تجاوز إلى المحتوى

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة» للقاضي التنوخي (ت ٣٨٤هـ)

لئيم يفخر بلؤمه

حدّثني أبو القاسم عبد الله بن محمد بن مهرويه، بن أبي علّان الأهوازيّ الكاتب، خال والدي، قال:

كانت بيني وبين أبي جعفر بن قديدة، عداوة، وكنت قد تبت من التصرّف مع السلطان.

فتقلّد ضياع السيدة أمّ المقتدر، وفيها ما يجاور ضيعتي، فآذاني أذى شديدا، في الشرب، والأكرة، وقصد إخراب ضيعتي، وإبطال جاهي، فصبرت عليه.

فقبض يوما على أكّار لي، فصفعه صفعا عظيما، فأنفذت إليه كاتبا كان يكتب لي على ضيعتي، يعرف بأبي القاسم علي بن محمد بن خربان، ليعاتبه، ويستكفّه، ويأخذ الأكّار، فتلقّى الرجل بكلام غليظ.

فعاد إليّ، فقال: إنّ هذا قد جدّ بك، [فخذ حذرك]، ودبّر أمرك بغير ما أنت فيه.

فقلت: ما الخبر؟

فعرّفني ما جرى عليه.

ففكّرت، فلم أر لحسم مادّته عني، وأذيّته في نفسه، غير ضمان ضياع السيّدة، وتسلّمه، ومطالبته بالحساب، وإيقاعه في المكاره.

فكتبت إلى كاتب السيّدة، وخطبت ضمان النواحي، بزيادة ثلاثين ألف دينار في ثلاث سنين، عمّا رفعها ابن قديدة، على أن يسلّم إليّ، لأحاسبه

وأطالبه، بما يخرجه الحساب عليه، وأوفّره، مضافا إلى هذه الزيادة. وأنفذت الكتاب مع فيج قاصد.

فحين نفذ، اغتممت، وقلت: ضياع لا أعرف حاصلها على الحقيقة، لم حملت نفسي على هذا؟ وكان احتمال عداوة الرجل، أيسر من هذا.

وطرحت نفسي مفكّرا، وأنا بين النائم واليقظان، حتى رأيت، كأنّ رجلا شيخا، أبيض الرأس واللحية، بزيّ القضاة، قد دخل إليّ، وعليه طيلسان أزرق، وقلنسوة، وخفّ أحمر.

فقال: ما الذي يغمّك من هذا الأمر؟ ستربح في أوّل سنة من هذا الضمان، على ما زدته، عشرة آلاف دينار، وتخسر في الثانية، عشرة، وتخرج في الثالثة بغير ربح ولا خسران، ويكون تعبك بإزاء اشتفائك من عدوّك.

فانتبهت متعجّبا، وسألت: هل دخل إليّ أحد؟

فقالوا: لا، فقويت نفسي قليلا.

فلما كان في اليوم الثاني والعشرين، ورد رسول من بغداد، بكتب إليّ قد أجبت فيها إلى ملتمسي، وكوتب في طيّها، عامل كان لهم بالطيّب مقيما، يشرف على جميع عمّالهم بكور الأهواز يؤمر بقدومها وتسليم ابن قديدة إليّ، وعقد الضمان عليّ.

فأنفذت إلى العامل سفتجة بألف دينار مرفقا، وكتبت إليه، وسألته الحضور، وأنفذت إليه الكتب الواردة.

فلما كان بعد أيّام، كنت جالسا مع عامل الأهواز، على داره بشاطىء دجيل فإذا بعسكر عظيم [ ط] قد طلع من جانب المأمونيّة.

فارتاع، وظن أنّ صارفا قد ورد، وأنفذ من سأل عن الخبر، فعاد، وقال: فلان، عامل السيّدة، فعبر في طيّاره، وأنا معه، لتلقّيه.

فحين اجتمعا، قال له: يا سيّدي، أريد ابن أبي علان.

فقلت: أنا هو يا سيّدي.

قال: ولم يكن يعرفني، ولا أعرفه إلّا بالوجوه فأقامني من موضعي، ورفعني فوق الجماعة، وتحيّر العامل، ومن حضر.

وقال له: أريد ابن قديدة، فأنفذ إليه، فاستدعاه.

فحين حضر قيّده، وقال لي: يا أبا القاسم تسلّمه.

فقال العامل: أيش هذا التعب؟ وأقبلت الجماعة تمازحني.

فقلت: هو أحوجني إلى هذا.

قال: فتسلّمته، وقمت إلى داري.

وعبر عامل السيّدة، فحملت إليه من الألطاف، والأنزال، والهدايا،

ما صلح، وعقد عليّ الضمان من غد، وانصرف في اليوم الثالث.

وحملت إليه ألف دينار أخرى مرفقا.

وحصّلت ابن قديدة معي في المكاره متردّدا، ووفّرت من جهته مالا على السيّدة، وكاتبها، وكذا العامل، وارتجعت ما لزمني على مؤونة العامل ومرفقه.

وأطلقته بعد شهور إلى داره، وقد ركبه دين ثقيل، وباع شيئا من ضيعته، وانكسر جاهه، وانخزلت نفسه.

ونظرت في الضمان، وتصرّمت السنة، فربحت عشرة آلاف دينار.

فقلت: قد جاء ما قال الشيخ في المنام، فأثبتّها عند الصارف، ولم أدخلها في دخلي، ولا في خرجي.

فلما كانت السنة الثانية، قعدت بي الأسعار، فخسرت ذلك القدر، فأدّيته بعينه في الخسران.

فلما كانت السنة الثالثة، خرجت رأسا برأس، ما خسرت ولا ربحت شيئا.

فصحّحت مال الضمان، وكتبت أستعفي، وقد علمت أنّ النكبة قد بلغت بابن قديدة إلى حدّ لا يجسر أن يتقلّد معها، ولا أن يقلّد أيضا.

فلم يعفني كاتب السيّدة، وطالبني بتجديد الضمان على الزيادة، وعمل على التأوّل عليها من ابن قديدة.

وأنفذ في إشخاصي، خادما من كبار خدم السيّدة، فجاء في طيّار، وأمر هائل، فتخوّفت من الشخوص معه، فأحصل في الحبس، وتستمر عليّ المكاره، وأنقطع عن الشروع في الخلاص.

فأنزلت الخادم، وهاديته، ولا طفته، وحملت إليه خمسة آلاف درهم فاستعظمها، وعبدني.

فقلت له: إنّ ذيلي طويل، وأريد أن أصلح أمري، ثم أخرج، فتمهلني أسبوعا، وتدعني أخلو في منزلي، وأصلح ما أحتاج إليه، ثم أخرج معك، فمكّنني من ذلك.

فقلت لإخوتي، وأصهاري، وكتّابي: ليدعه كلّ واحد منكم يوما، له، ولغلمانه، وأسبابه، وامنعوهم من معرفة خبري، وشاغلوهم بالنبيذ، والشطرنج، والمغنّيات، ففعلوا ذلك.

وخرجت أنا تحت الليل بمرقّعة، راكبا حمارا، ومعي غلامان من غلماني، ودليل، وليس معي شيء من الدنيا، إلّا سفاتج بخمسة آلاف دينار.

وسرت واشتغل الخادم بالدعوات، فما عرف خبري إلّا وأنا بواسط، فقامت قيامته، وانحدر في طريق الماء، فوصل إلى الأبلّة، وقد قاربت أنا [ ط] بغداد، ثم دخلتها متخفّيا، وطرحت نفسي على أبي المنذر النعمان ابن عبد الله، وكانت لي به حرمة وصحبة، أيّام تقلّده الأهواز، وتصرّفي

معه، فلقي بي أبا الحسن، عليّ بن عيسى، وهو إذ ذاك الوزير، وعرّفه محلّي.

فقال لي: قد كنت أحبّ أن أراك، لما يبلغني من حسن صناعتك، وطرح إليّ أعمالا، فعملتها بحضرته، وأعجبته صناعتي، وقرّظني.

ولزمته أيّاما، وخبري منستر عن كاتب السيّدة، ثم خاطب الوزير [في أمريّ]، وخوطبت السيّدة. فقالت: لا أقرّر أمره، أو يصير إلى ديواني.

فقال لي: امض وأنا من ورائك، ولا تخف. فمضيت، فاعتقلوني، فراسلتهم في أمري.

وحضر أبو المنذر، ديوان السيّدة، فتوسّط ما بيني وبينهم، وقرّر الأمر على صلح ثلاثة آلاف دينار، أو نحوها- الشك منّي- وضمنها عنّي، وأخذني إلى داره، فأدّيتها إليه من جملة السفاتج.

وطالبني عليّ بن عيسى، بالتصرّف معه، فعرّفته توبتي منه، وإنّي إنّما ضمنت هذا الضمان، لضرورة، وشرحت له الخبر، فأعفاني.

فرجعت إلى الأهواز، وقد مضت السنون على العداوة بيني وبين ابن قديدة، إلّا أنّه منهزم.

وكتب السلطان ببيع ضياعه بالأهواز، وكان الناس يشترون ما يغلّ في سنة وأكثر، بنصف ثمنه، فاشتريت ما كان فيه غناي، وخرقت فيه الحكم.

واشترى أبو عبد الله البريديّ لنفسه، بأسماء قوم، أمرا عظيما، برأيي واختياري له، وكان سرّه عندي، وكان في ذلك الوقت لا يتقصّى عليّ.

واشترى ابن قديدة، فيمن اشترى، وتصرّفنا في الضياع.

فكتب السلطان بإلزامنا زيادة عظيمة، أظنه قال: مائة ألف دينار.

فقال لي البريديّ: كيف أعمل في الزيادة؟

قلت: لا يلزمها الناس لك، وواضعت أهل البلد على الامتناع، فجمعهم، وخاطبهم، فامتنعوا، واحتاج إلى أن خبطهم.

فخلا بي، فقال: ما أعرف في هذا غيرك، فدبّره لي، وألزمني ذلك.

فقلت: مكّنّي من العمل بما أريد، وعليّ المال.

فقال: أنت ممكّن.

فجلست أنا وغلام جوذاب، فقسّطنا المال على أهل البلد، وأخرجنا أنفسنا، فما ألزمناها شيئا، ونقّصنا من عنينا به، وزدنا بإزاء ذلك على غيره.

قال: واعتمدت أن قسّطت على ابن قديدة ضعف ما يلزمه، وعملنا بذلك جرائد.

وناظرنا الناس على الالتزام بما قسّطناه، فامتنعوا، وقالوا: على أيّ حساب هذا؟ وحاسبونا، وناظرونا.

فقلت للجماعة: من صلح له أن يلتزم هذا التقسيط، وإلّا فليحاسبنا على ما قبضه من غلّات الضياع التي اشتراها، وأنا أرد عليه ما يبقى له من الثمن بعد ذلك، وآخذ ما اشتراه، وألتزم هذه الزيادة.

وكان كلّ إنسان قد اشترى ما في شركته، وما في جواره، ممّا كان يتأذّى به هو وأسلافه، منذ مائة سنة، وما كان يتمنّاه ويشتهيه منذ ذلك العهد، وما قد ارتحصه، واستصلحه.

فقامت قيامة أهل البلد، والتزموا عن آخرهم التقسيط، على ما فصّلته عليهم، من غير محاسبة.

وورّكت على ابن قديدة مالا عظيما، فلم يكن له فيه وجه.

فأنا جالس في بيتي ليلة، إذ جاءني [ ط]، فدخل إليّ. فقلت:

ما هذا يا أبا جعفر؟ وقمت إليه، وسلّمت عليه، فعاتبني، وخضع لي.

فقلت: ما تريد؟

فقال: تخفّف عنّي من التقسيط، وتعاونني بمالك، فو الله، ما معي ما أؤدّيه.

فخفّفت عنه منه شيئا يسيرا، وأقرضته ثلاثين ألف درهم، وكتبت بها عليه قبالة، وأشهدت فيها جماعة عدول البلد، وتركتها في بيتي، فلم أفكّر في المال سنين، ورجعت أدسّ المكاره، والمغارم، والمحن عليه، وهو يذوب، وينقص في كل يوم.

فلما علمت أنّه قد بلغ آخر أمره، طالبته بالدين، فاستتر عنّي في منزله.

فاستعديت عليه إلى القاضي أبي القاسم عليّ بن محمد التنوخيّ، فكتب

لي عدوى إلى صاحب المعونة.

فهرب من داره، فنادى القاضي على بابه بالحضور، فلم ينجع ذلك.

فسألت البريديّ إخراجه، فكبس عليه وأخرجه، وأحضره معي إلى القاضي، فقامت البيّنة عليه بالمال. فسألت القاضي حبسه.

فقال لي القاضي عليّ بن محمد: الحبس في الأصل غير واجب، وذوو المروءات لا يحبسون مع أصاغر الناس في حبس واحد، ولكن أمكّنك من أن تلازمه بنفسك أو أصحابك، كيف شئت.

فلازمته في مسجد على باب القاضي [بأصحابي] ومضيت إلى البريديّ، فقلت: قد لحقت خصمي عناية القاضي، فالله الله فيّ، فإنّي لا آمن أن يدسّ ابن قديدة إلى أكرته، أو إلى قوم من الجيش، فيؤخذ من يدي، ويخرج إلى بغداد، فيبطل المال عليّ، ويحصل هناك يسعى بي، ويعرّض نعمتي للزوال.

قال: فخاطب البريديّ القاضي في ذلك، فتقرّر الأمر بينهما على أنّي اكتريت دارا قريبة من حبس القاضي، أؤدّي أنا أجرتها، وأجلس ابن قديدة فيها، وألازمه بأصحابي، وأوكّل بها رجّالة أعطيهم من مالي أجرتهم يحفظونه.

فنقلته إليها، فأقام فيها سنة وكسرا، وهو لا يؤدّي المال، ويكايدني عند نفسه، وأنا قد رضيت أن يتأخّر المال، ويبقى هو محبوسا.

واعتلّ علّة صعبة، فجاءتني أمّه، وكانت بيني وبينها قرابة، فسألتني إطلاقه، وبكت، فلم أفعل.

إلى أن بلغني أنّه في النزع، وجاءتني تبكي، فرحمتها، فأطلقته لها، بعد أن كفلته منها.

فمات بعد ثلاثة أيام، وابتعت بالمال ضياعا من ضياعه.

النص من طبعة عبود الشالجي (١٣٩١هـ)، كما في المكتبة الشاملة: الأجزاء التي وصلت من الكتاب نفسه، بعد حذف مقدمات المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.