تجاوز إلى المحتوى

من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب» لعبد الواحد المراكشي (ت ٦٤٧هـ)

ذكر ولاية أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (٢)

اهتمامه بالتشييد والبناء

وكان عند رجوعه من السفرة التي استنقذ فيها مدينة شلب من أيدي الروم على ما تقدم، أمر أن يبنى له على النهر الأعظم -نهر إشبيلية- حصن؛ وأن تبنى له في ذلك الحصن قصور وقباب، جاريًا في ذلك على عادته من حب البناء وإيثار التشييد -فإنه كان مهتمًّا بالبناء، وفي طول أيامه لم يخل من قصر يستجِدُّه أو مدينة يعمُرُها؛ زاد في مدينة مراكش في أيامه زيادة كثيرة يطول تفصيلها-فتمت له هذه القصور المذكورة على ما أراد وفوقه؛ وسمى ذلك الحصن حصن الفَرَجِ.

علي بن حَزْمُون الشاعر

ولما رجع من غزوته العطمى -المتقدم ذكرها- في سنة، جلس للوفود في قبة من تلك القباب مشرفة على النهر الأعظم، وأذن فدخلوا عليه على طبقاتهم ومراتبهم؛ وأنشده الشعراء؛ فممن أنشده في ذلك اليوم صديق لي من أهل مرسية اسمه علي بن حزمون، أنشده قصيدة في عَرُوض يسمى الخَبَب كان يقترحه على الشعراء، فوقعت القصيدة من أمير المؤمنين ومن الحاضرين موقع استحسان، أولها: من الخبب أو المحدث

حيتك معطرة النفسنفحات الفتح بأندلسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
فذَرِ الكفار ومأتمهمْإن الإسلام لفي عُرُسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
أإمام الحق وناصرهطهَّرْتَ الأرض من الدنسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
وملأتَ قلوب الناس هُدًىفدنا التوفيق لملتمِسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
ورفعت منار الدين علىعَمَدٍ شُمٍّ وعلى أسسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
وصدعتَ رداء الكفر كماصدع الدَّيْجور سَنَا قَبَسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
لا قيت جموعهمو فغدوافرصًا في قبضة مفترسِ
جاءوك تضيق الأرض بهمعددًا لم يُحصَ ولم يُقَسِ
خرجوا بَطَرًا ورئاء الناس ليختلسوا مع مختلِسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
ومضيتَ لأمر الله علىثقة بالله ولم تَخِسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
فأناخ الموتُ كلاكلَهُبظُبَاك على بَشَر رَجِسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
وتساوى القاع بهامهمالرُّبْض مع الحَرِب الضَّرِسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
سقيت بنجيعهمو أكموطئوا منهن على دَهَسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
فأولئك حزب الكفر ألاإن الكفار لفي نكسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
أذوي الصلبان وراءكموخيل الملك الخَبِرِ النَّدُسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
لو أن البحر تناولهجرعًا وطئته على يَبَسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
ولو أن الصم تُرَاجمهاأضحت كحل المُقَلِ النعسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
ملأ التوحيد أعنتهاوأغار بها روح القدسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
نهضت فمضت فقضت أملًاأنسى عتب الدنيا فنُسِي
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
جاست جنبات الكفر فلمتترك لهمو ما لم تَجُسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
لم يبق بها مثوى رجلإلا وعليه شَذَى فرسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
لحقوا بقرون الشم فلاسُقْيَا لطلولهمو الدُّرُسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
إن كان نجا أدفنشُهُموفإلى عيش نكد تعسِِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
نظر الملك الأعلى فرأىملكًا ما بين قَنًا وقِسِي
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
كالصبح توشح رونقهكالطور بنور الله كُسِي
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
فمضى لم يُلْوِ على أحدورمى بالدرع بالتُّرُسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
لصليل الهند بمفرقهلا يسمع صلصلة الجرَسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
سهر الموتور وأرَّقهتَذْكار المُنْصُل والمَرَسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
وبكاء عقائلَ هاتفةٍكالوُرْق ينُحْنَ مع الغلسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
برزت وكأن ذوائبهاأذناب روامحة شُمُسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
ترنو كظباء الرمل علىوجل لضراغمة شُرُسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
قد كن مَهَا أنس فغدتتحت الرايات بلا أَنَسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
إن الأيام قدِ ازدهرتكالروض يروق لمغترسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
وتناسقت الآمال لناكالثغر تنَظَّم في لَعَسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
وتلألأ نور الحق على الـأثر المهدية فاقتبِسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
أجزيرةَ أندلس اعتصميبإمام الأمة واحترسِي
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
أرْعاكِ حراستَه ملكٌجبريل له أحد الحرسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
حكمت أسيافك سيدنافي كل مُصِرِّ الكفر مُسِي
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
ومضت في الروم مضاربهاوكذلك تفعل في الفُرْسِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
لا يخلف ربك موعدهدَوِّخْ أقطارَهُمو ودُسِ!
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة

أوردتها على تواليها وإن كان فيها طول؛ لغرابة عروضها، وجودة أكثر أبياتها؛ أنشدنيها منشئها المذكور من لفظه، ثم أعدتها عليه بلفظي آخر مرة لقيته بمدينة مرسية في سنة.

ولعلي بن حزمون هذا قدم في الآداب، واتساع في أنواع الشعر، ركب طريقة أبي عبد الله بن حجاج البغداديسامحه الله وغفر له- فأربى فيها عليه؛ وذلك أنه لم يدع موشحة تجري على ألسنة الناس بتلك البلاد إلا عمل في عروضها ورويها موشحة على الطريقة المذكورة؛ وله مع هذا في الهجاء يد لا تطاول، غير أنه يُفحش في كثير منه؛ فمن أحسن ما أحفظ له من ذلك وأسلمه من الفحش والإقذاع، أبيات ركب فيها طريقة الحطيئة: ابتدأ يهجو نفسه، ثم استطرد يهجو رجلًا من أعيان قواد الأندلس يقال له: محمد بن عيسى، مشهور النجدة عندهم. والأبيات:

تأملتُ في المرآة وجهي فخِلْتُهكوجه عجوز قد أشارت إلى اللهوِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
كأن على الأزرار مني عورةتنادي الورى: غُضُّوا ولا تنظروا نحوِي
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
فلو كنت مما تُنبت الأرض لم أكنمن الرائق الباهي ولا الطيب الحُلْوِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
وأقبح من مَرْآيَ بطني فإنهيُقَرْقِرُ مثل الرعد قَرْقَرَ في الجوِّ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
وإلا كقلب بين جنبي محمدسليل ابن عيسى حين فر ولم يُلْوِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
يود بأن لو كان في بطن أمهجَنِينًا ولم يسمع حديثًا عن الغزوِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
ثقيلٌ ولكن عقله مثل ريشةتطير بها الأرواح في مَهْمَهٍ دَوِّي
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
تميل بشِدْقيه إلى الأرض لحيةتظن بها ماء يُفرَّغ من دَلْوِ
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة
وقد حدثوا عنه بكل نقيصةولكن مثلي لا يُروِّي ولا يَرْوِي
للشاعر ابن حزمون، اقرأ القصيدة

وله في هذا المعنى أحسن من هذا كثيرًا إلا أنه أقذع فيه؛ فلذلك لم أودعه هذه الأوراق؛ لأني لا أستجيز أن ينقل مثل هذا عني.

ونال ابن حزمون هذا عند قضاة المغرب وعماله وولاته جاهًا وثروة؛ كل ذلك خوفًا من لسانه وحذرًا من هجائه. ولا أعلم في جميع بلاد المغرب بلدًا إلا وأهاجي هذا الرجل تُحفظ فيه وتدرس؛ أسأل الله له المسامحة ولجميع إخواننا من المسلمين.

محمد بن عبد رَبِّه الكاتب حفيد صاحب العِقْد

وأمر أمير المؤمنين بعرض الجند في هذا اليوم في السلاح التام؛ فلما انتشروا بين يديه وأعجبه ما رأى من حسن هيئاتهم، قام فصلى ركعتين شكرًا لله ﷿، واتفق إثر فراغه من ذلك الركوع أن جاءت سحابة فأمطرت مطرًا جَوْدًا حتى ابتل الناس؛ فقال في ذلك صديق لي من الكتاب اسمه محمد بن عبد ربه، أصله من الجزيرة الخضراء، كان يكتب لأبي الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن، وكان مختصًّا به:

بادي الكرامة, بل بادي الكراماتقد شفع الله آياتٍ بآياتِ
للشاعر ابن عبد ربه الحفيد، اقرأ القصيدة
يا ليت شعري ما شيء دعوتَ بهقبل السلام ومن بعد التحياتِ
للشاعر ابن عبد ربه الحفيد، اقرأ القصيدة
شيء تأثر عنه الجو فاتصلتْمِنَ السحائب راياتٌ براياتِ
للشاعر ابن عبد ربه الحفيد، اقرأ القصيدة
من كل وَطْفَاء لَفَّاء الرَّباب هَمَتْماء نقيًّا على زُغْفٍ نقياتِ
للشاعر ابن عبد ربه الحفيد، اقرأ القصيدة
قل: كيف لا يفتح الله البلاد وقدتفتحت لك أبواب السماواتِ
للشاعر ابن عبد ربه الحفيد، اقرأ القصيدة

فاشتهر من يومئذٍ أبو عبد الله هذا وعرف مكانه ونبه قدره؛ وله إحسان كثير وقدم راسخة في صناعتي النظم والنثر، مع تحقق بشيء من أجزاء الفلسفة من علوم التعاليم وعلم المنطق؛ أنشدني ﵀ من شعره:

قف بالقباب وأين ذاك الموقفواسألهم بمَأَمِّهم أن يعطفُوا
للشاعر ابن عبد ربه الحفيد، اقرأ القصيدة
وأنشد فؤادك إن عرفت مكانهبين القباب وما إخالك تعرفُ
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
عند التى رمتِ الجمار غُديَّةًوبنانها بدم القلوب مطرفُ
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
نفسي الفداء لها وإن لم تبق لينفسًا تذكرني بها وتعرفُ

وهي قصيدة طويلة لم يبق تقادم العهد منها على خاطري سوى ما أوردته.

وأنشدته ﵀ يومًا ونحن في قبة على شاطئ نهر وقد أخذ المطر في الانسكاب، بيتين أحفظهما لشاعر قديم:

حاكت يمين الرياح محكمةفي نهر واضح الأساريرِ
فكلما ضعَّفَتْ به حَلقًاقام لها القطر بالمساميرِ

فاستحسنهما وقال لي: ذكرتني هذا المعنى؛ وأنشدني فيه لنفسه أبياتًا ما سمعت بمثلها؛ هذا على إكثار الناس في هذا المعنى وتواردهم عليه حتى صار أخلق من الليل والنهار, من كثرة تكراره على الأسماع، فلا يتخلص منه إلا من لطف حسه وجاد طبعه وحسن مَيْزه؛ والأبيات:

بين الرياض وبين الجو معترَكبِيضٌ من البرق أو سُمْرٌ من السمرِ
للشاعر الأمير ابن عبد المؤمن، اقرأ القصيدة
إن أوترتْ قوسَها كفُّ السماء رمتنَبْلًا من الماء في زغف من الغُدُرِ
للشاعر ابن عبد ربه الحفيد، اقرأ القصيدة
لأجل ذاك إذا هبت طلائعهاتدرع النهر واهتزت قَنَا الشجرِ

فانظر -حفظك الله- إلى حسن توطئته لهذا المعنى, وقوة تخلصه إلى هذا التشبيه بأحسن لفظ, وأسهله على السمع والنطق.

واستأذنت عليه يومًا وهو في مجلس له؛ فلم ير ﵀ أن يحجبني؛ فاسترفع ما كان لديه وأذن لي؛ فدخلت؛ فتلقاني أحسن لقاء، وأخذ يحدثني؛ وفهمت أنه مستحٍ خجِل, إذ عرف أني تفطنت لبعض الأمر، فأنشدته رافعًا عنه كلفة الخجل لبعض الشعراء:

أَدِرْها فما التحريم فيها لذاتهاولكن لأسباب تضمنها السُّكْرُ
إذا لم يكن سكر يزلُّ به الفتىفسيَّانِ ماءٌ في الزجاجة أو خمرُ!

فطرب -نضر الله وجهه- وعاوده أنسه وانبسط، ثم سكت عني ساعة واستدعى الدواة وكتب بديهًا في قريب من المعنى الذي أنشدته فيه:

ما ضرت الخمر لولا الشرع يشربهاقوم حديثهمو همس التسابيحِ
ليسوا برُعش إذا أدوا فروضهموعند القيام ولا ميل مراجيحِ
بيتٌ كبيت وفيه شادن سدِنٌمزج الكئوس به وَقْدُ المصابيحِ

وأنشدني بعد هذا لنفسه، في هذا المجلس، من قديم شعره، مقطوعة سينية لم أسمع بأحسن منها؛ لم يبق على خاطري منها سوى آخر بيت فيها، وهو:

ولكن قومًا لا يغيب نهارهمإذا غربت شمس يديرونها شمسَا

وله ﵀ رحلة إلى مصر لقي فيها ابن سناء الملك وأخذ عنه من شعره، وهو أول من سمعت يذكره عندنا ويروي شعره.

ولأبي عبد الله هذا اتساع في صناعة الشعر، إلا أنه نحل كثيرًا من شعره السيدَ الأجل أبا الربيع سليمان بن عبد الله بن عبد المؤمن أيام كتابته له، ولم يدع بعد ذلك في شيء مما نحله إياه من شعره، ولا ذكر أنه له؛ فكان أكثر شعره ينشد لأبي الربيع وترويه الرواة له. عرفت ذلك بعد مفارقته إياه؛ لأني فقدت شعر السيد أبي الربيع واختلف علي كلامه، ورأيت بخطه أشعارًا نازلة عن رتبة الشعر جدًّا؛ فعلمت أن ذلك الأول ليس من نسجه!.

وأخبرني ابن عبد ربه هذا قال: دخلت على السيد أبي الربيع وهو في قبة له وقد دخلت عليه الشمس من كُوًى صغار في أعلاها، فلما رأيت ذلك المنظر أعجبني وقلت بديهًا:

لما رأته الشمس يفعل فعلهافي العالمين مقاسمًا ومساهمَا
خافت توالي الجود يُنفد مالهنثرت عليه دنانِرًا ودراهمَا!

فحذف الياء من دنانير، وهذا جائز، كما قال الأول:

تضل به أمنًا وفيه العصافرُ

أبو جعفر الحميري المؤدِّب

ومما يتعلق بأخبار أبي يوسف ﵀ ما أخبرني شيخي وأستاذي أبو جعفر أحمد بن محمد بن يحيى الحميري ﵀ أيام قراءتي عليه بقرطبة سنة، وذلك أنَّا بلغنا عليه في الحماسة إلى مقطوعة ابن زَيَّابة التيمي التي أولها:

يا لَهْفَ زَيَّابة للحارث الــصابح فالغانم فالآيبِ

فلما انتهينا منها إلى قوله:

والله لو لاقيتُه خاليًالآبَ سَيْفَانا مع الغالبِ!

قال لنا: أحدثكم بأعجب ما اتفق لي في هذا البيت؛ وذلك أن أمير المؤمنين أبا يوسف ﵀ لما فصل عن قرطبة متوجهًا إلى لقاء الأدفنش -لعنه الله- قال لي ولدي عصام بعد انفصاله بليلة أو ليلتين: يا أبتِ، رأيت البارحة أمير المؤمنين داخلًا قرطبة وقد رجع من السفر وهو متقلد بسيفين! فقلت: يا بني، لئن صدقت رؤياك هذه ليَهزمن الأدفنشَ -لعنه الله-! وخطر لي هذا البيت:

والله لو لاقيته خاليًالآب سيفانا مع الغالبِ

فصدقت الرؤيا والتعبير.

وأبو جعفر هذا المذكور، آخر من انتهى إليه علم الآداب بالأندلس. لزمته نحوًا من سنتين، فما رأيت أروى لشعر قديم ولا حديث، ولا أذكر بحكاية تتعلق بأدب أو مثل سائر أو بيت نادر أو سجعة مستحسنة منه، ﵁ وجازاه عنا خيرًا. أدرك جلة من مشايخ الأندلس فأخذ عنهم علم الحديث والقرآن والآداب، وأعانه على ذلك طول عمره وصدق محبته وإفراط شغفه بالعلم. قال لي ولده عصام -وقد رأيت عنده نسخة من شعر أبي الطيب قُرئت علي أو أكثرها فألفيتها شديدة الصحة- فقلت له: لقد كتبتَها من أصل صحيح وتحرزتَ في نقلها. فقال لي: ما يمكن أن يكون في الدنيا أصل أصح من الأصل الذي كتبتُ منه! فقلت له: أين وجدته؟ قال: هو موجود الآن بين أيدينا وعندنا! وكنا في المسجد في زاوية، فقلت له: أين هو؟ فقال لي: عن يمينك! فعلمت أنه يريد الشيخ، فقلت: ما على يميني إلا الأستاذ! فقال لي: هو أصلي، وبإملائه كتبت؛ كان يملي علي من حفظه! فجعلت أتعجب. فسمع الأستاذ حديثنا؛ فالتفت إلينا وقال: فِيمَ أنتما؟ فأخبره ولده الخبر، فلما رأى تعجبي قال: بعيدًا أن تفلحوا! يعجب أحدكم من حفظ ديوان المتنبي! والله لقد أدركت أقوامًا لا يعدون من حفظ كتاب سيبويه حافظًا ولا يرونه مجتهدًا!.

توفي أبو جعفر هذا في شهر صفر من سنة وقد كملت له ست وتسعون سنة؛ لم يبق في الأندلس أعلى روايةً منه في كل ما يُروى، ولم أر قبله ولا بعده -مع اتساع علمه وشدة تمييزه وحسن اختياره ومعرفته بعلل هذه الصناعة- أكثر إنصافًا منه ولا أسرع رجوعًا إلى الحق. كنت أنشده من شعري على ركاكته وكثرة تكلفه وبعده من الجودة أبياتًا لا أعدها شيئًا؛ يحملني على إنشادها إياه فرط استدعائه ذلك مني؛ فيلهج بها ويشتد استحسانه لها، وربما درسها فحفظها.

أنشدته يومًا -وقد استدعى مني ذلك على عادته- بيتين ارتجلتُهما في شاب كان يقرأ معنا, كان شديد العفة ﵀ مع حسن رائع وظرف ناصع، كان اسمه فتحًا وهما:

يا من له عن كِنَاسٍمن المتيم قلبُهْ
ما أنت كاسمك فتحٌوإنما أنت قلبُهْ

فطرب والتفت إلى ابنه وقال له: هذا والله الشعر، لا ما تصدعني به طول نهارك؛ إن كنت تقول مثل هذا وإلا فاسكت! فلما كان من الغد قال لي ﵀: أعلمتَ ما صنع عصام أمس؟ قلت: لا؛ قال: كان كما قالوا في المثل: سكت ألْفًا..؛ لم يزل أمس يُعمل فكرته، فبعد الجهد الشديد أخذ معنى بيتيك فسلبه رُوحه وأعدمه رَوْنقه ومسخه جملة فقال:

سبى فؤادي خِشْفُفقوتي اليوم ضَعْفُ
سموه فتحًا مجازًاوفي الحقيقة حتفُ!

ما زاد فيه أكثر من المجاز والحقيقة؛ فقلت أنا: هذا والله أحسن من شعري! فتغير لي وقال: يا بني، دع عنك هذه العادة؛ فإن أسوأ ما تخلق به الإنسان: المَلَق وتزيين الباطل، سيما إذا أضاف إلى ذلك الحَلِف الكاذب. والله إنك لتعلم أن هذا ليس بشيء، وإلا فقد اختل ميزك وساء اختيارك، وما أظن هذا هكذا.

وسمعته -من شدة إنصافه ﵀ يستحسن بيتين هجاه بهما صاحبنا علي بن خَرُوف رحمه الله؛ وذلك أن الأستاذ ﵀ وعفا عنه- كان يلقب بـ الوَزَغِيّ، وكان عنده شاب يقرأ عليه يلقب بـ الغُرْنُوق -وهو اسم عندهم للكُركي، والفصيح فيه غِرْنيقفكان بعض الطلبة يتهمون الأستاذ بالميل إلى ذلك الشاب؛ وذلك خلق قد أعاذه الله منه ونزهه بفضله عنه؛ فقال ابن خروف في ذلك، سامحه الله:

أحقًّا سامَّ أبرصَ ما سمعنابأنك قد تعشقتَ ابن ماءِ
وكيف وأنت في الحيطان تمشيوذاك يطير في جو السماءِ

فأبعده الأستاذ ﵀ وأنهى خبره إلى القاضي أبي الوليد بن رشد، فأوجعه ضربًا؛ وامتنع الأستاذ من قراءته عليه؛ فحرمه الله بهذين البيتين فوائد علمه، وأبعده عن مَرِيع جَنابه، وولاه الأستاذ خطته، وألقى حبله على غاربه؛ فلم يفلح ابن خروف بعدها، ولا حصل على شيء من العلم؛ وإنما كان يعتمد فيما يأتي به على طبعه خاصة.

وقد امتد بنا عنان القول إلى ما لا حاجة لنا بأكثره؛ رغبةً في تنشيط الطالب وإيثارًا للإحماض؛ ولنرجع الآن إلى ما قطعنا:

اليهود في عهد أبي يوسف

وفي آخر أيام أبي يوسف أمر أن يميز اليهود الذين بالمغرب بلباس يختصون به دون غيرهم؛ وذلك ثياب كُحلية وأكمام مفرطة السعة تصل إلى قريب من أقدامهم، وبدلًا من العمائم كلوتات على أشنع صورة كأنها البراديع تبلغ إلى تحت آذانهم؛ فشاع هذا الزي في جميع يهود المغرب؛ ولم يزالوا كذلك بقية أيامه وصدرًا من أيام

ابنه أبي عبد الله، إلى أن غيره أبو عبد الله المذكور، بعد أن توسلوا إليه بكل وسيلة، واستشفعوا بكل من يظنون أن شفاعته تنفعهم. فأمرهم أبو عبد الله بلبسان ثياب صفر وعمائم صفر؛ فهم على هذا الزي إلى وقتنا هذا -وهو سنة وإنما حمل أبا يوسف على ما صنعه من إفرادهم بهذا الزي وتمييزه إياهم به، شكه في إسلامهم؛ وكان يقول: لو صح عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بالمسلمين في أنكحتهم وسائر أمورهم، ولو صح عندي كفرهم لقتلت رجالهم وسبيت ذراريهم وجعلت أموالهم فيئًا للمسلمين؛ ولكني متردد في أمرهم.

ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة، ولا في جميع بلاد المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة؛ إنما اليهود عندنا يظهرون الإسلام ويصلون في المساجد ويُقرئون أولادهم القرآن؛ جارين على ملتنا وسنتنا، والله أعلم بما تكن صدورهم وتحويه بيوتهم.

محنة أبي الوليد بن رشد

وفي أيامه نالت أبا الوليد محمد بن أحمد بن رشد -المقدم الذكر- محنة شديدة؛ وكان لها سببان: جلي وخفي؛ فأما سببها الخفي، وهو أكبر أسبابها، فإن الحكيم أبا الوليد ﵀ أخذ في شرح كتاب الحيوان لأرسطاطاليس صاحب كتاب المنطق، فهذبه وبسط أغراضه وزاد فيه ما رآه لائقًا به، فقال في هذا الكتاب عند ذكره الزرافة وكيف تتولد وبأي أرض تنشأ: وقد رأيتها عند ملك البربر ... جاريًا في ذلك على طريقة العلماء في الإخبار عن ملوك الأمم وأسماء الأقاليم، غير ملتفت إلى ما يتعاطاه خَدَمة الملوك ومتحيلو الكتاب من الإطراء والتقريظ، وما جانس هذه الطرق؛ فكان هذا مما أحنقهم عليه, غير أنهم لم يظهروا ذلك. وفي الجملة فإنها كانت من أبي الوليد غفلة؛ فقد قال القائل: رحم الله من عرف زمانه فمانَه، وميز مكانه فكانَه!. وما أحسن ما قال الأول:

وأنزلني طول النوى دار غربةإذا شئتُ لاقيت الذي لا أشاكلُه
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «وأنزلني طول النوى دار غربة»
فحامقتُهُ حتى يقال سجيةولو كان ذا عقل لكنت أعاقلُه!

واستمر الأمر على ذلك إلى أن استحكم ما في النفوس. ثم إن قومًا ممن يناوئه من أهل قرطبة ويدّعي معه الكفاءة في البيت وشرف السلف، سعوا به عند أبي يوسف؛ ووجدوا إلى ذلك طريقًا، بأن أخذوا بعض تلك التلاخيص التي كان يكتبها، فوجدوا فيها بخطه حاكيًا عن بعض قدماء الفلاسفة بعد كلام تقدم: فقد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة....، فأوقفوا أبا يوسف على هذه الكلمة؛ فاستدعاه بعد أن جمع له الرؤساء والأعيان من كل طبقة وهم بمدينة قرطبة، فلما حضر أبو الوليد ﵀ قال له بعد أن نبذ إليه الأوراق: أخطك هذا؟ فأنكر! فقال أمير المؤمنين: لعن الله كاتب هذا الخط! وأمر الحاضرين بلعنه؛ ثم أمر بإخراجه على حال سيئة وإبعاده وإبعاد من يتكلم في شيء من هذه العلوم. وكتبت عنه الكتب إلى البلاد بالتقدم إلى الناس في ترك هذه العلوم جملة واحدة، وبإحراق كتب الفلسفة كلها، إلا ما كان من الطب والحساب، وما يتوصل به من علم النجوم إلى معرفة أوقات الليل والنهار، وأخذ سمت القبلة. فانتشرت هذه الكتب في سائر البلاد وعُمل بمقتضاها.

ثم لما رجع إلى مراكش، نزع عن ذلك كله، وجنح إلى تعلم الفلسفة، وأرسل يستدعي أبا الوليد من الأندلس إلى مراكش للإحسان إليه, والعفو عنه. فحضر أبو الوليد ﵀ إلى مراكش، فمرض بها مرضه الذي مات منه ﵀, وكانت وفاته بها في آخر سنة وقد ناهز الثمانين، ﵀.

ثم توفي أمير المؤمنين أبو يوسف بعد هذا التاريخ بيسير، وكانت وفاته -كما ذكرنا- في غرة صفر الكائن في سنة.

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المعجب في تلخيص أخبار المغرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.