادى كسراحين الفضاقبل حماليق يبارين الشبا
الشعث: المغبرة، وتعادى: من العدو، والسراحين: الذئاب، والحماليق: بواطن الأجفان، والقبل: ميل النظر إلى الأنف في الخيل، وإذا كان في الإنسان سمي خزراً. قال المتنبي:
والقوم في أعينهم خزروالخيل في أعيانها قبل
وقال آخر:
إذا تخازرت وما بي من خزرثم كسرت العين من غير عور
ألفيتني ألوي بعيد المستمركالحية الصماء في أصل الشجر
وقال ابن الأطنابة:
إني من القوم الذين إذا انتدوابدؤوا بحق الله ثم النائل
المانعين من الخنا جاراتهموالحاشدين على طعام النازل
والخالطين فقيرهم بغنيهموالباذلين عطاءهم للسائل
والضاربين الكبش يبرق بيضهضرب المهجهج عن حياض الآبل
والقاتلين لدى الوغى أقرانهمإن المنية من وراء القاتل
والقائلين فلا يعاب كلامهميوم المقامة بالقضاء الفاصل
خزر عيونهم إلى أعدائهميمشون مشي الأسد تحت الوابل
ليسوا بأنكاسٍ ولا ميل إذاما الحرب شبت أشعلوا بالشاعل
وقال عنترة العبسي:
ولرب مشعلة وزعت رعالهابمقلص نهد المراكل هيكل
سلس المعذر لاحق أترابهمتقلب عبثاً بفأس المهجل
وكأن هاديه إذا استقبلتهجذع أذل وكان غير مذلل
وكأن مخرج روحه في وجههسربان كانا مولجين لجيال
وكأن متنيه إذا جردتهونزعت عنه الجل متنا أيل
وله حوافر موثق تركيبهاصم الصخور كأنها من جندل
وله عسيب في سبيبٍ سابغمثل الرداء على الفتى المتفضل
سلس العنان إلى القتال وعينهقبلاء شاخصةٌ كعين الأحول
وكأن مشيته إذا نهنهتهبالنكل مشية شارب مستعجل
فعليه اقتحم الوقيعة خائضاًفيها وأنقض انقضاض الأجدل
وتوصف بحدة النظر قال المتنبي:
وينظرن من سود صوادق في الدجىيرين بعيدات الشخوص كما هيا
ومن ذلك قول العرب أبصر من فرس دهماء في ليلة ظلماء، ويقال أسمع من فرس بهماء. وقال عدي بن زيد:
له قصة فشغت حاجبيهوالعين تبصر ما في الظلم
القصة: - بالضم - شعر الناصية، وفشغت: أي انتشرت. ومنها أن يكون شعر ناصيتها طويلاً. قال امرؤ القيس:
وأركب في الروع خيفانةكسا وجهها سعف منتشر
الخيفانة: الفرس الطويلة القوائم الضامرة، ولا يقال للذكر خيفان. وقد غلط من علماء هذا الفن من غلط امرأ القيس في تشبيه ناصيتها بالطول بسعف النخلة حيث زعم أن شعر الناصية إذا غطى العين سمي غمماً والحق مع امرئ القيس ويؤيده قول عدي بن زيد:
غدا بتليل كجذع الخضاب حر القذال طويل الغسن
لأن الغسن شعر الناصية، والذؤابة شعر في أعلاها، والحر من الفرس سواد في ظاهر الأذنين، ومنها أن تكون أذناها محددتين رقيقتين منتصبتين كثيرة التحريك لهما وإذا أميلت أذنها بلغت طرف عينها مما يلي الصدغ، قال ابن دريد:
يدير إعليطين في ملمومةإلى لموجين بألحاظ اللئا
الإعليط: وعاء ثمر المرخ - بالخاء المعجمة - شبه به أذني الفرس في الانتصاب والحدة، والملمومة: الهامة المجتمعة، كالحجر الملموم، واللموخ: العين، واللئا: البقر. وقال عتبة:
وترى أذنها كإعليط مرخحدة في لطافة وانتصاب
وقال النمر بن تولب:
لها أذن حشرة مشرةكإعليط مرخ إذا ما صقر
وقال ابن مقبل:
يرخي العذار وإن طالت قبائلهعن حشرة مثل سنف المرخة الصقر
الحشرة: الأذن اللطيفة المحددة. وقال حازم:
كم قد هدى هوادي الخيل إلىمن ضل عن سبل الرشاد أو غوى
من كل سامي الطرف ما في لحظهمن خذء ولا بأذنيه خذا
هوادي الخيل: أعناقها، وسامي الطرف: عاليه، روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إذا رأيتم خيل القوم رافعة رؤوسها، كثيراً صهيلها، فاعلموا أن الدائرة لهم. وإذا رأيتم خيل القوم ناكسة رؤوسها، قليلاً صهيلها، تحرك أذنابها، فاعلموا أن الدائرة عليهم"، ويكنى بسامي الطرف عن حدة نظر العين وطموحها، وهو مستحسن في الخيل.
قال أبو دؤاد:
حديد الطرف والمنكبوالعرقوب والقلب
والخذا: استرخاء الأذن، وهو مكروه في الخيل، وهو غير مهموز. روي أن العماني دخل على الرشيد فأنشده في وصف فرس قوله:
كأن أذنيه إذا تشوّفاقادمةً أو قلماً محرفا
فلحن ولم يهتد منهم لإصلاحه إلاّ الرشيد، فإنه أبدل (كأن) ب (تخال) فقال:
تخال أذنيه إذا تشوفاقادمةً أو قلماً محرفا
وروي عن الأصمعي قال: سمعت أعرابياً يقول: خرجت علينا خيل مستطيرة النقع كأن هواديها أعلام وآذانها أطراف أقلام وفرسانها أسود آجام، فأخذ عدي هذا المعنى فقال:
يخرجن من مستطير النقع داميةًكأن آذانها أطراف أقلام
وقال عدي بن زيد:
له عنق مثل جذع السحوقوأذن مصنعة كالقلم
وقال ابن هاني:
وجاءت عتاق الخيل تردى كأنماتخط لها أقلام آذانها صحفا
والعرب تصف آذان الخيل بصدق السمع فتقول آذان الخيل أصدق من عينها، أي أنها إذا أحست بشيء تشوفت بآذانها وتوجست بهما فيتأهب فارسها لما عساه أن يحدث وأكثر البينات وإدلاج الليل قال الشاعر:
يصهلن للنظر البعيد كأنماإرنانها ببوائن الأشطان
أي أنها إذا رأت شخصاً بعيداً طمحت إليه وصهلت فكأن صهيلها في آبار بعيدة القعر لسعة جوفها. قال كثير عزة:
تشوف من صوت الصدى كلماتشوف جيداء المقلد مغيب
تشوف الفرس: أي نصب عنقه وجعل ينظر، وروي أن بعض العرب أمر ولده بشراء إلى شيء، وأعضاؤه حشيت شيئاً في شيء، فقال له ابنه: من ملك مثل هذا لا يبيعه. وقال أبو العلاء المعري:
كأن أذنيه أعطت قلبه خبراًعن السماء بما يلقى من الغير
وقال: وأثبت الناس قلباً في الظلام سرى=ولا ربيئة إلاّ مسمع الفرس الربيئة: الطليعة، أي أربط الناس جأشاً من يسري في الظلام ولا لاطليعة له ترقبه إلاّ آذان فرسه. وقال أيضاً:
وأبصرت الذوابل منه عدلاًفأصبح في عواملها اعتدالا
وجنح يملأ الفودين شيباًولكن يجعل الصحراء خالا
أردنا أن نصيد به مهاةفقطعت الحبائل والحبالا
ونم بطيفها الساري جوادفجنبنا الزيارة والوصالا
وأيقظ بالصهيل الركب حتىظننت صهيله قيلاً وقالا
ولولا غيرة من أعوجيلبات يرى الغزالة والغزالا
يحس إذا الخيال دنا إلينافيمنع من تعهدنا الخيالا
وقال المتنبي:
قاد الجياد إلى الطعان ولم يقدإلاّ إلى العادات والأوطان
كل ابن سابقة يغير بحسنهفي قلب صاحبه على الأحزان
إن خليت ربطت بآداب الوغىفدعاؤها يغني عن الأرسان
في جحفل ستر العيون غبارهفكأنما يبصرن بالآذان
الجحفل: الجيش العظيم كثيف الغبار الذي يستر الأعين حتى لا يرى، والخيل مع صدق حاسة نظرها إذا أحست بشيء نصبت آذانها كأنها تبصر بها. وقال أيضاً:
وتنصب للجرس الخفي مسامعاًيخلن مناجاة الضمير تناديا
وقال:
ويوم كليل العاشقين كمنتهأراقب فيه الشمس إبان تغرب
وعيني إلى أذني أغر كأنهمن الليل باق بين عينيه كوكب
له فضلة عن جسمه في إهابهتجيء على صدر رحيب وتذهب
شققت به الظلماء أدني عنانهفيطغى وأرخيه مراراً فيلعب
وأصرع أي الوحش قفيته بهوأنزل عنه مثله حين أركب
وما الخيل إلاّ الصديق قليلةوإن كثرت في عين من لا يجرب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتهاوأعضائها فالحسن عنك مغيب
والمعنى: أنك لا تغتر بحسن شياتها فإنه لا فائدة فيه، إذا لم تكن ذات عدوٍ وجري وأدب، ومعنى قوله: دعيني إلى أذني، أنه كان ينظر إلى آذان فرسه، لأنه الفرس إذا أحس بشخص من بعيد نصب أذنيه نحوه، فيعلم أنه أبصر شيئاً، ثم وصفه بأنه كقطعة من الليل بقي كوكب منه بين عينيه، وهذا المعنى أخذه من قول أبو دؤاد:
ولها جبهة تلألأ كالشعرى أضاءت وعم منها النجوم
وقال البحتري: ومقدم الأذنين تحسب أنه=بهما يرى الشيء الذي لا يأمنه وقال آخر:
وجبت له أذنان يرقب سمعهابصر كناصية الشجاع المرصد
وقال حازم:
توحي إلى من يمتطيه أذنهبكل ما يسمع من أخفى الوحى
يكاد لا يبصره ذو مقلةمن خفة وسرعة إذا دأى
الوحى: الإشارة والكلام الخفي. وقال أبو القاسم بن هاني الأندلسي يمدح المعز لدين الله:
وصواهل لا الهضب يوم مغارهاهضب ولا البيد الحزون حزون
جنب الحمام، وما لهن قوادموعلى الربود وما وما لهم وكون
فلهن من ورق اللجين توجسولهن من مقل الظباء شفون
فكأنها تحت النضار كواكبوكأنها تحت الحديد رجون
عرفت بساعة سبقها لا إنهاعلقت بها يوم الرهان عيون
وأجل علم البرق فيها أنهامرت بجانحتيه وهي ظنون
فأمر له بدست قيمته ستة آلاف دينار. فقال له: يا أمير المؤمنين? ما لي موضع يسع الدست إذا بسطت، فأمر له ببناء قصر فغرم عليه ستة آلاف دينار، وحمل له آلة تشاكل القصر والدست قيمتها ثلاثة آلاف دينار.
وقال ابن حمديس الصقلي:
ومنقطع بالسبق من كل حلبةٍفتحسبه يجري إلى الرهن مفردا
كأن له في أذنه مقلةٌ يرىبها اليوم أشخاصاً تمر به غدا
أقيد بالسبق الأوابد حولهولو مر في آثارهن مقيدا
وقال امرؤ القيس:
له أذنان تعرف العنق فيهماكسامعتي مذعورةٍ وسط ربرب
العتق: الأصل والجمال، والسامعة: الأذن، والمذعورة: البقرة إذا ذعرت نصبت آذانها، والربرب: قطيع بقر الوحش، وخص المذعورة؛ لأنها أشد توخياً تسمعاً، ومنها أن تكون أسيلة الخد، ونواهقها عارية من اللحم. النواهق: مجاري الدمع، ويقال لها: سموم، قال حمد بن نور:
طرف أسيل معقد للريمعار لطيف موضع السموم
وقال طفيل:
معرقة الألحي تلوح متونهاتثير القطافي منهل بعد مقرب
وقال امرؤ القيس:
قد أشهد الغارة الشعواء تحملنيجرداء معروقة اللحيين سرحوب
كأن صاحبها إذ قام يلجمهامغدٌ على بكرةٍ زوراء منصوب
إذا تبصرها الرؤوان مقبلةًلاحت لهم غرةٌ منها وتجبيب
وقافها ضرمٌ وجريها جذمٌولحمها زيَمٌ والبطن مقبوب
واليد سابحةٌ والرجل ضارحةٌوالعين قادحة والمتن ملحوب
والماء منهمرٌ والشد منحدرٌوالقصب مضطورٌ واللون غربيب
كأنها حين فاض الماء واحتفلتسقعاء لاح لها في المرقب الذيب
وقال أيضاً:
وخد أسيل كالمسن وبركةكجؤجؤ هيق دقه قد تمورا
وقال عقبة بن سابق:
عريض الخد والجبهةوالصهوة والجنب
وقال أيضاً:
ولها بركة كجؤجؤ هيقولبان مضرج بالخضاب
وقال زهير بن مسعود الضبي:
ضافي السبيب أسيل الخد مشرفهجافي الضلوع شديد أسره تئق
وقال آخر:
يمتمه بأسيل الخد منتصبخاظي البضيع كمثل الجذع مشنوق
وقال أبو صدقة العجلي:
عارٍ من اللحم صبي اللحىمؤلل الأذن أسيل الخد
وقال أبودؤاد:
أسيل سلجم المقبللا شختٌ ولا جافي
أي: رقيق ضمر لا غليظ الخلقة ولا هزيل، ومنها أن يكون شعر معرفتها طويلاً غزيراً. قال امرؤ القيس:
لها غدر كقرون النساء ركبن في يوم ريح وصر
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع